عبادة الزعماء لدى الطائفة النصيرية

محمد بن عبد الرحمن اليحيى

هالني كما هال الملايين من الناس أن يُلزَم المعتقلون في بلاد الشام على السجود للرئيس السوري "بشار الأسد" تحت التعذيب الوحشي، والذي تناقلته الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة. وقد فكرت بالموضوع مليًّا، وتساءلت هل هنالك سابقة لدى زعماء هذه الطائفة؟ فوجدت أن أحد زعمائهم أيام الاستعمار الفرنسي قد ادعى الألوهية وعبده أتباعه، وبحثت في تاريخ هذه الطائفة النصيرية فوجدت أنها تكرس لهم الربوبية في عقائدها وأفكارها، إذ إن مؤسسها "محمد بن نصير النميري" قد ادعى النبوة ثم الألوهية، قبحه الله. وسوف أتحدث في هذا المقال عن موجز لتاريخ هذه الطائفة ونشأتها، ثم أستعرض بعض معتقداتها، وهذه الوثنية التي بدأت تغزو بلاد الشام وقلب العالم الإسلامي في سوريا "التي تبسط عليها ملائكة الرحمن بأجنحتها"، "قال الألباني : حديث صحيح" ، ثم ألقي الضوء على هذه الطواغيت المتألهة بانحطاطها وجبروتها: سليمان المرشد، وبشار الأسد كنماذج عجيبة، تقشعر لها الأبدان.

الموضوع يبدو غريبًا، إذ كيف يُعبَد الأشخاص في عصر العلم والثقافة، في القرنين الحادي والعشرين!.

انظر: كتاب فضائل الشام ودمشق، ومعه: مناقب الشام لشيخ الإسلام ابن تيمية، طبعة المكتب الإسلامي / بيروت / 1405هـ.

لمحة تاريخية عن الطائفة النصيرية:

النصيرية هي إحدى الحركات الباطنية التي ظهرت في القرن الثالث الهجري، ثم هاجرت قبائلها أيام الفرنسيين من خراسان إلى جبال سوريا الشمالية والغربية، فسميت تلك الجبال باسم "جبال النصيرية" حتى غيرتها فرنسا خلال استعمارها لسوريا، وسمتها بجبال العلويين، كما أطلقت على تلك الطائفة اسم "العلويين" بسبب خدماتها للمستعمر الفرنسي، إذ إن النصيريين يجعلون علي بن أبي طالب "رضي الله عنه" إلهًا، وكذلك كان عامة علماء الشيعة يكفرونهم، إلى حين جاءت المصالح السياسية في حقبة السبعينيات، فحصل التزاوج السياسي بينهما، في ديار الشام.

*  النصيرية تنسب إلى محمد بن نصير النميري، كان من أصحاب الحسن العسكري (الإمام الحادي عشر)، للشيعة الإمامية، وزعم ابن نصير أنه (الباب)، إلى محمد بن الحسن العسكري، أي أنه وكيل له وممثل ومرجع للناس من بعده، ثم جحد إمامة الحسن العسكري وإمامة ابنه من بعده، وادعى النبوة ثم الربوبية، وقال بإباحة المحارم ونكاح الرجال بعضهم بعضًا ويزعم أن ذلك من التواضع وأنه أحد الشهوات والطيبات.

انظر "أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين" يوسف إبراهيم الشيخ / 1998م.

* ترأس الطائفة بعده/ محمد بن الجنان الجنبلاني ثم حسن بن حمدان الحضيبي، وكل هؤلاء من أصل فارسي يمجدون الشخصيات الفارسية، مثل أزدشير وسابور، اللذين يعدان تجسيدًا للآلهة عند الفرس. انظر "العلويون النصيريون": أبو موسى الحريري/ص 27، 30.

* كان النصيريون خلال تاريخهم كله، يتعاونون مع كل غاز دخيل لبلاد الشام، فتعاونوا مع الصليبيين، خلال الحملات الصليبية، كما تعاونوا مع المغول التتار، فكانوا يغدرون بجيوش المسلمين، ينهبون ويقتلون. انظر: أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين /ص 254.

