بطلان ما جاء في بيان الهيئة الشرعية لتنظيم الدولة من تكفير للجبهة الإسلامية والفصائل المجاهدة

بقلم عادل باشا
إن من حباه الله بنور العلم ووقف عند حدود ما أنزل على رسوله يعلم أن التكفير بهذه الإطلاقات تكفير بالشبهات والظنون.. وما ذكروه في البيان من كلام أهل العلم معلوم مشهور لا يخفى، وليست المشكلة في النقول، ولكن في الفهوم التي تتناول هذه النقول وتنزلها على غير مناطها !!

الحمد لله وحده ..
أخرجت الهيئة الشرعية لجماعة تنظيم الدولة بيانًا ذكرت فيه أنهم درسوا حال الجماعات المتواجدة على الساحة الجهادية في سوريا، وتوصَّلوا إلى أنها جماعات مرتدة تتستر وراء أسماء وشعارات تحكيم الشريعة؛ وبعد دراسته والتأمل فيه تبين أنه بيان جائر يطفح بالغلو والتكفير، وليس عليه أثارة العلم ولا نوره، بل تعلوه ظلمة الجهل والغلو، وما فيه من تقرير لم يكن على طريقة أهل العلم والتحقيق . !
ولي مع هذا البيان وقفات
أولًا: هذا البيان قد سبقه تكفير الجبهة الإسلامية من جنود الدولة وشرعيِّيها وثبت ذلك في مقاطع فيديو وعبر المنتديات ومواقع التواصل، فلم يأت بجديد سوى الإيهام أن هذا التكفير جاء عن أدلة وبينات !

ثانيًا: هذا البيان يلزم منه تكفير جميع الفصائل المُجاهِدة على أرض الواقع بما فيهم جبهة النصرة المنبثقة من رحم القاعدة، وهذا غلو وتوسُّع شديد في تكفير المخالفين، وقد بدأ مسلسل التكفير في العراق بتكفير الجيش الإسلامي ثم تكفير من يتعامل معه، ولم يكفره وانتهى بأنصار الإسلام واتهامهم بالصحوات ومقاتلتهم، وبدأ في الشام بتكفير كل من ليس في الدولة بحجة أنهم صحوات تحت ذرائع وشبهات باطلة كما سيأتي .

ثالثًا: لقد قالت الدولة من قبل ونادى أميرها البغدادي بقوله: "كفوا عنا نكف عنكم" بما يعني أن قتاله لهذه الفصائل كان دفاعًا يدفع به عن نفسه، ثم تبين بهذا البيان أن قتاله لهم قتال ردة، وأن قوله "كفوا عنا نكف عنكم" كان للتعمية على الناس لإخفاء تكفيره لهذه الفصائل !

رابعًا: ما ذكره من أسباب لتكفير الجبهة لا ينضبط في الظاهر ويتضمن خلطًا كبيرًا بين صورة الموالاة المكفرة والمحرمة والجائزة !

فالسبب الأول لتكفير الجبهة الإسلامية بحسب البيان هو: انضمامها لهيئة الأركان التابعة للائتلاف الوطني بدعوى أن هذا تولٍّ للكفار!! 
والاعتماد على هذا السبب لا يصح !! 
بل إن تكفير هيئة الأركان والائتلاف الوطني بموجبه لا يصح أيضًا، فكيف يبنى عليه تكفير من تولاهم؟!

قالوا في البيان صفحة 3
)
لا بد من بيان حال الهيئتين - هيئة الأركان والائتلاف -، وبيان حكم الشرع فيهما) اهـ.
ثم قالوا: (إن من المعلوم من حال هيئة الائتلاف والأركان توليهما الدول التي تحارب الإسلام والمسلمين، وفي مقدمة تلك الدول أمريكا وفرنسا..) اهـ.
وهذه الحجة لا تستقيم ولا تنضبط في الظاهر !!
وذلك لأن ناقض التولي أو الموالاة المكفرة لا ينضبط إلا في حال مواجهة مباشرة بين الكفار والمسلمين فمن يظاهر الكفار على المسلمين ويناصرهم فهو حينئذ كافر.
أما والحال في سوريا ليس كذلك، فالجميع في مواجهة كافر نصيري مجرم، فإن القول بتوليهم لأمريكا وفرنسا بمجرد التعاون معهم في حربهم ضد هذا الطاغية وإسقاطه لا ينضبط، فما المانع من التعاون مع أمريكا والغرب وغيرهم في مواجهة هذا الطاغية إذا التقت المصالح في ذلك؟!

وقد كان ذلك إبان الاحتلال الروسيّ على أفغانستان، وكانت المساعدات تأتي من كل مكان بل المشورة والتدريب كان على يد أمريكا وغيرها، ولم يتكلم أحد في كفر ولا تكفير ..

نعم قد يكون قادة الهيئة بخلفيتهم العلمانية وما عرفوا به من بُعد عن الدين وعدم التزام لأحكامه في موضع شبهة في تعاملهم مع الأمريكان والغرب، لكن الاعتماد على تكفيرهم بالقول بأنهم يتولون الكفار غير منضبط شرعًا وغير دقيق !! 
فثمة صور قريبة من التولي قد تكون نفاقًا وكفرًا في الباطن لا في الظاهر، وقد تكون فسقًا لا كفرًا، وقد كفر بعض الصحابة مالك ابن الدخيشن وقالوا: إنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك وقال: "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"، والحديث في الصحيحين، وقال أبو الدرداء: "إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم"،
فوصف التولي لا يتنزل على الاجتماع مع الكفار أو التبشش إليهم أو أخذ السلاح أو تلقي المعونات أو عقد الاتفاقات أو غير ذلك 
قد يقول قائل: وهل يخفى عداء أمريكا وفرنسا والغرب وحربهم على الإسلام والمسلمين؟!
أقول: هذا لا يخفى على ذي عينين.. ولكن هذا أمر.. وضبط مناط التكفير بتوليهم أمر آخر
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: ( وقد رأيت : سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالأحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة وكفَّرا مَن في تلك البلاد من المسلمين وحجتهم من جنس حجتكم يقولون: أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده الذي ردَّ دعوة الشيخ محمد، ولم يقبلها وعاداها .
قالا : ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت، ومن جالسه فهو مثله ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين، الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام حتى تركوا رد السلام..) اهـ.

وقال: (.. وعرفتم أن مسمى الموالاة يقع على شُعب متفاوتة ، منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات ) الدرر 8/342.

فضوابط الشريعة محكمة في الحكم على الناس بالكفر، لا سيما إذا كنا في ساحة المعركة لما يترتب على ذلك من استحلال للدماء والأعراض والأموال، وهذا يختلف عن التنظير المجرد والذي يقف الخطأ فيه على مجرد الوصف بالكفر..!
هذه الضوابط التي لم تجعل علم النبي -صلى الله عليه وسلم- بباطن المنافقين مجوزًا له أن يكفرهم ويستحل دماءهم رغم أن مصدره الوحي .
الضوابط التي لم تسوغ لمن رأى الزاني وهو يزني أن يتكلم بما رآه حتى يأتي بثلاثة غيره يشهدون بما شهد وإلا فالحدّ في ظهره !!
الضوابط التي تحول دون علمك أن فلانًا يرتكب النواقض وبين إظهار ذلك والإعلان عنه دون الإتيان ببينة شرعية !
الضوابط التي وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- شعارها، وأسس قاعدتها بقوله: ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم)..

فالتستر وراء هذه العمومات كان -وما يزال- من أعظم أسباب ضلال أهل البدع ، فلا تجد مبتدعًا إلا ويستدلّ على بدعته بعموم آية أو مطلق حديث !

ولست معنيًّا بإثبات كفر الهيئة أو نفيه فقد يثبت كفرها لأسباب أخرى لكن الاقتصار على القول بتوليهم للكفار لا ينضبط
وإذا لم ينضبط كفر هيئة الأركان والائتلاف بهذا الناقض ، فكيف ينضبط كفر من تولاهم بعد ذلك؟!
لذا فهذا البيان لم يأت على طريقة أهل العلم في ضبط المناط وتنزيله !!

وإذا سلمنا جدلًا بكفر هيئة الأركان والائتلاف، فإن الجبهة قد أعلنت تركها لهذا الائتلاف وهذه الهيئة، وأخرجت بيانًا واضحًا وصريحًا تعلن فيه انسحابها، وأكدت أنها لم تكن تعلم عن ارتباط هيئة الأركان بالائتلاف الوطني، ومع ذلك كله يصرّ أصحاب البيان على تكفيرهم بدعوى أن ذلك لا يكفي للتوبة من الكفر !!.

والسبب الثاني للتكفير قولهم :
إنهم يصححون مذاهب الكفار، وهذه شبهة أَوْهَى من سابقتها، وتقوم على المجازفة والتخمين، واتباع المتشابه وترك اليقين، فميثاق الجبهة حاكم على كل قول هنا وهناك لا سيما في ساحة السياسة والمداراة والمناورات، فهل قالت الجبهة أو غيرها من فصائل الجهاد: إن الديمقراطية حق ودين؟
هل قالت: إننا نسعى إلى الديمقراطية ونقاتل من أجلها كما قال غيرهم ممن يؤمنون بها ونقلتم أقوالهم؟!
ثم هل الديمقراطية أصلًا لفظ معروفٌ معناه، مجمع على كفر من ينادي به أو يتبناه ؟
الديمقراطية لفظ حادث يتكلم به كلٌّ بما يفهمه منه، فهو كالاصطلاح يختلف معناه عند الناس، فمنهم من يحمله على الشورى ومنهم من يحمله على الحرية في اختيار من يرأسه، ومنهم من يحمله على آليات وسياسات الاختيار دون فلسفته وثقافته والتي يعلن الكفر بها، ومنهم من يحمله على كل ذلك ويناور به سياسيًّا ويسعى به إلى تطبيق شرع الله وهو مخطئ في ذلك، ومنهم من ينادي به عالمًا بمعناه مقدمًا له على شريعة الله، فنحن أمام لفظ حادث ولا يستطع أحد أن يزعم أن كل من تكلم به يكفر، لا يجترئ على التكفير إلا متهور لا يقف عند حدود الله !

والحقيقة أنهم لم يجدوا شيئًا صريحًا لتكفيرهم فادعوا أنهم ينادون بدولة مدنية وأنهم يقولون إنهم سيتعايشون مع الآخر ويعطونه كلّ حريته ومعتقده .. وما الكفر في ذلك؟ ألم يتعايش النبي -صلى الله عليه وسلم- مع اليهود والنصارى والمشركين في مكة والمدينة؟!

ألم يشرّع الإسلام لبقائهم بأخذ الجزية منهم، ووضع لهم الضوابط وشرع الشرائع التي تحفظ عليهم أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وتضمن لهم حريتهم واعتقادهم وعبادتهم ... هل جاء الإسلام بإبادة الآخر؟
إن من حباه الله بنور العلم ووقف عند حدود ما أنزل على رسوله يعلم أن التكفير بهذه الإطلاقات تكفير بالشبهات والظنون..

وما ذكروه في البيان من كلام أهل العلم معلوم مشهور لا يخفى، وليست المشكلة في النقول، ولكن في الفهوم التي تتناول هذه النقول وتنزلها على غير مناطها !!

والله أعلم