يا أهلَ الشَّامِ الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ والفُرقَةُ عَذَاب

أبــو يـحـــيـى الشـــامــي
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجماعة رحمة والفرقة عذاب" (رواه أحمد ، وحسنه الألباني) ، وهذا يختصر ما للجماعة من محاسن وما للفرقة من مفاسد نعرضها باختصار كما يأتي : مقال : الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ والفُرقَةُ عَذَاب . رسالة : يا أهلَ الشَّامِ الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ والفُرقَةُ عَذَاب . قصيدة : يا أهــلَ الشَّــامِ تَــوَحَّـــدُوا .

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) [آل عمران 102-105] ، أما بعد :

فإنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، وبعد : فإنَّ الله - عزّ وجلّ - ما وصّى عباده بوصية بعد الإسلام و اجتناب الشرك أكثر مما وصّاهم بالاعتصام بحبله والتزام الجماعة ، و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الجماعة رحمة والفرقة عذاب" (رواه أحمد ، وحسنه الألباني) ، وهذا يختصر ما للجماعة من محاسن وما للفرقة من مفاسد نعرضها باختصار كما يأتي :

مقال : الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ والفُرقَةُ عَذَاب .

رسالة : يا أهلَ الشَّامِ الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ والفُرقَةُ عَذَاب .

قصيدة : يا أهــلَ الشَّــامِ تَــوَحَّـــدُوا .

الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ والفُرقَةُ عَذَاب

أولًا : أهمية الجماعة:

خلق الله عز وجل الناس وفطرهم على الاجتماع ، فالإنسان كائن اجتماعي بالطبع لا يستطيع العيش منفردًا لعجزه عن تلبية كل احتياجاته ، و ذلك لضعفه بالأصل ، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء 28] ، فبالعقل ندرك ما للجماعة من أهمية لحياة الإنسان و استمراره ، قد عرض الحكماء و المفكرون على مر التاريخ هذا الأمر في أبحاثهم و مقالاتهم و منهم ابن خلدون الذي أجاد في هذا الباب ، و الواقع يشهد على ما بناه الاجتماع و الاتفاق و ما هدمه التفرق و الاختلاف و لنا في الأمم السابقة و في أمتنا عِبَر ، حتى أن أرباب الباطل و أعداء الحق تنبهوا لأهمية الاجتماع ووحدة الصف ودعوا أعوانهم إليه ، ولقد أخبرنا الله تعالى بنجوى فرعون و قومه: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} [ طه 64 ]، و يغنينا النقل لأنه دلنا على كمال العقل و ما خُلقنا له و ما نحتاج ، و إنما نذكر ههنا اجتماع المسلمين و وحدتهم كأمة ، فلقد ذكر الاجتماع و وحدة الكلمة في الكتاب و السنة و حضّنا الشرع عليه ونهى عن الفرقة و الاختلاف في مواطن كثيرة نذكر أهمها :

■ في القرآن الكريم :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، {الْمُؤْمِنُونَ} ، في كل عبارات الخطاب و الخبر الإلهي التي تجعل المؤمنين أمة من دون الناس ، و معلوم أن الله - عز وجل - لم يخاطب مؤمنًا فردًا إنما خاطب المؤمنين جماعة في كتابه و ما أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [البقرة 208].

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [آل عمران 103 ].

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران 105].

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام 153].

{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [الأنعام 159].

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [الأنفال 46].

{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء 92] ، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [المؤمنون 53].

{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) } [الروم 31،32].

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } [الشورى 13].

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الحجرات 10]

■في السنة المطهرة :

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال " (مسلم 1715).

عَنِ الْحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ ، أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ ، وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ........... " قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ﻭﺃﻧﺎ ﺁﻣﺮﻛﻢ بخمس اﻟﻠﻪ ﺃﻣﺮﻧﻲ بهن: بِالْجَمَاعَةِ ، وَالسَّمْعِ ، وَالطَّاعَةِ ، وَالْهِجْرَةِ ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ إِلاَّ أَنْ يَرْجِعَ ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ، فَهُوَ مِنْ جُثَاءِ جَهَنَّمَ " ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَإِنْ صَامَ ، وَإِنْ صَلَّى ؟ قَالَ :" وَإِنْ صَامَ ، وَإِنْ صَلَّى ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ، فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ بِمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ " (مسند أحمد 17170 ، صححه الألباني).

عن عمر بن الخطاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :"عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد مَن أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة" (رواه الترمذي 2165 ، و صححه الألباني).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلََّمَ :" مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ ، فَمَاتَ ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا ، لاَ يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا ، وَلاَ يَفِي لِذِي عَهْدِهَا ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي ، وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ ، يَدْعُو لِلْعَصَبَةِ ، أَوْ يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ ، أَوْ يُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ". (رواه مسلم 1848 ، و أحمد 10333) .

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :" إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمة محمد صلى الله عليه و سلم على ضلالة ، ويد الله مع الجماعة ومن شَذَّ شَذَّ إلى النار" (رواه الترمذي2167 ، وصححه الألباني).

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسرية بعثها :" أَذَهَبْتُمْ مِنْ عِنْدِي جَمِيعًا وَجِئْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ ، إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْفُرْقَةُ" (مسند أحمد 1539).

عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "إنه ستكون هَنَات وهَنَات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان" (رواه مسلم 1852).

عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فكَسَعَ رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المُهاجريّ: يا للمهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بال دعوى الجاهلية؟" قالوا: يا رسول الله كَسَعَ رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: "دعوها، فإنها منتنة"( البخاري 4905 ، ومسلم 2584).

عَنْ أَبِي عَامِرٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ لُحَيٍّ قَالَ : حَجَجْنَا مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَامَ حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الظُّهْرِ ، فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً - يَعْنِي : الأَهْوَاءَ - كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ ، لاَ يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلاَ مَفْصِلٌ إِلاَّ دَخَلَهُ " وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَئِنْ لَمْ تَقُومُوا بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَغَيْرُكُمْ مِنَ النَّاسِ أَحْرَى أَنْ لاَ يَقُومَ بِهِ . (رواه أحمد ، قال الألباني: حسن صحيح).

■ في أقوال وأفعال السلف:

مسارعة الصحابة الكرام إلى الاجتماع على إمام فور وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، و حروب الردة التي أصر عليها أبو بكر رضي الله عنه لحفظ رأس مال الإسلام و توحيد كلمة المسلمين على كلمة التوحيد .

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك " (إعلام الموقعين لابن القيم 397/3) و قال :" يا أيها الناس عليكم بالطاعة و الجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به ، و إنما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة " (المعجم الكبير للطبراني 8972).

ما فعله الحسن بن علي بالتنازل لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين لتوحيد المسلمين و جمعهم على إمام واحد ، وقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : " ﺇﻥ ابني هذا سيد ، ﻭﻟﻌﻞّ اﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﺼﻠﺢ ﺑﻪ ﺑﻴﻦ ﻓﺌﺘﻴﻦ ﻋﻈﻴﻤﺘﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ" (البخاري 2704) ، و هذا الأمر لا يُقدم على فعله إلا من وفقه الله من أولي الإخلاص و العزم من الرجال .