*  كما تعاونوا مع الصفويين الفرس أيام الدولة العثمانية ضد أهل السُّنَّة، فهاجموا (اللاذقية)، ونهبوا وقتلوا، وسبّوا الشيخين (أبا بكر وعمر) وكانوا ينادون: (لا إله إلا علي)، ويطلبون من الأسير أن يقول بذلك، كما خربوا المساجد، واتخذوها خمارات، فجرد إليهم السلطان العساكر وهزموهم. انظر "خطط الشام: محمد كرد علي : ج 1 / 260-263".

*  أما المستعمر الفرنسي فقد شكَّل لهم دولة، ودعمهم بقوة، فرفعوا عددًا من المذكرات عام 1936م إلى حكومة فرنسا، يطالبون فيها بتكريس انفصالهم عن سوريا. انظر: "النصيرية: تقي شرف الدين، ص 85-89".

فهم إذن جسم غريب عن بلاد الشام، في أصوله وعقائده، وموالاته لأعداء الأمة قديمًا وحديثًا. وقد ابتُلِيَتْ بهم سوريا في السنوات الأخيرة وخلال نصف قرن، خلصنا الله منهم ومن عمالتهم وشرورهم.

أبرز معتقدات النصيرية:

النصيرية شأن الفرق الباطنية الأولى، قامت على أنباء مؤسسيها من دعاة الفرس، وتتشابه مع الدروز والإسماعيلية في كثير من معتقداتها الدينية، كالتقمص وأنصار يوم الآخرة، والجنة والنار والحساب، وفي إباحة المحرمات وإسقاط التكاليف الشرعية عن أتباعهم وأبرزها:

1-  تأليه علي بن أبي طالب (رضي الله عنه):

العقيدة الأساسية عند النصيرية تتمثل في تأليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيزعمون أنه إله أو حلّت فيه الألوهية، فعلي في نظرهم (إله في الباطن)، (إمام في الظاهر)، لم يلد ولم يولد، ولم يمت ولا يأكل ولا يشرب، اتخذ محمدًا (ناطقًا) لذا فهو متصل به ليلًا منفصل عنه نهارًا. انظر: "إسلام بلا مذاهب: مصطفى الشكعة /ص335".

* يقولون: بأن الألوهية حلت في أولاد علي رضي الله عنه من بعده، وهم خير البرية إذ ظهر الحق بصورتهم ونطق بلسانهم وأخذ بأيديهم، وعن هذا أطلقنا اسم الإلهية عليهم.

* يقول الشهرستاني: إنما نشأت شبهاتهم في الحلول والتناسخ، من مذاهب اليهود والنصارى، فاليهود شبهوا الخالق بالخلق، والنصارى شبهت الخلق بالخالق، فسرَت هذه الشبهات في أذهان الغلاة، حتى حكمت بأحكام الإلهية في بعض الأئمة. انظر: "الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل لابن حزم، ج2/ص10".

* معلوم أن النصيريين أنزلوا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) إلى مرتبة أدنى من مرتبة علي، وجعلوه  يقوم بدور الحاجب عنده، باعتبار أن عليًّا هو الذات الإلهية، الذي فاض عن نوره: (محمد وسلمان الفارسي). انظر: "حركات الباطنية في العالم الإسلامي : محمد الخطيب /345".

* ويعتقد النصيريون أن الرعد هو صوت علي، وأن عليًّا يسكن القمر، أو أن القمر هو علي ذاته، ولذلك كان القمر معبودًا لهم، كما أن بعضهم يقدس الشمس ويعبدها. (إسلام بلا مذاهب /337).

* والنصيرية تعظم عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي رضي الله عنه ويعتبرونه أفضل أهل الأرض، لأنه خلّص روح اللاهوت، مما كان يتلبث فيه من ظلمة الجسد وكدره. انظر: "الفصل في الملل والنحل لابن حزم، ج4/188/ط بيروت دار المعرفة".

