مراعاة الأحوال من ضروريات الفتوى

الشيخ / عادل الباشا
فالبعض يعتقد أن الصراع بين الحق الباطل والكفر والإيمان قد تمثل فيما يدور من معارك بين المجاهدين وأنظمة الردة والعمالة، وأن حقيقة الصراع قد تكشفت للجميع وأصبح حال الطرفين معلوماً بالضرورة لدى عامة الناس، فيبني على ذلك أحكام التولي والموالاة من الكفر واستحلال الدماء لكل من لا يقف في صف المجاهدين؛ وهذا من أعظم الأخطاء التي يقع فيها من هذا تصوره !!

الحمد لله والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فهذه نداء ورجاء إلى مشايخنا وإخواننا الشرعيين والمفتين على أرض الشام ..

وهي بعنوان :" مراعاة الأحوال من ضروريات الفتوى "  

·      حقيقة التغييب الحاصل لدى لعامة.

فالبعض يعتقد أن الصراع بين الحق الباطل والكفر والإيمان قد تمثل فيما يدور من معارك بين المجاهدين وأنظمة الردة والعمالة، وأن حقيقة الصراع قد تكشفت للجميع وأصبح حال الطرفين معلوماً بالضرورة لدى عامة الناس، فيبني على ذلك أحكام التولي والموالاة من الكفر واستحلال الدماء لكل من لا يقف في صف المجاهدين؛ وهذا من أعظم الأخطاء التي يقع فيها من هذا تصوره !!

-     فما الظن برجل غيب عن الواقع والشريعة عقودا من الزمن ، صُور له المجاهدون أنهم إرهابيون عملاء!وأنهم يكفرون ويقتلون ويفجرون،حتى  أصبحوا البعبع الذي يخوفونهم به ،فشب على ذلك الصغير وشاب عليه الكبير، وفي نفس الوقت لم يقدم المجاهدون ما يكفي لكشف زيف هذه الصورة أو بيان حقيقة هؤلاء الحكام من الكفر والاستبداد ، ثم إنه لما رآهم عياناً وجد من " الغلاة " ما كان يسمعه عبر عقود من القتل والتكفير وقطع الرؤوس وسبي النساء ،ووجد من البعض من يتهم إخوانه بالخيانة والعمالة !!

2- وفي المقابل يرى من يعتقدهم  علماء ملتفين حول الرؤساء يقرون لهم بالولاء ويشهدون لهم بالاسلام ،فيرى البوطي يدعو للجهاد تحت راية بشار ويبشر من يقتل بالشهادة !!

3- بل يرى بعض من ينتسب إلى العلم يعتبرهم  هؤلاء النصيرية من عموم الشيعة ويحكم لهم بالاسلام !

·      فلا شك أن كل هذا قد شوش على تصورهم لحقيقة الصراع ، بل هي عندهم مجرد صراع على السلطة، فهذا يتشبث بها وهذا يريد أن ينتزعها منه!

وليس هذا على مستوى العامة فحسب بل على مستوى النخب، فقد تكلم بعضهم بأن ما يدور في سوريا من قتال إنما هو قتال فتنة لا يجوز الدخول فيه، أو إعانة طرف ضد طرف ، فسووا بين بشار والمجاهدين والثوار! هذا وهم طلاب علم ومشايخ ، فكيف بالعامة؟!

·       في التاريخ عبرة:

ولقد حدث في التاريخ حالة مماثلة لما نحن فيه..

حيث اشتبه حال التتار المنتسبين للإسلام على البعض وأنه كيف يُقاتَلون وفيهم المسلمون وقد يكونوا مكرهين ؟

فأجاب عن ذلك شيخ الإسلام في فتوى طويلة أنقل طرفاً منها ليستبين الحال ونحدد موضع الشاهد ... فكان السؤال عن:  ( أجناد يمتنعون عن قتال التتار ويقولون: إن فيهم من يخرج مكرها معهم، وإذا هرب أحدهم هل يتبع أم لا ؟) ا.هـ

فأجاب رحمه الله :

( قتال التتار الذين قدموا إلى بلاد الشام واجب بالكتاب والسنة..قال تعالى .. "فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله".وهذه الآية نزلت في أهل الطائف لما دخلوا في الإسلام والتزموا الصلاة والصيام، لكن (امتنعوا من ترك الربا) فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا، والربا هو آخر ما حرمه الله، وهو مال يؤخذ برضى صاحبه.فإذا كان هؤلاء محاربين لله ورسوله يجب جهادهم، فكيف بمن (يترك كثيرا من شرائع الإسلام أو أكثرها) كالتتار؟! ) ا.هـ

فواضح أن كلامه رحمه الله في (التتار) الذين :

1- دخلوا في الإسلام.2-وامتنعوا عن التزام شرائعه.