فقهاء المذاهب الأربعة في عدم تعصبهم لمذاهبهم ، قال أبو حنيفة : "ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس و العين " ، و قال مالك :"ما من أحد إلا و يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر " و أشار بيده إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، و قال الشافعي : "إذا صح الحديث فهو مذهبي " ، و قال أحمد :" لا تقلدني ، ولا تقلد مالكًا ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري ، وخذ من حيث أخذوا " ، وغيرهم كثير من العلماء و الفقهاء .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :"و الخير كل الخير في اتباع السلف الصالح و الاستكثار من معرفة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و التفقه فيه ، و الاعتصام بحبل الله ، و ملازمة ما يدعو إلى الجماعة و الألفة ، و مجانبة ما يدعو إلى الخلاف و الفرقة ، إلا أن يكون أمرًا بينًا قد أمر الله و رسوله فيه بأمر من المجانبة فعلى الرأس و العين " (مجموع الفتاوى 505/6 ) .

قادة و أمراء مسلمون صاروا مضرب المثل في السعي لتوحيد المسلمين و اجتماعهم ، كنور الدين محمود زنكي و صلاح الدين الأيوبي و محمد الفاتح و غيرهم ، وقد حققوا انتصارات وعِزًّا و مكانة للأمة في ساعة عسرتها ، فكان عملهم نموذجًا يُحتذى .

ثانيًا : حكم وحدة المسلمين :

إن وحدة المسلمين و التزام الجماعة من أهم فروض الدين على الإطلاق ، و يأتي بعد توحيد الله عزّ وجلّ لأهميته ، و هذا يظهر من خلال الأدلة السابقة من الكتاب و السنة و غيرها ، و التي تندرج كلها تحت الأمر بالاعتصام بحبل الله جميعًا و النهي عن التفرق ، و لهذا وضع العلماء التزام الجماعة في كتب و أبحاث العقيدة لما فيه من ضرورة لحياة الأمة و هويتها ، وهو شرع الله الذي وصّانا به بعد الأنبياء و المرسلين و خص أولي العزم منهم { أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه } [الشورى 13] .

و هذا الفرض ترتبط به فروض أخرى تقوم بها الجماعة ، أهمها الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الجهاد في سبيل الله ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- : "وَهَذَا الْأَصْلُ الْعَظِيمُ : وَهُوَ الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَأَنْ لَا يَتَفَرَّقَ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَمِمَّا عَظُمَتْ وَصِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ . وَمِمَّا عَظُمَ ذَمُّهُ لِمَنْ تَرَكَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ وَمِمَّا عَظُمَتْ بِهِ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ" (مجموع الفتاوى 22/359).

حتى أنه لأهمية القيام بهذا الفرض تترك فروض أخرى عند تعارضها معه ، مثل الاعتراض على بعض المخالفات و المطالبة ببعض الحقوق ، و الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : "ﻣﻦ ﺭﺃﻯ ﻣﻦ ﺃﻣﻴﺮﻩ ﺷﻴﺌًﺎ ﻳﻜﺮﻫﻪ ﻓﻠﻴﺼﺒﺮ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ ﻓﺎﺭﻕ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺷﺒﺮًا ﻓﻤﺎﺕ، ﺇﻻ ﻣﺎﺕ ﻣﻴﺘﺔ ﺟﺎﻫﻠﻴﺔ" (البخاري 7054) ، و ذلك ضمن حدود و ضوابط شرعية محددة ، فعن عبادة بن الصامت قال : ﺩﻋﺎﻧﺎ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻓﺒﺎﻳﻌﻨﺎه ، ﻓﻘﺎﻝ ﻓﻴﻤﺎ ﺃﺧﺬ ﻋﻠﻴﻨﺎ: " ﺃﻥ ﺑﺎﻳﻌﻨﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻤﻊ ﻭاﻟﻄﺎﻋﺔ، ﻓﻲ ﻣﻨﺸﻄﻨﺎ ﻭﻣﻜﺮﻫﻨﺎ، ﻭﻋﺴﺮﻧﺎ ﻭﻳﺴﺮﻧﺎ ﻭﺃﺛﺮﺓ ﻋﻠﻴﻨﺎ، ﻭﺃﻥ ﻻ ﻧﻨﺎﺯﻉ اﻷﻣﺮ ﺃﻫﻠﻪ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﺗﺮﻭا ﻛﻔﺮًا ﺑﻮاﺣًﺎ، ﻋﻨﺪﻛﻢ ﻣﻦ اﻟﻠﻪ ﻓﻴﻪ ﺑﺮﻫﺎﻥ" (البخاري 7056) ، فيترك منازعة ولاة الأمر أمرهم لأن فيه مفسدة عظيمة وهي تفريق الجماعة ، هذا ما أقاموا الدين فإن أظهروا الكفر البواح وجب منازعتهم و الخروج عليهم ، لأن مفسدة اجتماع الأمة على الكفر البواح أكبر من مفسدة تفرقها .

و لا أدل على أهمية هذا الفرض و عظمته من تغليظ عقوبة من يفارق الجماعة أو يدعو إلى التفرق ، قال تعالى {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء 115] ، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من ﺧﺮﺝ ﻣﻦ اﻟﻄﺎﻋﺔ، ﻭﻓﺎﺭﻕ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻓﻤﺎﺕ، ﻣﺎﺕ ﻣﻴﺘﺔ ﺟﺎﻫﻠﻴﺔ "(مسلم 1848) ، وقال:"من شذ شذ إلى النار" (رواه الترمذي 2167 ، وصححه الألباني).

و لعظم هذه المعصية أُحل دم فاعلها فقد أمر صلى الله عليه وسلم بقتل من يفرق جمع المسلمين كائنًا من كان (رواه مسلم 1852)، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ﻻ ﻳﺤﻞ ﺩﻡ اﻣﺮﺉ ﻣﺴﻠﻢ، ﻳﺸﻬﺪ ﺃﻥ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ ﻭﺃﻧﻲ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺇﻻ ﺑﺈﺣﺪﻯ ﺛﻼﺙ: اﻟﺜﻴﺐ اﻟﺰاﻧﻲ، ﻭاﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﻨﻔﺲ، ﻭاﻟﺘﺎﺭﻙ ﻟﺪﻳﻨﻪ اﻟﻤﻔﺎﺭﻕ ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ " (مسلم 1676)، و عدها النبي صلى الله عليه و سلم كفرًا فقال :" فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض "(البخاري 1741) ، وهو كفر أصغر غير مخرج من الملة ، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى و من الكفر بعد الإيمان .

ثالثًا :على ماذا نجتمع ؟ (توحيد الكلمة على كلمة التوحيد ) :

قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [آل عمران 103] ، فالاجتماع ووحدة الكلمة إنما يكون بالاعتصام بحبل الحق الواحد ، وهو شرع الله الذي أنزل به كتابه وأرسل به نبيه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبدًا" (ابن حبان 122 ، صححه الألباني) ، والاجتماع إنما يكون على الغاية الأسمى التي خلقنا من أجلها وهي عبادة الله وحده لا شريك له ، وهو ما كلفنا بالجهاد من أجله ، أن يكون الدين كله لله ، و أن تكون كلمة الله هي العليا ، و لتحقيق الغاية لا بد من وسائل و أهمها الاجتماع ووحدة الكلمة ، فإذا عارضت الوسيلة الغاية قدمت الغاية و أخرت الوسيلة ، و هذا ما أمر الله عز وجل و قام به المرسلون و أتباعهم ، فلقد رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يداهن كفار قريش و يقرهم على بعض باطلهم ، رغم أنهم وعدوه أن يجتمعوا على بعض الحق الذي جاء به ، قال تعالى {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم 9]، و أنكر هارون عليه السلام على قومه عبادتهم للعجل رغم قلة عدد الذين ثبتوا معه ، قال تعالى مخبرًا بقوله: { قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي } [الأعراف 150]، فلا يسع أهل الحق التنازل عن بعضه لتحقيق الوحدة و إلا لما بقوا على الحق و لما أغنت عنهم كثرتهم على الباطل ، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك " (إعلام الموقعين لابن القيم 397/3) ، و لا قيمة للاجتماع على غير الكتاب و السنة ، و للنصر و التمكين تكون العبرة بالكيف لا بالكم ، قال تعالى {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } [الأعراف 48] ، و قال تعالى {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}[الأنفال 65] ،   فلا يجوز التهاون في أصول الدين التي تدور حول كلمة التوحيد لتحقيق مكاسب آنية زائلة ، ولا يحتج لذلك بحجة ، ففي الدين ثوابت لا تتغير و فيه متغيرات و رخص حسب الظروف و المصلحة ، فالاعتصام إنما يكون بالثبات على الثوابت و إعمال السياسة المنضبطة بضوابط الشرع في المتغيرات و الرخص و كل ذلك من الشرع و فيه خير الأمة ، و لا يدل على هذا أكثر من حديث النبي صلى الله عليه و سلم قَالَ: " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" (مسلم 1920) . ثم إذا حدث تنازع في شيء صغير أم كبير نرده إلى الله و الرسول أي إلى الحبل الذي أمرنا بالاعتصام به الكتاب و السنة ، قال تعالى { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } [النساء 59] . فيستنبط الحكم و الحل أولو العلم منا ، قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء 83].