* ومما تقدم نستطيع القول: إن مذهب النصيريين يتكون من مزيج لعدة عناصر غير متجانسة منها: الوثنية كتقديس الكواكب والنجوم، ومنها النصرانية، كالاعتقاد بالثالوث (ع.م.س) أي محمد وعلي وسليمان الفارسي، ومنها مجوسية مزدكية، كإباحة المحرمات وإسقاط الواجبات، والاحتفال بعيد النوروز وأعياد النصارى والوثنيين، وقد كانت الوثنية شائعة في مناطق النصيرية ويدين بها (صابئة حران). انظر: "الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: د.محمد الخطيب /ص351-352".

وصدق الله العظيم: ((لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم)) ((المائدة:الآية 73))

تأثر النصيرية بالمجوسية والنصرانية:

* اعتبارًا من مؤسس النصيرية (محمد بن نصير) فارسي الأصل، فقد تأثرت حريته ببعض الأفكار والعقائد الفارسية المجوسية، التي نقلها بحكم النزعة والتعصب للأصل، فشابت العقيدة النصيرية لوثات مجوسية تمثلت في بعض عقائدها وعباداتها وأعيادها فمن أعيادهم التي يشاركون فيها المجوس: عيد النيروز ومدته ستة أيام، وعيد المهرجان ومدته ستة أيام، وعيد السدق، وعيد الشركان، وعيد عاشوراء. انظر: "القلقشندي: صبح الأعشى، ج/418-424، وعبد الله الأمين: دراسات في الفرق / ص120-121".

* أما تأثر النصيرية بالنصرانية فيظهر في العقائد والأعياد، وذلك ناتج عن اندماج النصيرية في المجتمع الصليبي أثناء فترة الحروب الصليبية، فالعقيدة النصيرية تشبه إلى حد كبير عقيدة النصارى، إذ تقوم على التجسيد وتأليه الإمام، وكلا العقيدتين تدوران حول التثليث، فعند النصارى يتكون التثليث من أب وابن وروح القدس، ويرمز إليه عند النصيريين بالحروف (ع.م.س). انظر: "عبدالله الأمين: دراسات في الفرق ص108, وانظر: أثر حركات الباطنية: يوسف الشيخ عيد 247-250".

* ومن تأثر النصيريين بعقائد النصارى: تقديسهم للخمر والكأس وقراءة القداس، وتقريب القربان وهو تقديس الخبز. "انظر عبدالرحمن بدوي، ج2/ص/484، ص486".

2- إيمانهم بالتقمص والتناسخ ونفي يوم البعث والحساب:

التناسخ هو انتقال الروح من جسم إلى جسم آخر، وقد يكون الجسم الثاني جسم إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد وينتقل الإنسان من جسم إلى جسم آخر سبع مرات، وكل مرة تكون الروح برتبة خاصة ويرون أن الروح عندما تفارق الجسم بالموت تتقمص ثوبًا آخر، وهذا الثوب يكون بحسب إيمان هذا الشخص بديانتهم أو كفره بها، وعلى هذا فهم يرون أن الثواب والعقاب، لا يكون في الجنة والنار، وإنما في هذه الدنيا، حيث ينال الإنسان حسابه. انظر: "الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: محمد الخطيب ص/355، 356".

* والتقمص عقيدة مجوسية: "إن النصيريين يشكلون فرقة غالية، تذكرنا بأخلاق المجوس، حيث يبيحون إشاعة البنات والأخوات والأمهات، وهم لا يصلون ولا يتطهرون ولا يصومون". انظر: "عبدالله الأمين: دراسات في الفرق/ص124".

 

* والكافر في اعتقاد النصيرية يمسخ في كل شيء ما عدا الصورة البشرية، وذلك بسبب كفره وإنكاره لأهل الحق وهم النصيرية، وهذا كله عدل من الله عز وجل -فيما يزعمون- لهؤلاء الجاحدين لأهل الحق. انظر "كتاب الهفت والأظلة: للمفضل الجعفي أحد مشايخ ابن نصير ص/74-75 طبعة دار المشرق/بيروت".

