هل الانتساب للمذاهب الفقهية يعد من الفرقة المذمومة ؟

تحدث ذات مرة أحد العلماء المشهورين ، فقال في معرض حديثه : ما الذي جرى للمسلمين ، قسّموا أنفسهم طوائف وجماعات ، فهذا حنبلي ، وهذا شافعي ، وهذا مالكي ، وهذا حنفي ، وهذا سلفي.. الخ . إن كان ولا بد من الانتماء ، فلماذا لا نقول : " محمدي " ، على اعتبار أنه صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة ، وخير من يٌنتسب إليه ! أو بالأحرى ، لم لا نقتصر على تسمية الله لنا ( هو سماكم المسلمين ) فما رأيكم في قوله ؟

الحمد لله

لا نوافق من يتحدث عن تفرق الأمة وتشرذمها ، فيضرب على ذلك مثالاً بالمذاهب الفقهية ،

وذلك لأسباب عديدة :

أولا :

كل انتساب يمكن أن يتحول إلى عامل تفرق وخلاف ، ويمكن أن يبقى في إطاره التعريفي أو الوصفي .

بل حتى الانتساب الشرعي ، الثابت في الكتاب والسنة النبوية ، يمكن أن يتحول إلى " دعوى جاهلية "، إذا ما أضفيت إليه نزعات التفرق والشقاق . كما وقع للصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، حين ( كَسَعَ [أي ضرب دبره] رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ . فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ! فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ ... دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) رواه البخاري (4905) ، ومسلم (2584) .

فالإنتان – على الأوصاف الشرعية - طارئ ، بسبب الاستعداد للفتنة ، والانتصار للنفس والفئة على الحق أو الباطل ، والتداعي للتعصب المطلق ، وغض الطرف عن ميزان الحق والعدل .

ثانيا :

ومن هنا : فإن الانتساب للمذاهب الفقهية ليس تفرقا في نفسه ، بل بفهمه الخاطئ الذي يمكن أن يقع فيه الأتباع ، بالتعصب للإمام ، والشقاق في المساجد ، والتحامل على المذاهب الأخرى ، وازدراء ما عندهم أو انتقاصه ، أو التعالي والاستطالة بسبب هذا الانتساب ، حينها تتحول النسبة المذهبية الفقهية إلى نسبة مذمومة ، وتفرق مشؤوم ، طالما وقع فيه بعض الأتباع عبر تاريخ المذاهب ، غير أن التيار الأعم الأغلب – بحمد الله – حافظ على وحدة الكلمة واجتماع القلوب والاستفادة من جميع فقهاء الإسلام .

ثالثا :

والسبب في سلامة الانتساب المذهبي الفقهي : هو أن المذاهب الأربعة ليست فرقا عقائدية ، انفصلت عن جسد الأمة بمقولة عقدية خاصة ، أو رؤية إيمانية شاذة ، وإنما هي مناهج مدرسية في فهم النصوص ، وتحديد العلاقات بينها ، واعتبار مصادر التشريع في الفقه ، ولا تخرج في شيء منها عن إطار " الاجتهاد " الذي هو رحمة الأمة وثراء شريعتها ، والذي أساسه الأول إقرار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام في اختلافهم في فهم نص كلامه في حياته ، كاختلافهم في فهم قوله صلى الله عليه وسلم : ( لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ) رواه البخاري (946) ، ومسلم (1770) ، واختلافهم في فهم قوله عليه الصلاة والسلام : ( ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ) رواه البخاري (114) ، ومسلم (1637) .

فلما لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من المختلفين في فهم هذه النصوص ، بل ولم يحسم اختلافهم بتعيين المصيب منهما دل ذلك على مشروعية هذه الممارسات الاجتهادية ، ما دامت ضمن مناهج الاستدلال المشروعة .

وإنما نشأت النسبة الاسمية : حنفي ، مالكي ، شافعي ، حنبلي ، لتسهيل التعبير عن المدرسة التي تلقى عنها الفقيه فقهه ، واختصار التطويل في وصف الأصول التي بني عليها هذا المنتسب آراءه الفقهية ، بأقصر عبارة ، لا تتجاوز الكلمة ، يعبر فيها عن " المدرسة " التي يأخذ عنها فقهه ، إلى حين بلوغ مرتبة الاجتهاد المطلق إن تيسر له ذلك .

وهذه المدارس الفقهية ترجع في أصولها إلى مدارس الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، التي عرفت واشتهرت في القرن الأول ، كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في " إعلام الموقعين عن رب العالمين " (1/ 17): " فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر . وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس . وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود ".