فلما أشكل حالهم على البعض قال:

(وهذا موضع اشتبه على كثير من الناس من "الفقهاء" المصنفين في قتال أهل البغي) ا.هـ

وهذا يوضح أن حالة الالتباس لديهم كون هؤلاء التتار منتسبين للإسلام !

ثم قال رحمه الله - وهنا موضع الشاهد - :(وأيضا لا يقاتل معهم غير مكره إلا فاسق.

أو مبتدع. أو زنديق، كالملاحدة القرامطة والباطنية، وكالرافضة السبابة، وكالجهمية المعطلة من النفاة الحلولية. ومعهم ممن يقلدونه من المنتسبين إلى العلم والدين من هو شر منهم.فإن التتار جهال يقلدون الذين يحسنون به الظن..) ا.هـ.

فجعل رحمه الله من يقاتل مع هؤلاء التتار على أحوال:

1- فمنهم المبتدع.

2- ومنهم الفاسق.

3- ومنهم الزنديق.

فلم يجعل جميع من قاتل معهم  كفارا ؛ وذلك لاعتباره الاشتباه الحاصل في أمرهم كونهم منتسبين للإسلام .

تنبيه مهم:

البعض يحتج بهذا النقل على:[عدم كفر من ظاهر الكفار على المسلمين].

فيحكم لمن يظاهرهم بأنه قد يكون وقد يكون، استنادا لهذا الكلام متجاهلاً أن كلامه في:

[قتال المنتسبين للإسلام] لا  [ قتال الكفار الحربين ] أو [ المرتدين المستعلنين بالكفر ] !

أعود فأقول:

جهل كثير من الناس بحقيقة الصراع وطبيعة المعركة ترتب عليه ولاءات باطلة وأعمال محرمة ومواقف مخزية في حق المجاهدين والثوار ما كانت لتصدر من البعض إلا ل(شيوع حالة الالتباس بين الحق والباطل ).

·       فالطريقة الشرعية في التعامل مع الواقع كهذا إنما يكون باعتبار كل ما مضى عند تنزيل الأحكام.وعدم مراعاته خروج عن مقتضى العدل وأحكام الشريعة .

ولا شك أن من ﻻ يعتبر ذلك لا يصلح في أمر الفتوى أو تنزيل الأحكام الشرعية على واقع الناس، لأنه هو نفسه مغيب عن الواقع!

وفي هذا المبحث تنبيهات مهمة وقواعد ملمة:

1- مراعاة الأحوال لا يعني تغيير الأحكام:

لأن مراعاة الواقع داخل في: أ- تحقيق المناط. ب- والفقه بالواقع.

ومعرفة أحوال الناس وعاداتهم وطبائعهم وأعرافهم من أصول الفتوى وفقه الشريعة.

لذا اختلفت وصايا النبي صلى الله عليه وسلم بحسب اختلاف أحوال من يستوصيه.

وهذا باب واسع عليه من الدلائل الشرعية والعقلية ما لا يتسع له المقام، وهي لا تخفى على باحث!

2- ومن الجهة الأخرى: فمراعاة الواقع واعتبار أحوال الناس لا يعني أن نطوع النصوص بحسب أغراضهم أو نحرف المعاني لموافقة أحوالهم وشرعنة واقعهم.

فإن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه والتلاعب بآيات الكتاب و السنة ..

3- والحق أننا يجب أن نضع هذه الاعتبارات أمام ناظرينا حين الفتوى أو إصدار الأحكام، فنراعي تأثيرها على القصود .

أ- فالقصد إلى العمل مبني على معرفة معنى  القول وحال من يوالى .

ب- والجهل (بالمعنى) و (الحال) ينفي القصد وهو معتبر في الإعذار باﻻتفاق.