* والتناسخ عقيدة فاسدة، كانت منتشرة قبل الإسلام، في بلاد فارس والهند واليونان، يقول النصيري المعاصر هاشم عثمان: إن إنكار وجود البعث شيء طبيعي، وقد كان ذائعًا في العصر العباسي قبل ظهور اصطلاح النصيرية. انظر: "العلويون بين الأسطورة والحقيقة: هاشم عثمان/ص77".

* والواقع أن اعتقاد التناسخ يهدم ركنًا هامًّا من أركان الإسلام، وهو الإيمان باليوم الآخِر بما فيه من ثواب وعقاب، وجنة ونار، وذلك كفر يُخرج الإنسانَ من الإسلام، وهذا واضح في كثير من آيات القرآن، قال تعالي: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخِر فقد ضل ضلالًا بعيدًا) (سورة النساء: الآية 136).

* وقد أجمع علماء المذاهب الإسلامية وحكموا عليهم بالكفر، لاصطدام هذه الفكرة بركن ثابت، وهو الإيمان باليوم الآخِر الثابت بالنصوص الشرعية. انظر: "دراسات في الفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة عبدالله الأمين ص/110".

3- عبادة النصيريين: إسقاط التكاليف وإباحة المحرمات:

تجمع المصادر العربية والأجنبية على عدم اكتراث النصيريين بأداء الفرائض الدينية، من زكاة وحج وصوم وصلاة، وامتناعهم عن إقامة المساجد وعمارتها، إذ اعتادوا على أداء احتفالاتهم وطقوسهم الدينية في العراء جريًا على عادة المجوس، والذين كانوا يقيمون المراسم الدينية في العراء المكشوف، فلم يكن لهم معابد ولا مذابح، كما لاحظ "هيرودوتس" في "مقدمته في تاريخ الحضارات القديمة طه باقر، ج2/249، بغداد 1956م".

*  أما العبادات الظاهرة التي يؤديها المسلمون السُّنّة، فهي عندهم معرفة أشخاص من أئمتهم وأصحاب المراتب لديهم، وقد ورد في الباكورة السليمانية: أن الصلوات الخمس وأوقاتها تعني في النصيرية: أن الظهر لمحمد، والعصر لفاطمة، والمغرب للحسن، والعشاء للحسين، والصبح لمحسن الخفي. "ينظر الباكورة السليمانية: سليمان الأذني، والحركات الباطنية لمحمد الخطيب".

* الصلوات الخمس إذًا هي معرفة: الحسن والحسين ومحمد وفاطمة ومحسن، أما الزكاة فهي دفع خمس ما يملكون لشيوخهم، حتى من مهور بناتهم، والحج: هو زيارة أئمتهم ورؤسائهم ويعتبرون سعي المسلمين إلى مكة باطلًا ومذمومًا، وهو من عبادة الأصنام، والصوم: يتمثل في حفظ سر الدين، والبعد عن النساء، فلا يمتنعون عن الطعام والشراب في شهر رمضان كله وهم يعتبرون أن جميع الفروض الإسلامية، هي ذكر أشخاص معينين وهم لا يشترطون الطهارة في صلاتهم، فالجماع والاحتلام لا يفسدان الطهارة، وإنما يفسدها: موالاة الأضداد، والجهل بالعلم الباطني. "ينظر إسلام بلا مذاهب: مصطفى الشكعة/ص230-131 طبعة دار القلم القاهرة، وسليمان الجلبي: طائفة النصيرية/ص57-58".

* وقدس النصيريون الخمرة أيما تقديس، يرون أنها من النور وعظموا لأجلها شجر العنب، وتقدم الخمرة خلال دخول الجاهل في أسرار عقيدتهم، لذلك فهم يطلقون عليها اسم: "عبد النور" لأنها خلقت من شجرة النور وهي العنب، والخمرة والمرأة تقدمان للشاب الداخل في أسرار الدين، فيغرى الشاب بها ويخدر بين إغواء الحسان وتأثير السكر والعربدة، بحيث لا يرفض أي شيء من أسرار ديانتهم، خاصة وأنه قد أصبح في الفردوس المنشودة (الخمرة والمرأة). انظر: "الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: محمد الخطيب، ص369 بإيجاز".

* المرأة في نظرهم فهي ليست من أهل الدين والمعرفة ولا هي جديرة بتلقي الدين وتحمُّل واجباته، وهم يستبيحون الزنا بنساء بعضهم، لأن المرأة لا يكتمل إيمانها إلا بإباحة فرجها لأخيها المؤمن، واشترطوا ألا يباح ذلك للأجنبي ولا لمن هو غير داخل في دينهم. انظر: "مخطوطة في تقسيم جبل لبنان – قسم في مذهب النصيرية، الجامعة الأمريكية بيروت،رقم(31)".

* وهذا ما يفسر لنا تساهُل النصيريين في قضايا العرض في العصر الحديث، وفي إباحة المحارم والنساء التي نادى بها ابن نصير.

ولذلك وحسبما تقدم، فإن النظام النصيري في سوريا يعمد في كل أزمة، إلى تخريب المساجد والكنائس على حد سواء، بالهدم والحرق والتخريب وتدمير المحتويات، فقد دمرها (حافظ الأسد) في حماة /1982م، ومن أشهرها: جامع السلطان ومسجد بلال وجامع عمر بن الخطاب، والشريعة، ومسجد سعد بن معاذ وغيرها، وقد بلغت (63 مسجدًا) وترافق ذلك مع قتل الأئمة والخطباء والمؤذنين.

واليوم في درعا وحماة واللاذقية يتم تدنيس المصاحف وإحراقها وإطفاء السجائر في أوراقها في مشهد بدائي همجي: انظر مقال ممارسات وثنية في قلب العالم الإسلامي، طلحة الناصر في موقع لجينيات.

وقد نشرت الفضائيات ووسائل الإعلام، ما تم قصفه لعدد من المآذن في دير الزور وبانياس، مع مهاجمة المساجد ودخولها وإطلاق الرصاص على المصلين، وكلما ظهر تكبير في المساجد وغيرها، كان الشبيحة يطلقون النار عشوائيًّا على مصادر التكبير لمسلمين عزل.

وخلال شهر رمضان المبارك الأخير، كانت الحملة الأمنية الوحشية تدمر بدباباتها الأحياء السكنية، وتنهب الممتلكات، وما تزال في غيها وإفسادها، فللَّهِ الأمر من قبلُ ومن بعدُ.

وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، بينما كان المسلمون يحيون ليلتهم، كان الشبيحة وأزلام السلطة في شأن آخر، إذ دخلوا مسجد الشيخ أسامة الرفاعي، وكُسِرت يده، مع جرح عدد من المصلين، نقل الشيخ بعدها إلى مستشفى الأندلس. وقد ذكر أن السلطات المجرمة طالبت من الشيخ أن يعلن كلمة تهدئة للمتظاهرين الذين ثاروا حمية للشيخ والمصلين، فرفض، ثم هددوه بقتل ولده المعتقل لديهم، فقال: (ولدي له رب يحميه) نقل ذلك مواقع عديدة على الإنترنت مثل موقع قناة الجزيرة، وقناة شام.

ويخرج البوطي ليقول: الرئيس المؤمن، لا يقبل ذلك ولا يتحمل وزره... عليه من الله ما يستحق.

4- موقف النصيرية من الصحابة رضي الله عنهم:

يقدس النصيريون بعض أصحاب رسول الله، ويرفعونهم فوق مرتبة البشر، وهم القلة الذين ناصروا عليًّا -حسب زعمهم- وهم يؤمنون بثالوثهم المقدس (ع.م.س)، فسلمان الفارسي هو الذي خلقه محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فسلمان هو الذي خلق الأيتام الخمسة الذين وُضعت بيدهم مقاليد السماوات والأرض. والمقصود بالأيتام الخمسة، هم الصحابة الذين تعظمهم الشيعة عمومًا، باعتبار أنهم ناصروا عليًّا وهم : سلمان الفارسي والمقداد بن عمرو، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن رواحة، وعثمان بن مظعون، إضافة إلى قنبر بن كادان مولى علي، وكلهم من الصحابة، ما عدا قنبر. انظر: "الحركات الباطنية في العالم الإسلامي:محمد الخطيب /ص360-361".