رابعًا : أسباب الفرقة و الاختلاف :

مخالفة شرع الله عز وجل : وهو السبب الأساس الذي تنبع منه بقية الأسباب ، فلقد حذرنا الله من الاختلاف و بيّن لنا أسبابه و عواقبه في كتابه و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم ، و هما حبله الذي أمرنا أن نعتصم به ، وجلي أن مخالفة ما يجمع يسبب التفرق و التنازع ، كما أن مخالفة أمر الله و تركه عقوبته يغري العداوة و البغضاء بين المخالفين كما قال تعالى {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [سورة المائدة 14].

تفاوت الناس في العقول و الطباع والميول ، و تفاوتهم بالعلم والقدرة على الفهم ، و اختلافهم في الهدى والضلال ، قال تعالى {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)} [هود 118، 119] ، مختلفين : أي في الهدى ، إلا من رحم ربك : أي أهل الجماعة ، ولذلك خلقهم : قال بعض المفسرين للرحمة ، وقال آخرون للاختلاف (راجع تفسير ابن كثير) .

الاختلاف في تحديد الأصول المتفق عليها و الفروع التي يسع الاختلاف فيها ، و الثوابت و المتغيرات ، و كل ذلك سببه الجهل بأحكام الشريعة و مقاصدها ، و عدم فهم المسائل - خاصة العقدية منها - فهمًا صحيحًا و شاملًا، و نذكر منها الولاء و البراء و التكفير وضوابطه ، أضف إلى ذلك الاختلاف حول العمل بالسياسة الشرعية .

الإعجاب بالرأي و اتباع الهوى وترك الهدى و بطر الحق و تسفيه الناس و إن كانوا مصيبين ، قال تعالى : {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد 14] ، و اتباع الهوى و الإعراض عن الحق يورث المراء والجدل الذي يُذكي نار التفرق و التنازع ، ومن صفة هؤلاء اتباع المتشابه من الآيات وترك المحكم الواضح البين ، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران 7].

الأثرة و حب الرياسة و الزعامة و عدم التنازل للغير و إن كان الأفضل ، و ذلك من الركون إلى الدنيا وزينتها ، وقد يكون من العصبية الجاهلية و تغليب مصلحة فئة أو طائفة أو شخص على مصلحة الأمة . قال تعالى واصفًا حظ النفس و حب الدنيا و أثره في التنازع و الفشل: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}[آل عمران 152].

وساوس شياطين الجن و الإنس- بطانة السوء- و تزييفهم للحق و تزيينهم للباطل و كيدهم للمؤمنين ، قال تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } [المائدة 91] ، وعن المنافقين الذين يحاولون تفريق الأمة من الداخل قال تعالى : {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة 107] ، و أمر رسوله صلى الله عليه و سلم أن يعالج بنيان الشر هذا بالهدم .

سوء الظن و الحسد وغيرها من أمراض القلوب التي حذر منها الله في كتابه و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فسوء الظن يورث انعدام الثقة بين المسلمين أفرادًا و قيادات و يمنع من التعاون على البر و التقوى ، ويبعث الإحباط و التشاؤم في النفوس مما يؤدي إلى التقاعس عن العمل لخدمة الإسلام والمسلمين ، والحسد أخطر فهو نتيجة حب الذات و بغض الآخرين و تمني زوال النعمة عنهم ، فهو خُلُق هدام يؤدي إلى تفشي الكيد و المكر و التنازع والاختلاف .

البدعة وهي عكس السنة ، و نتيجة اتباع الهوى ، فالسنة واحدة و هي سبيل الاجتماع ، والبدع كثيرة بكثرة الأهواء وهي سبيل التفرق ، قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، تَمَسَّكُوا بِهَا ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ". (مسند أحمد 17275 ، صححه الألباني).

عدم التخلق بأخلاق الخلاف وهو ما كان عليه السلف الصالح ، فقد كان الصحابة الكرام و التابعون يختلفون في مسائل و اجتهادات و لا يؤثر ذلك في مودتهم لبعضهم ، و لا يزرع الغل و الفرقة بينهم لأنهم طلاب حق و ليسوا متبعي هوى ، و الآثار التي تدل على ذلك كثيرة .

أسباب خارجية تأتي من دسّ أعداء الأمة وكيدهم و زرعهم للفتن و تنميتها لتمزيق الأمة الإسلامية لكي يسهل السيطرة عليها ، ومن هذه الفتن دعوى الحزبية والوطنية والقومية و العلمانية والديمقراطية و غيرها كثير ، يقول "أرنولد توينبي" في كتابه الإسلام والغرب والمستقبل: إن الوحدة الإسلامية نائمة، لكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ ، ويقول المبشر لورنس براون: يجب أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير. ( الاختلاف في العمل الإسلامي - د.ناصر بن سليمان العمر) ، وهم تبع في ذلك لكفار قبلهم انتهجوا مبدأ فرِّقْ تسُدْ ، قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص 4].

خامسًا : مفاسد الفرقة و الاختلاف :

الضعف والعجز : قال الله تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [الأنفال 46] ، و هذا أمر طبيعي ونتيجة حتمية لأن الاجتماع و الاتفاق سبب من أسباب القوة وهو من الإعداد ، و بغيره يصبح المسلمون طوائف ضعيفة يسهل القضاء عليها كما حدث في بلاد الشام عند الحملات الصليبية و كما حدث في آخر عهد الأندلس و كما هو الحال اليوم .

تسلُّط أعداء الأمة و استباحتهم لدماء أبنائها وديارهم و مقدراتهم ، و هذا يزيد في ضعف الأمة و تشتتها .

تبدد الطاقات و الجهود و انتزاع البركة ، بسبب تشتت الأفراد و عدم الاستفادة من قدراتهم .

الضلال و الابتعاد عن الحق أو الجهل به ، وذلك نتيجة لرفض كل طرف للآخر و اجتزاء الحق، قال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون 53] ، ومن ذلك ما هو عقوبة من الله - عز وجل - ومثال على ذلك قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ "(البخاري2023). تلاحى فلان وفلان : أي اختلفا فتشاتما .

سفك الدم الحرام ، و قتل الأنفس المعصومة ، وسلب المال الحرام ، و الوقوع في أعراض المسلمين ، و الوقوع في الغيبة و النميمة و غيرها مما حرم الله عز و جل ،ﻋﻦ ﺛﻮﺑﺎﻥ، ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: " ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﺯﻭﻯ ﻟﻲ اﻷﺭﺽ، ﻓﺮﺃﻳﺖ ﻣﺸﺎﺭﻗﻬﺎ ﻭﻣﻐﺎﺭﺑﻬﺎ، ﻭﺇﻥ ﺃﻣﺘﻲ ﺳﻴﺒﻠﻎ ﻣﻠﻜﻬﺎ ﻣﺎ ﺯﻭﻱ ﻟﻲ ﻣﻨﻬﺎ، ﻭﺃﻋﻄﻴﺖ اﻟﻜﻨﺰﻳﻦ اﻷﺣﻤﺮ واﻷﺑﻴﺾ، ﻭﺇﻧﻲ ﺳﺄﻟﺖ ﺭﺑﻲ ﻷﻣﺘﻲ ﺃﻥ ﻻ ﻳﻬﻠﻜﻬﺎ ﺑﺴﻨﺔ ﻋﺎﻣﺔ، ﻭﺃﻥ ﻻ ﻳﺴﻠﻂ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻋﺪﻭًّا ﻣﻦ ﺳﻮﻯ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ، ﻓﻴﺴﺘﺒﻴﺢ ﺑﻴﻀﺘﻬﻢ، ﻭﺇﻥ ﺭﺑﻲ ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺇﻧﻲ ﺇﺫا ﻗﻀﻴﺖ ﻗﻀﺎء ﻓﺈﻧﻪ ﻻ ﻳﺮﺩ، ﻭﺇﻧﻲ ﺃﻋﻄﻴﺘﻚ ﻷﻣﺘﻚ ﺃﻥ ﻻ ﺃﻫﻠﻜﻬﻢ ﺑﺴﻨﺔ ﻋﺎﻣﺔ، ﻭﺃﻥ ﻻ ﺃﺳﻠﻂ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻋﺪﻭًّا ﻣﻦ ﺳﻮﻯ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ، ﻳﺴﺘﺒﻴﺢ ﺑﻴﻀﺘﻬﻢ، ﻭﻟﻮ اﺟﺘﻤﻊ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣَﻦ ﺑﺄﻗﻄﺎﺭﻫﺎ - ﺃﻭ ﻗﺎﻝ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺃﻗﻄﺎﺭﻫﺎ - ﺣﺘﻰ ﻳﻜﻮﻥ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻳﻬﻠﻚ ﺑﻌﻀًﺎ، ﻭﻳﺴﺒﻲ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﻌﻀًﺎ " (مسلم 2889) ، نسأل اللهَ العفو و العافية .

غضب الله و عقابه ، و اسْوِدَاد وجوه المفترقين يوم القيامة ، قال الله تعالى: { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } [آل عمران 106] ، قال ابن عباس رضي الله عنه : تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة .

التفرق و الاختلاف نوع من أنواع الكفر ، و العياذ بالله ، وهو كفر دون كفر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض "(البخاري 1741).

هلاك الأمة و العياذ بالله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْفُرْقَةُ"(مسند أحمد 1539).

سادسًا : وسائل الاجتماع و توحيد الكلمة :

طاعة الله ورسوله و تنفيذ الأوامر و الوصايا المتكررة ، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } ، { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } ، {أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } ، { فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} ، " ﻭﺃﻧﺎ ﺁﻣﺮﻛﻢ ﺑﺨﻤﺲ اﻟﻠﻪ ﺃﻣﺮﻧﻲ ﺑﻬﻦ: بِالْجَمَاعَةِ ، وَالسَّمْعِ ، وَالطَّاعَةِ ، وَالْهِجْرَةِ ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ " ، " عليكم بالجماعة و إياكم و الفرقة " و غيرها كثير .

التمسك بالعقيدة الصحيحة و المنهج الوسط منهج أهل السنة و الجماعة ،لا إفراط و لا تفريط ، فهو الرابط المشترك و حبل الله الذي أمر بالاعتصام به ، وهو الأصل الذي اجتمع عليه خير القرون و إن اختلفوا في بعض الفروع .

الحفاظ على شعائر الإسلام التي يجتمع عليها المسلمون والتي تقوي الصلات بينهم ، كصلاة الجماعة ، عن أبي الدرداء قال : ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ: " ﻣﺎ ﻣﻦ ﺛﻼﺛﺔ ﻓﻲ ﻗﺮﻳﺔ ﻻ ﻳﺆﺫﻥ ﻭﻻ ﺗﻘﺎﻡ ﻓﻴﻬﻢ اﻟﺼﻼﺓ ﺇﻻ اﺳﺘﺤﻮﺫ ﻋﻠﻴﻬﻢ اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ، ﻓﻌﻠﻴﻚ ﺑﺎﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، ﻓﺈﻥ اﻟﺬﺋﺐ ﻳﺄﻛﻞ اﻟﻘﺎﺻﻴﺔ " (مسند أحمد 21710) ، وكذا الزكاة تكافل الأمة، و الصوم الشعور بالضعفاء و لين الجانب و رياضة الأخلاق ، و كذا الحج مؤتمر الأمة ، و الجهاد الذي فيه عز الأمة و الذود عن أبنائها بأبنائها .

توحيد المرجعية الشرعية للجوء إليها عند التوافق و عند التنازع ، قال تعالى { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } [النساء 59] ، و يقيمها بين الناس أهل العلم و الاختصاص و الإخلاص ، قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء 83].

الشورى : و هي أمر الله الذي التزمه نبيه صلى الله عليه وسلم على ما معه من العصمة و الوحي ، و ذلك تطييبًا للنفوس و تعليمًا للأمة ، قال تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ، و مدح الله المؤمنين بالعمل بها قال تعالى: { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ، و الشورى من أهم الأمور التي تجمع الناسَ و تلم الشملَ ، فهي التي تجعل القرار مشتركًا يتحمل مسؤوليته أهل الحل و العقد من المسلمين ، و تنزع سوء الظن و تزرع الثقة بينهم ، و تكون شوكة أهل الشوكة مع ولي الأمر لا ضده .

الالتفاف حول ما يرمز للجماعة و لا تقوم إلا به كالإمام والراية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ﻣﻦ ﺃﻃﺎﻋﻨﻲ ﻓﻘﺪ ﺃﻃﺎﻉ اﻟﻠﻪَ، ﻭﻣﻦ ﻋﺼﺎﻧﻲ ﻓﻘﺪ ﻋﺼﻰ اﻟﻠﻪَ، ﻭﻣﻦ ﻳﻄﻊ اﻷﻣﻴﺮ ﻓﻘﺪ ﺃﻃﺎﻋﻨﻲ، ﻭﻣﻦ ﻳﻌﺺ اﻷﻣﻴﺮ ﻓﻘﺪ ﻋﺼﺎﻧﻲ، ﻭﺇﻧﻤﺎ اﻹﻣﺎﻡ ﺟﻨﺔ ﻳﻘﺎﺗﻞ ﻣﻦ ﻭﺭاﺋﻪ ﻭﻳﺘﻘﻰ ﺑﻪ، ﻓﺈﻥ ﺃﻣﺮ ﺑﺘﻘﻮﻯ اﻟﻠﻪ ﻭﻋﺪﻝ، ﻓﺈﻥ ﻟﻪ ﺑﺬﻟﻚ ﺃﺟﺮًا ، ﻭﺇﻥ ﻗﺎﻝ ﺑﻐﻴﺮﻩ ﻓﺈﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻨﻪ" (البخاري 2957) ، فلا يستقيم حال المسلمين و لا تجتمع كلمتهم إلا على إمام واحد منهم ، قال علي بن أَبي طالب رضي الله عنه : "لا بد للناس ؛ من إِمارة برة كانت أو فاجرة ، قيل له : هذه البرة عرفناها فما بال الفاجرة ؟! قال : يُؤمن بها السبُل وتُقام بها الحدود ويُجاهد بها العدو ويُقسم بها الفيء" (منهاج السنة ، لابن تيمية : 1/146).

التذكير المستمر بأهمية الوحدة و الاجتماع عقلًا و نقلًا ، و ذلك يكون بتوجيه العامة و وعظهم في المساجد و غيرها ، و النصح لأولي الأمر و حثهم على توحيد الكلمة و اجتناب الفرقة و أسبابها ، وبيان أضرار و مفاسد شق الصف و عقوبة فاعله من أبناء الأمة في الدنيا و الآخرة و يقوم بذلك أساسًا العلماء الربانيون و طلبة العلم الشرعي ، و هذا النصح لمرتكب هذه الكبيرة بداية ، ثم تتخذ إجراءات شرعية رادعة له و لغيره من مرتكبي هذا الأمر العظيم .

اجتناب البغي والحسد و ترك الهوى و أمراض القلوب التي ينتج عنها خلافات شخصية لا عقدية ، و كلها منبعها حب الدنيا و الركون إليها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ﻓﻮاﻟﻠﻪ ﻣﺎ اﻟﻔﻘﺮ ﺃﺧﺸﻰ ﻋﻠﻴﻜﻢ، ﻭﻟﻜﻨﻲ ﺃﺧﺸﻰ ﺃﻥ ﺗﺒﺴﻂ ﻋﻠﻴﻜﻢ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻛﻤﺎ ﺑﺴﻄﺖ ﻋﻠﻰ ﻣَﻦ ﻛﺎﻥ ﻗﺒﻠﻜﻢ، ﻓﺘﻨﺎﻓﺴﻮﻫﺎ ﻛﻤﺎ ﺗﻨﺎﻓﺴﻮﻫﺎ، ﻭﺗﻬﻠﻜﻜﻢ ﻛﻤﺎ ﺃﻫﻠﻜﺘﻬﻢ "(البخاري 4015)، نعوذ بالله من ذلك .

الإيثار و التنازل للآخر في سبيل توحيد الصف و لمّ الشمل ، كما فعل الحسن مع معاوية رضي الله عنهما ، فيجب تغليب مصلحة الأمة على حظوظ النفس و أمانيها .

تقوية أواصر المحبة و المودة و الاتصال الدائم ، فبذلك لا تنمو الخلافات لأنها تعالج مباشرة بالاتفاق ، و لا يغلب سوء الظن الثقة لأنه يعالج بالعتاب و التلاوم الدائم ، و لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا ﺗﺒﺎﻏﻀﻮا، ﻭﻻ ﺗﺤﺎﺳﺪﻭا، ﻭﻻ ﺗﺪاﺑﺮﻭا، ﻭﻛﻮﻧﻮا ﻋﺒﺎﺩ اﻟﻠﻪ ﺇﺧﻮاﻧًﺎ، ﻭﻻ ﻳﺤﻞ ﻟﻤﺴﻠﻢ ﺃﻥ ﻳﻬﺠﺮ ﺃﺧﺎﻩ ﻓﻮﻕ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻳﺎم " (البخاري 6065).

قول الحق في الوقت المناسب و الطريقة المناسبة ، و الابتعاد عن إثارة الأمور الفرعية المُختلَف فيها إن كانت ستسبب جدلًا و فرقة ، و هذا يتم بموازنة مصلحة قول الحق و مفسدة الفرقة و الاختلاف ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فليقل خيرًا أو ليصمت " (البخاري 6018) ، و لم يقل صلى الله عليه وسلم فليقل حقًّا ، و الفرق واضح فإن قول الحق قد يوصل إلى الخير أو إلى غيره ، وقول الخير لا يوصل إلا إلى الخير .

الاعتدال في الحكم على الأشخاص و الأخطاء ، فالعصمة للأنبياء ، و كل ابن آدم خطاء ، و الأخطاء منها الصغير و منها الكبير ، و منها ما هو عن جهالة أو قصد ، و منها ما هو عن علم و اجتهاد ، فلا ينبغي على طالب الحق و الداعي إليه أن يغلو في شخص أو رأي فيجعله صوابًا و إن كان خطأ ، و لا أن يجفو عن شخص أو رأي فيجعله خطأ و إن كان صوابًا ، و إلا لاعتصم كل جاهل بهواه و لأحجم أهل العلم و الاجتهاد ، قال رسول صلى الله عليه وسلم : "إﺫا ﺣﻜﻢ اﻟﺤﺎﻛﻢ ﻓﺎﺟﺘﻬﺪ ﺛﻢ ﺃﺻﺎﺏ، ﻓﻠﻪ ﺃﺟﺮاﻥ، ﻭﺇﺫا ﺣﻜﻢ ﻓﺎﺟﺘﻬﺪ ﺛﻢ ﺃﺧﻄﺄ، ﻓﻠﻪ ﺃﺟﺮ" (مسلم 1716).

إنزال الناس منازلهم بتوقير الأكابر و احترامهم و وضع حد للأصاغر و التزامهم التواضع ، فخير الأمة و اجتماعها إنما يكون على أهل العلم و الحلم منها ، و ليس على الرويبضات الذين لا يوقرون عالمًا و لا يحلمون عن جاهل ، قال ابن القيم -رحمه الله -: "و من له علم بالشرع و الواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح و آثار حسنة ، و هو من الإسلام و أهله بمكان ، قد تكون منه الهفوة و الزلة هو فيها معذور ، بل مأجور لاجتهاده ، فلا يجوز أن يتبع فيها ، و لا يجوز أن تهدر مكانته و إمامته و منزلته في قلوب المسلمين" (إعلام الموقعين 283/3).

تدارك الخلاف و رأب صدع الفرقة من قِبَل أهل الإصلاح ، و ذلك بالحوار و تقريب وجهات النظر ، و السعي على أرض الواقع ، قال تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } [الحجرات 9] ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ " قالوا : بلى ، قال : "صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة " قال أبو عيسى هذا حديث صحيح ويروى عن النبي صلى الله عليه و سلم " هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" ( الترمذي 2509 ، وصححه الألباني).

التصدي لمحاولات أعداء الأمة لتفريقها و تشتيت شملها ، و ذلك بالتصدي لأهل النفاق و الضرار الذين يدسون دسائس الاختلاف و التنازع من الداخل وهدم كل بنيان يبنونه لهذه الغاية ، و التصدي لأعداء الأمة الخارجيين الذين يسعون لإبقاء الأمة في تشتت و ضعف لتسهل و تستمر سيطرتهم عليها .

سابعًا : مصالح وثمرات الاجتماع و توحيد الكلمة :

القوة و المنعة يتبعها النصر و التمكين ، فالإسلام دين الحق و للحق أعداء لا تقوم قائمة الدين إلا بالتصدي لهم ، ولا يكون ذلك إلا بالوحدة و الاجتماع الذي هو من الإعداد ، و هذا أمر معلوم بالضرورة عقلًا و نقلًا ، و هو ما حرص عليه النبي صلى الله عليه و سلم منذ بداية الدعوة ثم عندما هاجر إلى المدينة حيث آخى بين المهاجرين و الأنصار ، ووضع الوثيقة التي تجعل أهل المدينة يدًا على مَن عاداهم ، و قد قال صلى الله عليه وسلم : "إﻥ اﻟﻤﺆﻣﻦ ﻟﻠﻤﺆﻣﻦ ﻛﺎﻟﺒﻨﻴﺎﻥ ﻳﺸﺪ ﺑﻌﻀﻪ ﺑﻌﻀًﺎ "ﻭﺷﺒّﻚ ﺃﺻﺎﺑﻌﻪ . (البخاري 481).