بخلاف الجهل (بالحكم) ففيه النزاع والخلاف المشهور !

وهاك أمثلة:

- من سجد قدام صنم لا يعلم أنه صنم كأن كان أعمى أو كان الصنم مغطى وهو في مسجد أو مصلى فهذا جهل بالحال يرفع القصد إلى الفعل.

- من يرمي المصحف ظناً منه أنه كتاب سحر أو غيره وهو جاهل أو أعمى.

- من تكلم بكلمة لا يعلم معناها ولا يعلم أنها تنقص في حق النبي صلى الله عليه وسلم وهي محتملة لذلك، إما لخفاء المعنى أو لتغيير عرف الاستعمال لها فهذا أيضاً (جهل بالحال) يرفع القصد إلى القول.

- من ذلك قوله سبحانه : "لا تقولوا راعنا " لأن اليهود كانوا يقولونها على غير ما تعارف الناس عليه، فيقصدون بها " الرعونة " تعريضاً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

فجاء الشرع فحسم مادة الشر بالنهي عن استعمال هذا التركيب في حق النبي صلى الله عليه وسلم واستبدله بقوله "وقولوا انظرنا ".

ومن اﻷمثلة الكثيرة المعاصرة:

- من ينتخب البرلمانيين ظنا منه أنهم يقدمون له الخدمات فيرصفون له الطرقات ويبنون له المدارس والمستشفيات ويتنافسون في برامجهم على ذلك فيرشح من يعتقد أنه أصدق في القيام بذلك، دون أن يشعر أن هؤلاء يشرعون أحكاماً مخالفة لشريعة الله.

- من يثني على الديمقراطية ظنا منه أنها الشورى التي أمر بها الشرع وزكى أهلها، أو أنها وسيلة عصرية لاختيار أهل الحل والعقد من الحكام والممثلين عن الأمة.

- من يتكلم بالليبرالية على أنها الحرية التي كفلها الإسلام.

- من ينادي بالاشتراكية على أنها نصرة للضعفاء ضد الاستبداد والظلم والقهر .

وهكذا ...

وما مضى من أمثلة ليست من اشتراط "قصد الكفر" الذي يقول به مرجئة العصر.

ج- ففرق بين "قصد العمل" المكفر: فهذا لا بد منه،وبين " قصد الكفر" في العمل: فهذا غير معتبر.فمن قال أو فعل ما هو كُفْرٌ كَفَرَ وإن لم يقصد ان يكون كافراً، فإنه لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله ، فاليهود والنصارى والرافضة والنصيرية والدروز ، لا يقصدون الكفر بالله فلا يعتقدون أنفسهم كفاراً ،بل يقول اليهود والنصارى كما حكى الله عنهم : " نحن أبناء الله وأ حباؤه ".

والروافض من النصيرية والاسماعيلية والدروز والبهائية بل والإثنا عشرية يكفرون أهل السنة، ويسمونهم كفاراً.

4- وقد فرق أهل العلم بين الأقوال الصريحة والمحتملة في الطلاق والسب وغيره، فأجروا الأحكام وفق هذا التفريق فقرروا:أن ورود الاحتمال يوجب الاستفصال.

وقالوا بضرورة السؤال عن القصد عند ورود الاحتمال ،وأعملوا القرائن الحالية والمقالية .

فجعلوا " قصد المعنى" المكفر في القول من " قصد القول " نفسه ، لاسيما إذا كان حادثاً كالديمقراطية والليبرالية والعلمانية وغيرها.

5- الحدوث قرين الإجمال فلزم فيه الاستفصال والبيان قبل إطلاق الأحكام.

والإشكال هنا ليس في كفر هؤلاء المستبدين المبدلين ولا في " وجوب قتالهم" على ذلك، أو قتال من يقاتل تحت رايتهم ، فإن حال القتال لا صوت يعلو فوق أزيز الرصاص ، لكن الكلام فيمن تناله الأيدي من " أهل السنة"  من هؤلاء ويقع تحت سلطان المجاهدين بأسر أو غيره ،أو كان من الموظفين والجواسيس أو من عامة الناس.

ففي هؤلاء وبخصوصهم كتبت هذه الرسالة .. وطالبت بضرورة اعتبار ما سبق من الأحوال !!

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .