موقف الخوارج من علم الحديث

فإن من منهج أهل السنة والجماعة المتفق عليه؛ التمسك التام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبول كل ماثبت عنه عليه الصلاة والسلام، دون تفريق بين الجانب الذي يُستدل فيه بالحديث، كالتفريق بين العقائد والأحكام، بل متى ماكان الحديث ثابتاً سنداً ومتناً قُبل، سواءً كان الحديث آحاداً أو متواتراً. وقد خالف في ذلك بعض الفرق الكلامية، فردّوا حديث الآحاد إذا كان موضوعه في جانب العقيدة، ومن تلك الفرق: الجهمية والمعتزلة، وغيرها ممن تأثر بمثل هذه الأقوال كالخوارج. ونحن هنا سنتناول جانب موقف الخوارج من علم الحديث من خلال النقاط التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف الخوارج من علم الحديث

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن من منهج أهل السنة والجماعة المتفق عليه؛ التمسك التام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبول كل ماثبت عنه عليه الصلاة والسلام، دون تفريق بين الجانب الذي يُستدل فيه بالحديث، كالتفريق بين العقائد والأحكام، بل متى ماكان الحديث ثابتاً سنداً ومتناً قُبل، سواءً كان الحديث آحاداً أو متواتراً.

وقد خالف في ذلك بعض الفرق الكلامية، فردّوا حديث الآحاد إذا كان موضوعه في جانب العقيدة، ومن تلك الفرق: الجهمية والمعتزلة، وغيرها ممن تأثر بمثل هذه الأقوال كالخوارج.

ونحن هنا سنتناول جانب موقف الخوارج من علم الحديث من خلال النقاط التالية:

1.   أصح الكتب بعد القرآن:

أجمع المسلمون على أن أصح كتاب بعد كتاب الله هو صحيح البخاري و صحيح مسلم([1]) .

خالفهم في ذلك الخوارج، وعلى الأخص طائفة الإباضية، إذ ذهبوا إلى القول بأن أصح كتاب بعد كتاب الله هو (مسند الربيع)([2]) ، وهو منسوب إلى الربيع بن حبيب الأزدي، من أئمتهم الأوائل.

الرد:

يمكن أن نجمل الرد عليهم في النقاط التالية:

1. أن الإجماع من الأمة منعقد على أن أصح الكتب بعد كتاب الله صحيح البخاري ومسلم ــ كما تقدم ــ

2. مسند الربيع بن حبيب لم تتلقاه الأمة بالقبول كما تلقت البخاري ومسلم.

3. مسند الربيع لاتتوافر فيه شروط القبول المعتبرة في الأحاديث.

4. مسند الربيع مليء بالمراسيل والمجاهيل.

5. الراوي عن الربيع وهو الورجلاني لم يرَ الربيع، فبينهما انقطاع قرابة الخمسة قرون([3]) .

2.   حجية حديث الآحاد في العقيدة:

تقدم معنا أن الخوارج قالوا بردِّ حديث الآحاد إذا كان في جانب العقيدة، وشبهة الخوارج وغيرهم ممن ينكر حديث الآحاد في العقائد ما يلي:

‌أ.  أن حديث الآحاد إنما يفيد الظن، فلا يقبل في الأصول التي يجب أن تكون أدلتها يقينية قطعيّة!

‌ب.     أن من رد شيئاً من الأصول والعقائد كفر، وأخبار الآحاد لا يكفر من ردّ شيئاً منها، للاختلاف في ثبوتها([4]) .

الرد:

‌أ.  أهل السنة والمحدثين متى صح الحديث عندهم تلقوه بالقبول والتسليم، وخبر الثقة عندهم يفيد العلم اليقيني، دون أن يفرقوا بين الأصول والفروع([5]) .

‌ب. أن الصحابة في قصة صلاتهم للفجر وهم بقباء، لما جاء الخبر بتحول القبلة إلى الكعبة استداروا على الفور، مع أن ناقل الخبر واحد، ولم يذكروا التفريق بين الواحد وغيره، مما يدل على أنهم لا يمايزون بين الواحد والمتواتر مادام المُخبر ثقة([6]) .

‌ج. في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وفي قراءة (فتثبتوا) وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد أنه لايحتاج إلى التثبت، ولو كان خبرهم لايفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم([7])

‌د.  قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) والطائفة تقع على الواحد فما فوقه، فأخبر أن الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم وأن الحجة تكون قائمة عليهم([8]) .

وقد بسط العلماء الكلامَ على هذه المسألة في مصنفاتهم، وبينوا خطأ المخالفين بنوع من الإسهاب([9])

3.     ضوابط الرواية:

بالنظر في كتب بعض المنتسبين للخوارج ممن لهم اهتمام بعلم رواية الحديث؛ نجد أنهم يعتنون في قبول الرواية بجانب اتصال السند، ويجعلونه شرطاً لقبول الحديث، ففي تعريف الحديث الصحيح عند الإباضية نجد أنهم ينصّون على الاتصال بقـولهم: (هو ما اتصل سنده...)([10]) .

ومن جهة أخرى في قبول الراوي، فإنهم يشترطون له أن يكون بالغاً عاقلاً عدلاً ضابطاً([11]) ، كما هو عند أهل السنة والجماعة.

4.     عدالة الصحابة:

تذهب الإباضية إلى القول بعدالة الصحابة جميعاً إلا من ظهر فسقه منهم قبل الفتنة، أما بعد الفتنة فمن علم منه البقاء على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو عدل، ومن لم يعلم منه البقاء عليها فلا يسارع إلى تعديله حتى يمتحن ويختبر([12]) .

وفي أغلب المواضيع المتعلقة بمصطلح الحديث كتعريفهم  للمتواتر والآحاد والمستفيض، وغيره نجدهم لايخالفون أهل السنة فيه([13]) .

هذا ماتيسر جمعه، والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ،،

المراجع:

1.             مختصر الصواعق المرسلة/ ابن القيم.

2.             فتح الباري/ ابن حجر.

3.             تدريب الراوي/ السيوطي.

4.             شرح نخبة الفكر/ د. الحميد.

5.             الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم/ د. السعوي.

6.             الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام/ العقل.

7.             حجية أحاديث الآحاد في الأحكام والعقائد/ الأمين الحاج.

8.             أخبار الآحاد/ د. عبد الله بن جبرين.

9.             رواية الحديث عند الإباضية/ صالح البوسعيدي/ رسالة ماجستير.

 



([1])  انظر: تدريب الراوي: 1/ 91، النكت: 1/ 165.

([2])  المسمى بالجامع الصحيح، انظر: الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام: 72.

([3])  حول هذه النقطة، انظر: الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام:72.

([4])  انظر: أخبار الآحاد: 130 - 131.

([5])  انظر: شرح نخبة الفكر: 26، أخبار الآحاد: 130.

([6])  حجية أحاديث الآحاد: 57.

([7])  مختصر الصواعق: 406 - 407.

([8])  المرجع السابق.

([9])  انظر على سبيل المثال: مختصر الصواعق (406 ـ 407)، فتح الباري: 13/ 233.

([10])  وفاة الضمانة: 1/ 6 عن رواية الحديث عند الإباضية: 84.

([11])  شرح مختصر العدل: 192 - 193 عن رواية الحديث عند الإباضية: 85.