رضا الله - عز وجل - لامتثال أمره و أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، بالاعتصام و التمسك بحبله ، و هذا يجلب كل خير و يدفع كل شر ، وفيه حياة الأمة و عزها ، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال 24].

الهداية إلى الحق و صراط الله المستقيم بتوفيق من الله عز وجل ، قال تعالى : {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران 101]، و بالعمل بالأسباب التي توصل إليه و منها الشورى و التي لا تقوم إلا مع الجماعة ووحدة الكلمة .

رحمة الله ونيل فضله وهدايته و محبته ، قال تعالى { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء 175] ، و قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف 4] ، فهذه الرحمة وهذا الفضل والهداية و الحب خاص بأهل الإيمان و الاعتصام قلُّوا أم كثروا .

معيّة الله عز وجل و ولايته ، و معيّة المؤمنين ، قال تعالى : { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } [الحج 78] ، و قال تعالى : { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء 146] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"يد الله مع الجماعة " (الترمذي وابن حبان ، وصححه الألباني).

البركة في الجماعة ، وذلك في أمور الخير كلها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" (البخاري 645) ، وقال صلى الله عليه وسلم: "البركة في ثلاثة في الجماعة والثريد والسحور" ( رواه الطبراني ، وصححه الألباني) ، وقَالَ رَجُل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نَأْكُلُ وَمَا نَشْبَعُ ، قَالَ :" فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُفْتَرِقِينَ ، اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ". (مسند أحمد 16176).

الاستفادة من طاقات أبناء الأمة ووضعها في مكانها المناسب ، فعندما يجتمع أبناء الأمة تحت قيادة واحدة فإنها توزع المهام و تضع كل ذي اختصاص في اختصاصه ، فتتضافر الجهود و يحدث التعاون لتحقيق الأهداف التي تسعى إليها الأمة .

الثقة بين الأمير والمأمور و ينتج عنها الإخلاص ، فباجتماع الأمة على قيادة واحدة لها أمير معروف و مُبايَع من قِبَل أهل الحل والعقد ، يضع المسلمون ثقتهم بهذه القيادة التي تعمل لخدمة الأمة أجمع ، لا لخدمة فئة أو طائفة أو شخص ، وبهذا يعطي أبناء الأمة أفضل ما عندهم من عمل و أخلصه لله ، و تستطيع القيادة العمل بثقة و مسؤولية و بسياسة منضبطة بالشرع ولا يكبلها سوءُ الظن و تدخُّلُ أكثر من حزب و أكثر من هوى .

كف بأس أبناء الأمة عن بعضهم وتوجيهه ضد أعدائهم ، فبالاجتماع و تآلف القلوب بإذن الله تكون قوة الأمة و عزتها أمام أعدائها و بتفرقها و تنازعها يكون ضعفها و ذلها ، والعياذ بالله وهذا حال مَن غَضِبَ اللهُ عليهم من أهل الكتاب ، قال تعالى : { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر 14].

تبكيت شياطين الجن والإنس و أعداء الدين ، فباجتماع الكلمة و رص الصف و التآلف بين المسلمين يكون عزهم وتحقيق أهدافهم ، فلسان الحال يقول لهم ما قال الله تعالى : {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران 119].

رسالة

يا أهلَ الشَّامِ الجَمَاعَةُ رَحْمْةٌ والفُرقَةُ عَذَاب

الحمد لله الذي جعلنا على دينه و اختارنا من بين خلقه ، لنكون في بلاد الشام أرض البركة و الرباط و الملاحم و أهم ثغر من ثغور الإسلام ، و الصلاة و السلام على رسول الله الذي دعا بالبركة للشام و اختارها لصحبه الكرام ، وبعد :

فيا أهل الشام ، إن أكثر مكان وزمان تتجلى فيه وحدة الصف و اجتماع الكلمة هو الجهاد في سبيل الله عز وجل ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف 4] ، فالكثرة و التعاون بين المجاهدين من الإعداد الذي أمر الله عز وجل به ، و هذا كله من شروط النصر و التمكين ، فكيف إذا تحقق هذا الاجتماع و كانت وحدة الصف في بلاد الشام أرض الجهاد والبركة التي قال الله تعالى عنها واصفًا هجرة خليله إليها : { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء 71] ، و دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " اللهم بارك لنا في شامنا و يمننا " (البخاري 1037) ، وهي الأرض التي فيها عمود الكتاب و الإيمان إذا وقعت الفتن ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ ، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي ، فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ ، أَلاَ وَإِنَّ الإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ" (رواه أحمد 22076 ، وصححه الألباني) .

يا أهل الشام إنكم بالاجتماع على كلمة التوحيد تطيعون الله ورسوله بما عظمت الوصية به ، قال تعالى : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [آل عمران 103 ] ، و بذلك يكون رضا الله عز وجل ، و نصر مؤزر يعيد للأمة عزها و مكانتها ، و يعقبه إقامة للصلاة و إيتاء للزكاة و أمر بالمعروف و نهي عن المنكر كما أمرنا ، وهل جهادنا و حياتنا و مماتنا إلا ليرضى ربنا ، و يقام شرعه في أرضه ، خبنا وخسرنا إن ذهبت دماء الشهداء و صرخات اليتامى و آهات الثكالى و أشلاء المعذبين هباء منثورًا دون تحقيق هذه الغاية ، ولقد طال انتظارنا ، نسأل الله أن يجدد لهذه الأمة دينها بعد مائة عام من سقوط الخلافة .

يا أهل الشام أذكركم الله - عز وجل - و ما أمر به عباده و ما خصكم به فأنتم على أهم ثغر من ثغور الإسلام ، و أنتم أهل الصلاح إذا فسد الناس ، و أهل الثبات إذا خذل الناس ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصحابته الكرام : "إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلاَ خَيْرَ فِيكُمْ ، وَلَنْ تَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" (رواه أحمد 20632 ، وصححه الألباني)، فما يسع الناس من تهاون و استكانة لا يسعكم ، و نصر الله وتأييده وكفالته معكم ، عن عبد الله بن حوالة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" إنكم ستجندون أجنادًا : جندًا بالشام وجندًا بالعراق وجندًا باليمن "، قال : قلت : يا رسول الله خِرْ لي ؟ قال : " عليك بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره فإن الله تكفل لي بالشام وأهله " (صحيح ابن حبان 7306) .

يا أهل الشام إن في الجماعة رحمة بما يأتي معها من رضا الله و رحمته و هدايته و فضله و معيته و محبته ، و نصر و تمكين ، و تعاون على البر و التقوى ، و استفادة من الطاقات و الخبرات المبعثرة ، و ثقة بين القيادة و الأفراد ، و إخلاص لله عز وجل ، و تبكيت لشياطين الإنس و الجن ، و الفرقة عذاب بما يأتي معها من سخط الله عز وجل ، و تنازع و فشل و انكسار و ذل ، و إهدار للطاقات ، و سوء ظن ، و ووقوع في الدم و المال و العِرْض الحرام ، و تسلُّط أعداء الأمة على أبنائها ، ألا فاتقوا الله و أصلحوا ذات بينكم ، و اجتمعوا على طاعة الله عز وجل ، فأنتم أمل الأمة و المثال الذي سيحتذى ، و إن مدد الله ورزقه مكفول لكم ، والصبر والثبات من شيمكم ، فما بقي من وسائل النصر والتمكين إلا اجتماعكم على كلمة سواء بينكم ، ألا وهي كلمة التوحيد .