* أما موقفهم من باقي الصحابة رضي الله عنهم: فهو موقف العداء والحقد الدفين، فهم يعتبرون الصحابة أبالسة ظالمين، ظلموا عليًّا، ويخصون بعدائهم الشديد كلًّا من: الصديق والفاروق وذا النورين عثمان، رضي الله عنهم، وهم يصبون الشتائم واللعنات عليهم، ويحتفلون بعيد مقتل عمر، ويسمونه "يوم مقتل دولام"، وهو اليوم التاسع من شهر ربيع الأول من كل سنة كما أنهم يعتبرون سبهم من الفرائض الدينية. انظر: "ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 5/ص50، وينظر: مخطوطة أعيادنا: المكتبة الأهلية في باريس رقم 6182 عربي ورقة 39/أ".

* وعمومًا فالمذهب النصيري كله، تم تحضيره ونشره في بلاد فارس، على يد رجال حاقدين من الفرس المجوس، وهم يعتبرون أن عمر -رضي الله عنه- كان عونًا لأبي بكر في تولية الخلافة وحجبها عن علي، رضي الله عنهم أجمعين. انظر: "دراسات في الفِرَق والمذاهب القديمة والمعاصرة: عبدالله الأمين /ص144".

* أما الجهاد في عُرف النصيرية فهو التقرب بالشتائم، ويخصون بها أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة، وبشتم الفقهاء والعلماء أمثال: أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد رضي الله عنهم؛ لأن هؤلاء يأكلون من خيرات علي ولا يعبدونه لأنهم أنجاس. نصبوا أنفسهم لضلالة من اتبعهم، وصدوا الناس عن آل البيت. انظر: "العلويون والنصيرية: د.مجاهد الأمين /ص144". قاتلهم الله وقائل هذه الترهات المنحرفة الكافرة.

* أخي القارئ هذه أبرز الضلالات العقدية لدى النصيرية، كفرٌ بالله الأحد، وكفرٌ برسله وملائكته واليوم الآخِر، وقد أفرزت هذه العقائد حقدًا دفينًا على الإسلام وأهله، ترجمها النصيريون إلى مواقف مشينة من الغدر والتآمر والخيانة، وما يجري الآن على أرض سوريا بمدنها وأريافها، مما تقشعر له الأبدان، يأتي مصداقًا لكل ما تقدم وصفه.

5- عصمة الأئمة وادعاء الربوبية:

للأئمة عند النصيرية ميزات خصوصية، يمتازون بها عن بقية البشر ويقولون بأن أفعالهم وأقوالهم منطبقة على الإرادة الإلهية انطباقًا تامًّا، وهم معصومون لأن الخطايا رجس، وقد قال تعالى: ((ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)) (الأحزاب آية 33)، فهم لذلك مصدر الإرادة الإلهية في أفعالهم وأقوالهم، والإمام عندهم أعلى منزلة من النبي؛ لأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة جبريل، والأئمة يكلمون الله تعالى بغير واسطة. انظر: " تاريخ العلويين: محمد الطويل، ص 182-185".

* وكنا قد عرفنا أن مؤسس الطائفة النصيرية، محمد بن نصير النميري، كان قد ادعى النبوة ثم الربوبية، وقال بإباحة المحارم ورفع التكاليف عن أتباعه، وقد سبقه أبو الخطاب الأسدي، الذي يعتبر فكره من الأصول القوية التي اعتمد عليها ابن نصير، فادعى أن الأئمة آلهة، فلما بلغ ذلك جعفرًا الصادقَ لعنه وطرده فادعى الألوهية لنفسه، قبَّحه الله، وهذه أصول لكل من يدعي الربوبية عندهم. انظر: "الملل والنحل للشهرستاني، والفَرْق بين الفِرَق للبغدادي /ص255".

* وممن ادعى الربوبية في العصر الحديث: سلمان المرشد، الذي تجمع حوله النصيريون، وزعموا أنه إله عندهم ثم عبدوه من دون الله، كان راعي بقر، احتضنه الفرنسيون وأعانوه على ادعاء الربوبية.

* يقول الزركلي: سلمان المرشد: علوي متأله من النصيرية من قرية تقع شرقي اللاذقية، تلقب بالرب!!

* بدأت سيرته سنة 1920م، ثم سجن سنة 1923م، ونفي إلى الرقة حتى سنة 1925م، وعاد من منفاه، وتزعم أبناء نحلته، ثم استماله الفرنسيون خلال قيام الثورة السورية، واستخدموه وجعلوا لبلاد –النصيريين- نظامًا خاصًّا، فقويت شوكته وتلقب برئيس الشعب العلوي الحيدري الغساني.

* عين قضاة وفدائيين عام/1938م، وفرض الضرائب على القرى التابعة له وأصدر قرارًا جاء فيه ((نظرًا للتعديات من الحكومة الوطنية والشعب السُّني على أفراد شعبي، فقد شكلت لدفع هذا الاعتداء جيشًا يقوم به الفدائيون والقواد .. ))وجعل لمن سماهم الفدائيين ألبسة عسكرية خاصة.

* كان سليمان المرشد يزور دمشق نائبًا عن النصيريين في المجلس النيابي السوري فلما جلا الفرنسيون عنها، تركوا له سلاحهم، مما أغراه بالعصيان، فجردت حكومة سوريا قوة فتكت ببعض أتباعه، ثم اعتقلته مع آخرين، وأعدمته شنقًا في دمشق. انظر: "الأعلام للزركلي: ج/3/112، وفي جريدة الجلاء في اللاذقية في 14/02/1946م، بعض أخباره، ولأمين حداد كتاب في سيرته، سماه مدعي الألوهية في القرن العشرين".

* وقد جاء بعده، ابنه (مجيب) وادعى الألوهية، ثم قُتِل أيضًا على يد رئيس المخابرات السورية، عام1951م، وما تزال فرقة "المداخنة" النصيرية تذكر اسمه على ذبائحهم.

* ومنهم "إبراهيم ماخوس"، وزير الخارجية خلال حرب 1976م، وجاء الابن الثاني لسليمان المرشد واسمه "مغيث" وقد ورث الربوبية المزعومة عن أبيه.

بشار الأسد: ولوثة الربوبية عند أتباعه:

لقد نجا العرب من الوثنية بدعوة التوحيد، التي جاء بها الإسلام الحنيف، لكنها عادت من جديد بنسخ مستحدثة، وذلك في قلب العالم الإسلامي، في سوريا والشام "التي تبسط عليها ملائكة الرحمن بأجنحتها .." حديث صحيح.

ولا غرابة في ذلك فالوثنية هي تحويل العبد منزلة الله أو تشبيه الله بخلقه أو إعطاء العبد ما لا يصح أن يكون إلا لله من صفات أو أسماء، وها نحن اليوم نسمع من أتباع النظام وشبيحته تصريحًا لا تلميحًا، من أن "بشار" هو الله وأنه هو المعبود.

أحد أتباع بشار عمل لنفسه موقعًا سمى نفسه عبد بشار الأسد ملأه بالتسبيح والتهليل، وبالسجود، والتعظيم ومما قاله فيه معلقًا على صورته وهو يسجد لبشار ما أطيب أن يسجد العبد للرب أنا عشقي إليك قدر ما له حد، يا ربي الأسد ما يهمك أحد فأنت أحد أحد أحد. انظر مقال: ممارسات وثنية في قلب العالم الإسلامي، طلحة الناصر في موقع لجينيات.

فالنظام الحاكم في سوريا، لا ينطق عن الهوى في نظر أتباعه، ومخالفة أوامره تعتبر لديهم بأنها كفر بالنظام الموجب للموت بأبشع صوره، مع ملاحقة الأهل والأبناء والإخوان، واستباحة الأموال والأعراض، وأن أوامره ذات قدسية إلهية.

 

وقد طفحت وسائل الأعلام الإلكترونية والفضائية بنشر العشرات من الصور التي تظهر بشكل فجّ ممارسة هذه الأعمال، التي لا تصح إلا لله وحده .. ولا يكتفي الأتباع بممارسة وثنيتهم الصارخة بالسجود والهتاف الإلهي للحاكم، فإنهم لا يكتفون بذلك، بل يُلزِمون المعتقلين والمعذبين عليه.

