أمور يقبل فيها الخلاف داخل أهل السنة والجماعة

الشيخ محمد عبد الهادي المصري
أهل السنة والجماعة يقبلون فيما بينهم تعدد الاجتهادات في بعض الأمور التي نقل عن السلف النزاع فيها، دون أن يُضلل المخالف في هذه المسائل. نذكر من هذه المسائل على سبيل المثال - لا الحصر-

أهل السنة والجماعة يقبلون فيما بينهم تعدد الاجتهادات في بعض الأمور التي نقل عن السلف النزاع فيها، دون أن يُضلل المخالف في هذه المسائل. نذكر من هذه المسائل على سبيل المثال – لا الحصر – ما يلي:

1- (بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رضي الله عنهما - بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ وَسَكَتُوا، أَوْ رَبَّعُوا بِعَلِيِّ، وَقَدَّمَ قَوْمٌ عَلِيًّا، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا. لَكِنْ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ. وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ - مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّة، لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا هِيَ (مَسْأَلَةُ الْخِلَافَةِ). وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ. وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ) ج3 ص153.

2 – والقسم الثاني من الكلام: مَا يَكُونُ قَدْ قَالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ أَوْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَوْ بَعْضُ النَّاسِ، وَيَكُونُ حَقًّا، أَوْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، أَوْ مَذْهَبًا لِقَائِلِهِ.. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ -وَإِنْ كَانَ غَالِبُهَا مُوَافِقًا لِأُصُولِ السُّنَّةِ- فَفِيهَا مَا إذَا خَالَفَهُ الْإِنْسَانُ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ، مِثْلَ أَوَّلِ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالنِّزَاعُ فِيهَا لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى أَنَّ اللَّذَّةَ الَّتِي يَعْقُبُهَا أَلَمٌ، هَلْ تُسَمَّى نِعْمَةً أَمْ لَا) ج3 ص386.

3 – (فَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها - قَدْ خَالَفَتْ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا، صلى الله عليه وسلم، رَأَى رَبَّهُ. قَالَتْ: "مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ –تَعَالَى- الْفِرْيَةَ". وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُبَدِّعُونَ الْمَانِعِينَ الَّذِينَ وَافَقُوا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ -رضي الله عنها- وَكَذَلِكَ أَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ الْأَمْوَاتُ يَسْمَعُونَ دُعَاءَ الْحَيِّ، لَمَّا قِيلَ لَهَا: إنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ". فَقَالَتْ: إنَّمَا قَالَ: "إنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الْآنَ أَنَّ مَا قُلْت لَهُمْ الحَقٌّ". وَمَعَ هَذَا فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ خَفْقَ النِّعَالِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ". صَحَّ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، الْأَحَادِيثِ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تَأَوَّلَتْ، وَاَللَّهُ يَرْضَى عَنْهَا. وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ نُقِلَ عَنْهُ فِي أَمْرِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا كَانَ بِرُوحِهِ. وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِ مُعَاوِيَةَ -رضي الله عنه- وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.

وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي "الْأَحْكَامِ"، فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْضَبِطَ وَلَوْ كَانَ كُلَّمَا اخْتَلَفَ مُسْلِمَانِ فِي شَيْءٍ تَهَاجَرَا، لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِصْمَةٌ وَلَا أُخُوَّةٌ، وَلَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -رضي الله عنهما- سَيِّدَا الْمُسْلِمِينَ يَتَنَازَعَانِ فِي أَشْيَاءَ لَا يَقْصِدَانِ إلَّا الْخَيْرَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ: "لَا يُصَلِّيَن أَحَدٌ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا نُصَلِّي إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ففَاتَهُمْ الْعَصْرُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَمْ يُرِدْ مِنَّا تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ، فَصَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدًا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْأَحْكَامِ فَمَا لَمْ  يَكُنْ مِنْ الْأُصُولِ الْمُهِمَّةِ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْأَحْكَامِ) ج24 ص172-174.

4- (وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْأَرْبَعَةُ فَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ تَارِكِهَا. وَنَحْنُ إذَا قُلْنَا: أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِالذَّنْبِ، فَإِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ الْمَعَاصِيَ كَالزِّنَا وَالشُّرْبِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْمَبَانِي: فَفِي تَكْفِيرِ تَارِكِهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ) ج7 ص198.

5- (وَكَذَلِكَ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْوُضُوءِ، خُرُوجِ الدَّمِ بِالْفِصَادِ، وَالْحِجَامَةِ وَالْجَرْحِ وَالرُّعَافِ، وَفِي "الْقَيْءِ" وَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَطُّ أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ أَصْحَابُهُ يَخْرُجُونَ فِي الْمَغَازِي فَيُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ، وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْوُضُوءِ "مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ" و "مَسِّ الْمَرْأَةِ لِشَهْوَةِ". إنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي: "الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ". و"مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ". إنَّ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ وَلَا يَجِبُ، فَمَنْ تَوَضَّأَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَلْ الْمَقْصُودُ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِهَا. وَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ كَالْجَدِّ وَالْمُشْرِكَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَفِي مَسَائِلِ زِيَارَاتِ الْقُبُورِ، مِنْهُمْ مِنْ كَرِهَهَا مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّهَا إذَا كَانَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ. وَتَنَازَعُوا فِي "السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم،". هَلْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ؟ أَوْ مُسْتَقْبِلَ الْحُجْرَةِ؟ وَهَلْ يَقِفُ بَعْدَ السَّلَامِ يَدْعُو لَهُ، أَمْ لَا؟ وَتَنَازَعُوا أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ أَفْضَلُ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَوْ مَسْجِدُ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم،) ج35 ص358-360.