بادروا بالاجتماع صولة أعدائكم و تربُّص من خذلكم بكم ، فإن قيادة موحدة للمجاهدين في الشام تستطيع بعد كسب ثقة أبنائها أن تقطع الطريق على مَن يسعى لزرع نظام علماني عميل جديد ، أو لضرب المجاهدين بحجة الإرهاب ، و تجمع هذه القيادة أهل الاختصاص من المجاهدين لبناء مؤسسات الدولة و المجتمع بهم لا بغيرهم ممن لا يؤمن غدرهم و لا تصفو عقيدتهم ، و يكون لهذه الدولة هيبة بين الدول و تحالفات لا بد منها للوصول إلى مصالح و دفع مفاسد من غير أن نتنازل عن ثوابت الدين ، و بهذا يكلل الجهاد في الشام بتحقيق الأهداف ثم الغاية الكبرى التي ما خرجنا إلا لتحقيقها .

إننا في كل يوم نشاهد حالًا أو نقرأ مقالًا عن وسيلة للوصول إلى الغاية ، كالقتال بلا سياسة ، و السياسة بلا قتال ، و حروب العصابات المسلحة ، و حروب العصابات السياسية ، و تطبيق تجارب نجحت جزئيًّا في بعض البلدان ، و هذا كله لا يصلح ، فالشام ليست كغيرها و العاقل يرى ذلك ، و لكل زمان و مكان حكمه ، و إني لا أجد وسيلة أنجح و أنجع مما أمر الله به في كتابه و عمل به النبي صلى الله عليه و سلم و أمر به في سنته ، وهو الاعتصام بحبل الله جميعًا ، و بناء جسور الثقة بين المجاهدين - قيادةً و أفرادًا - و عامة المسلمين ، مما يتيح لهذه القيادة العمل بسياسة تستخدم فيها التورية والخدعة والدهاء وغير ذلك ضمن حدود الشرع بلا حرج و لا سوء ظن و لا خلاف .

يا أهل الشام ، وجب عليكم أن تستفيدوا من التجارب الجهادية السابقة الفاشلة ، و التي ما أضر بها مثل التمسك بجزء من الشرع و إهمال أجزاء - و الشرع كل لا يتجزأ - فكانت نتيجة ذلك إما جفاء يعقبه كفر ، و إما غلو يعقبه تكفير ، و أضر بالجهاد التمسك بأسماء و قشور و إهمال اللب و حقيقة الأمور ، فلقد محا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية صفته في الوقت الذي لم يعط الدنية في دينه و لم يتراجع عن جهاده باللسان و بالسنان ليكون الدين كله لله ، و هذا كله يدل على أنه رسول الله حقًّا و إن لم يكتب ذلك في وثيقة الصلح .

يا أهل الشام إنما تجمعكم عقيدة واحدة و غاية واحدة و تفرقكم الوسائل و الأهداف المرحلية ، و هذا دواؤه اللجوء إلى الكتاب والسُّنة و إلى من يستنبط الأحكام من العلماء الربانيين ، لا الإصرار على الرأي و اتباع الهوى أو الولاء الفئوي و المصالح الشخصية ، ولا سوء الظن والبغي والحسد ، ولا الأثرة وحب الزعامة والرياسة ، ولا إثارة الخلافات الفرعية ، بادروا كل ذلك بقول الحق في الوقت والطريقة المناسبة ، و بالإيثار و التواضع لله ، و بالاعتدال في الحكم على الآراء و الأشخاص ، و بإنزال الناس منازلهم .

اجتمعوا على رجل واحد منكم يكون إمامًا وجُنّة لكم تقاتلون من ورائه وتتقون به ، يؤمن بإمارته السبيل و تقام بها الحدود و تحفظ بها الثغور و تساس بها الرعية و الدول الحليفة والعدوة ، فالعمل على نصرة دين الله و الوصول إلى الغاية يكون باللسان وبالسنان ، بقوة و صولة الفارس و بدهاء و خدعة السائس، و بتطبيق شرع الله كاملًا غير مجتزأ على الواقع .

ارفعوا راية واحدة ترمز لاجتماعكم ووحدة صفكم ، و تنهي تشتُّتكم و تفرُّقكم ، كانت بلون واحد أو أكثر من لون ، فالراية تمثل اجتماعكم على الغاية ، و لم يلزم المسلمون أنفسهم بعلم محدد الأشكال والألوان والعبارة على مر التاريخ ، بل كان لكل دولة جامعة في زمانها راية تهفو إليها قلوب الموحدين و ترجف منها قلوب الكافرين ؛ لأنها تمثل دولة الإسلام في حينها .

يا أهل الشام إن الله يؤيد بنصره أهل الحق و إن كانوا قلة ، ما داموا ثابتين و مجتمعين عليه ، قال تعالى : {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال26] ، و إن لله جنودًا يأمرهم بنصر أهل الحق فينصرونهم ، فإن كنتم لا ترون الملائكة ، فإنكم ترون الغيوم و الضباب والمطر والريح ، و السلاح الذي بين أيديكم ، و ما يرميكم به عدوكم و ما تغنمون منه ، فكل ذلك من جنود الله ، وبركات السماء والأرض ، وكل هذا لم يظهر إلا مع ما تعلمون من اجتماع صفكم ووحدة كلمتكم ورايتكم ، فإنْ تفرق أهل الحق على قلة أو كثرة ، ضعف أو قوة ، أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا ، قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال 46] ، ولقد عاينتم الفشل عند الاختلاف والتنازع .

يا أهل الشام إن ما بعد النصر أصعب من تحقيق النصر ذاته ، و دولة هذه الأيام تقوم عليها أعباء جسام ، و إنه لم يتمكن المجاهدون في عصرنا هذا من إقامة دولة بعد نصر حققوه ، فلمَ نقاتل إن لم يكن بعد النصر تمكين ؟ ، وهل نقاتل لأجل القتال أم لتحقيق غاية ؟ ، وإنها والله قريبة إن طلبتموها برضا الله و التعاون على البر والتقوى .

ها هو النصر يتلو النصر والفتح يعقب الفتح ، والمناطق المحررة تتسع ، و إن فيها اختبارًا لصدق جهادكم و ثمرة انتصاركم ، تجاوزوا الخلافات البسيطة والجانبية ، واتفقوا على إدارة تقوم بها المقدرة والكفاءة ، وتكون خطوة أولى لبناء الدولة ، فإنكم اليوم محط أنظار العالم ، من مؤمن وكافر، وبر وفاجر ، يرقبون فشلًا كالتجارب السابقة ، أو نجاحًا نسأل الله أن يكون .

يا أهل الشام ، إن أعداءكم يكيدون لكم باستمرار ، و يمكرون مكر الليل والنهار ، فعاجلوهم بما أمركم الله ، وإن مما يثنى عليه مشروع الأمة الذي صار أمل الناس كبيرهم و صغيرهم خاصتهم وعامتهم ، ألا وهو " الجبهة الإسلامية " ، وإنه لم يكلل باندماج ، لكنه قابل للتجديد و البناء ، و قابل لأن يشمل الفصائل الشامية لما فيه من موافقة للشرع وقبول من أهله ، ولقد اندمج فصيلان كبيران من فصائله تحت مسمى واحد نسأل الله لهم العون والسداد ، ومما يثنى عليه اجتماع قوات المجاهدين تحت مسمى واحد و شعار واحد ألا وهو " جيش الفتح " ، فتحقق فتح بإذن الله لم يكن ليتحقق في أمد قريب لولا بركة الجماعة، فهل من مُدَّكر ؟ و هل من معتبر ؟ و هل على الرائد إلا أن يصدق أهله ؟ و إني والله صدقتكم .