ونورد فيما يلي بعضَ هذه الممارسات الوحشية الكافرة:

-     ففي العشر الأواخر من رمضان كان عدد من رجال الأمن والشبيحة يضربون ضابطًا رفض إطلاق النار على المتظاهرين المسلمين، ويعتبرونه "منشقًّا عن الجيش" كانوا يعذبونه "وهو مكبل بالقيود" أشد العذاب، طالبين منه أن يقول: لا إله إلا بشار –كبرت كلمة تخرج من أفواههم– وما كان لسانه ليطاوعه، فيزداد التعذيب ضربًا وركلًا، فيقول: لا إله إلا .. إلا .. الأسد، وكان مجرمو النظام يرفضون منه ذلك، إلا أن يقول: بشار. وقد نشر في مواقع كثيرة وفي القنوات الفضائية، قاتلهم الله.

بقي أن نسأل الشيخ البوطي عن رأيه في الفيديو المشار إليه، هل يستحق منه تنديدًا مِن على منبره، أم أنه مطمئن إلى أن سيده الرئيس "المؤمن" لا يقبل ذلك، وبالتالي فهو لا يتحمل وزره؟.

-     وفي مدينة "دير الزور"، رفض عدد من الأسرى السجود لصورة بشار، فعُذِّبوا عذابًا شديدًا على يد رجال عصابات النظام .. والأمر يتكرر في أنحاء سوريا كلها.

-     وقد نقل عدد من الفضائيات "الجزيرة والحوار والعربية" "مقطع فيديو" يصور التعذيب الوحشي، ضربًا بالعصى ودعسًا بالأقدام، وركلًا شديدًا لكل أنحاء الجسم بما في ذلك الرأس والوجه، لشاب لا يتجاوز عمره الثالثة عشرة سنة، كانوا يطالبون الفتى الغض بالاعتراف بربوبية بشار، يقولون له: مَن ربك؟ فيقول "يا ربي يا الله، يا ربي يا الله" فيزداد غلاظ الأكباد تنكيلًا به وتعذيبًا وحشيًّا، تم يقربون إليه صورة بشار ويطلبون منه أن يسجد لها: فما كان من الشاب إلا أن بصق على الصورة اللعينة، غلبت عليه فطرته وإيمانه. فجن جنون عباد البشر. وقد انتشر هذا المقطع في عدد من الفضائيات والمواقع الإلكترونية مثل صفحة كلنا شهداء حوران، في 15/شوال/1432هـ.

-     وقد وجه أحدهم سؤالًا إلى البوطي، عبر موقع "قسم الشام" حول إجبار رجال الأمن على السجود لصورة بشار، وعن حكم الإثم الذي يلحقهم بعد ذلك الفعل، فأجاب البوطي السائل بقوله "اعتبر صورة بشار بساطًا .. واسجد فوقه"، وعليه مِن الله ما يستحق، فكم خدم وتملَّق لهذه العصابة المجرمة.

-     هكذا صار الحال في دمشق، قلب العروبة النابض، ومنطلق الفتوحات التي نشرت آية التوحيد والحضارة والعدل في أنحاء المعمورة وصدق من قال:

"لولا دمشق لما كانت طليطلة ولا زانت ببني العباس بغدان"

فكيف تبدلت غزلانها بالقرود؟ وصلحاؤها الأتقياء بشرار خلق الله؟ والتافهين الأغبياء.

وما ينتهي العجب من أثر نبوي يقول فيه الرسول الكريم: "يأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل ما الرويبضة؟ قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة" الألباني سلسلة الصحيحة.

هذا واقعنا الآن مع النظام الباطني المرتد، وفي الحديث الشريف ما يغني عن كل مقال.

إلا أن الأمل ما يزال معقودًا على أهل الشام ومجاهدي بلاد الشام، حيث إنهم سيطردون اليهود وأعوانهم ويحررون البلاد من رجس الوثنية الجديدة بألوانها، كما بشرت بذلك الأحاديث الصحيحة، والله على كل شيء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.