اللهم وحِّد المسلمين على كلمة التوحيد ، اللهم عجِّل لنا بنصر وتمكين تعزّ به الإسلام والمسلمين ، اللهم استعملنا ولا تستبدلنا ، والحمد لله ربّ العالمين.

قصيدة

يا أهــلَ الشَّــامِ تَــوَحَّـــدُوا

من ذا سيُبحِـر و البحــور دمـاءُ ؟     و متـى سـتخرج للورى العصماءُ ؟

مـات الشّعـور فما تُصـاغ قـصيـدةٌ     فـي شـامـنا أم مـاتت الشـــعراءُ ؟

أم أنَّ نـصـر الدِّيـنِ يبـزُغُ فـجـرهُ       تـاهت بـه الآفــاق و الأنـحـــاءُ؟

فـي هـذه الأرضِ التـي قد بوركت       للعَــالميـــن   و أهـلُـهَـا النُّجَـبَــاءُ

أرضِ الملاحـمِ والبطـولاتِ التــي       كُتِبت   بلـون   ترابهـا   حمــــراءُ

فيها عمــودُ الدِّيـن نــورٌ ســاطـعٌ       من   وهـجـِــهِ   تتبــدَّد الظلمـــــاءُ

فيها البــلاء كنــار كيــرٍ مســعــرٍ      يجلــو الأبــــاةَ   فينتفــي الخبثـــاءُ

كــم حــطَّ مــن بـاغٍ رحالَ فسـادِهِ       فيها فـزال كمـا يـزول هبـــــاءُ

كــمْ بـَـادَ مــن عــادٍ بـأمـر إلـهـنـا       حـكـمٌ بـأن لا يـحـكمَ   الـدُّخَــلاءُ

فالأرض يـورِثُــها لـخيـرِ عبـــادِهِ        و بهـــم تقــوم شــريـعـةٌ غَــرَّاءُ

مــن خـيـرِ تـنـزيـلٍ و أفضلِ سُـنَّةٍ       فـي خــير أرضٍ تـحـكمُ العُـــلَمَاءُ

يا أهلَ شـــامِ الـعـزِّ إنِّـــي رائِــدٌ      فيـمـا ســـأصْدُقُـكُمْ يـكــــون دواءُ

فيــما أنـبِّـئُـكـم شـفـــاء عــــاجـلٌ     لعـــلاجِ مـــا طــارت بِهِ الأنبـــاءُ

قتـلٌ و تشـريـدٌ و تـجهيـلٌ و مــا      فـي الأرضِ مَن ينجـو به الضعفـاءُ

و البـاطنيـة أظهـرت مــا أبـطنـت       مــن حِـقْـدِها و اســتأسَـدَ الجبنــاءُ

و الـكـفـر آزرهم و أمَّــةُ أحـمــدٍ       فــي ذا الــزَّمـــانِ كثيــرةٌ وغُثـاءُ

فإلـى الإلهِ المشـتـكـى و بهِ النَّـجـا      و الخــوفُ في شــامِ الرِّبـاطِ رجـاءُ

و بـأهـلها ثَـمَّ الـصَّــلاحُ إذا طَـغَى       أهــلُ الفســادِ و حـلَّــتِ الــدَّهمـــاءُ

يا أهـــل شــامِ العزِّ يا أسْدَ الشَّرى     للكـفــرِ عنــد زئيــــرِكـم إقعــــاءُ

أذهلتـمُ التَّــــاريــخَ إنَّ حـيـــاتَـكـم      جــودٌ بفـيـضِ دمــائِكـم و عـطـاءُ

ما ذا الـتَّشــتُّـتُ و الأواصِـرُ بينَكم      تـوحـيـدُكـم و الغـــايـةُ العـليــــاءُ؟

أهـي الخِلافــاتُ التي عصَفَت بكمْ       أم أنَّـهـا الأطمـــاعُ و الأهـــــواءُ؟

فـي كـلِّ يــوم فِـرقـةٌ عــن فُـرقـةٍ        ضَـاقَت بـها الأوصـافُ و الأسمـاءُ

و إذا البشـائرُ أقبـلـت فـجَـدِيــدُكـم    فـي كــلِّ يـــومٍ رايــةٌ   و لــواءُ

ما بــالُ دعــوى الجــاهـلـيـةِ بينَكُم      و إذا مُـطِــرتُــم مـا لَـهَـا الأنــواءُ؟

ما ذا التَّــمسُّـكُ بالـرِّيــاسةِ عندَكـم      يــا أيَّـهـا الأُمَــرَاءُ و الكُــبـَرَاءُ؟

لا يســتَقِيــم الحَـــالُ دونَ تنـــازُلٍ       لا يَســتقـيـمُ و كُـلُّـكم خُـلَــفَــــاءُ

طُــوبى لِـمَنْ تَـرَكَ الإمارةَ راضِيًا      لأخيـــهِ كــي يـرمـيهِ حيــثُ يشـاءُ

ســهـمًا يصـيب المعتـدي في مقتلٍ      بجِـهـــادِهِ فـلـتـفـخـرِ الـخـنســـاءُ

يــا أهــل شـــامِ العِــزِّ إنِّي ناصِحٌ       فيمــا أقــــولُ نصــاعةٌ و جَــلَاءُ

هلَّا اعتصـمـتُم بالكتـابِ جمِيـــعُكُمْ      و بـهَـدْي مَـن مِــن آيِـهِ الإســـراءُ

فالنَّصــرُ و التَّمكيــنُ مكفـــولٌ لكم      إن زَالَ سُــــوءُ الظَّـنِّ و البَغْضَــاءُ

و إنِ اتَّخــذتُــمْ منهـجـًا متـوسِّطــًا    يَــأبَى الغُـلوَّ و لـيـسَ فيـهِ جَفَــاءُ

و إنِ ارتَضَــيْتُـمْ للإمَــامَةِ مُســلِمًا      يرضَــــاهُ أهـلُ الحَــلِّ و العُقَـــلاءُ

قــولٌ و فِــعـلٌ لا يُــداهِـنُ كــافِرًا      و سِــيــاسَـةٌ شَــرعِيَّــةٌ و دَهَـــاءُ

و بِغَــيــرِ هــذا لا يــكـونُ جِهادُكمْ       إلَّا قــتــــالٌ خَـــالِـصٌ و عَنَــــاءُ

كَمُحَــاوَلاتٍ قَـد مَضَـتْ و ثمـارُها       نــصـرٌ بَدَا و هَزِيــمــةٌ   نَــكــرَاءُ

يـا أهـلَ شـامِ الفـتحِ جيشُ الفتحِ قَدْ    عَطَـفَـت عليـه الأرضُ و الأجـواءُ

هـذي جُنُـــودُ اللهِ تـنــصُرُكـمْ إذا      كـنـتـم جَمِيــعًا غَـيـمُـهَـا و المَــــاءُ

فامضُــوا مِثَــالًا يُحـتذَى فــي أُمَّـةٍ    وُعِــدَت بـأنْ بعـدَ الفِــراقِ لِقـــاءُ

فـــإذا تـكـلَّـلَ سَـــعيُنَــا فـدِمَشقُنَــا      لِلـدِّيـــنِ رُكــنٌ بــعــدَهــا صَــنْـعَاءُ

"إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ"

أخــــوكــم

أبــو يـحـــيـى الشـــامــي

الخميس    11 رجب 1436

الموافق     30 نيسان 2015