ويقول ولي الله الدهلوي :

" وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عنهم التابعون ، كل واحد ما تيسر له ، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة وعقلها ، وجمع المختلف على ما تيسر له ، ورجح بعض الأقوال على بعض ، فعند ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله ، وانتصب في كل بلد إمام مثل سعيد بن المسيب ، وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة ، وبعدهما الزهري والقاضي يحيى بن سعيد ، وربيعة بن عبد الرحمن فيها .

وعطاء بن أبي رباح بمكة .

وإبراهيم النخعي ، والشعبي ، بالكوفة .

والحسن البصري بالبصرة .

وطاوس بن كيسان باليمن .

ومكحول بالشام .

فأظمأ الله أكبادا إلى علومهم ، فرغبوا فيها ، وأخذوا عنهم الحديث وفتاوى الصحابة وأقاويلهم ، ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم ، واستفتى منهم المستفتون ، ودارت المسائل بينهم ورفعت إليهم الأقضية .

وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأمثالهما جمعوا أبواب الفقه أجمعها ، وكان لهم في كل باب أصول تلقوها من السلف .

وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه ، وأصل مذهبهم فتاوى عمر ، وعثمان وقضاياهما ، وفتاوى عبد الله بن عمر ، وعائشة ، وابن عباس ، وقضايا قضاة المدينة ، فجمعوا من ذلك ما يسره الله لهم ، ثم نظروا فيها نظر اعتبار وتفتيش

وكان إبراهيم وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقه .

وأبو حنيفة أصل مذهبه فتاوى عبد الله بن مسعود ، وقضايا علي رضي الله عنه وفتاواه ، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة ، فجمع من ذلك ما يسره الله ، ثم صنع في آثارهم كما صنع أهل المدينة في آثار أهل المدينة ، وخَرَّج كما خَرَّجوا ، فتلخص له مسائل الفقه في كل باب ، باب " انتهى باختصار من "الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف " (ص: 30-33) .

والمقصود من هذه النقول هو الكشف عن حقيقة المذاهب الفقهية ، وأنها امتداد لمذاهب الصحابة الكرام والتابعين ، وليست إحداثا في الإسلام ، ولا تفريقا للأمة ، إذا فهمت في حدودها المدرسية ، بمعنى أن تعد وسيلة للتعلم والتفقه والتعبد ، إلى حين بلوغ الاجتهاد .

أما إذا تطورت هذه النسبة ، حتى صارت فرقا وطوائف ، كل منها يتعصب لما عنده فرحا به ، ويوالي ويعادي الناس بناء عليه ، ويعتزل الأمة ، ويتنكر لفضل مجموعها ، اغترارا بهذه النسبة حينها يصبح هذا الانتساب محرما ، وسببا للذم والشؤم على الفرد والأمة جميعها .

يقول ابن قدامة رحمه الله :

" أما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين ، كالطوائف الأربع ، فليس بمذموم ، فإن الاختلاف في الفروع رحمة ، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم ، مثابون في اجتهادهم ، واختلافهم رحمة واسعة ، واتفاقهم حجة قاطعة " انتهى من " لمعة الاعتقاد " (ص/42) .

ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" الجماعات التي تؤدي إلى تفرق الكلمة ، واختلاف القلوب ، جماعات باطلة .

وأما الجماعات التي لا تؤدي إلى ذلك ، كاختلاف المسلمين في المذاهب ، فهذا مذهبه حنبلي ، وهذا شافعي ، وهذا مالكي ، وهذا حنفي ، فإنها لا تضر ، ما دامت القلوب لم تختلف " .

انتهى من " لقاء الباب المفتوح " (87/ 19، بترقيم الشاملة آليا) .

ويقول الشيخ صالح الفوزان :

" التمذهب بمذهب واحد من المذاهب الأربعة ، مذاهب أهل السنة الأربعة المعروفة ، التي بقيت وحفظت وحررت بين المسلمين ، والانتساب إلى مذهب منها ، لا مانع منه ، فيقال : فلان شافعي ، وفلان حنبلي ، وفلان حنفي ، وفلان مالكي .

ولا زال هذا اللقب موجودًا من قديم بين العلماء ، حتى كبار العلماء ، يقال : فلان حنبلي ، يقال مثلًا : ابن تيمية الحنبلي ، ابن القيم الحنبلي ، وما أشبه ذلك ، ولا حرج في ذلك ، فمجرد الانتساب إلى المذهب لا مانع منه ، لكن بشرط أن لا يتقيد بهذا المذهب فيأخذ كل ما فيه سواء كان حقًّا أو خطأً " انتهى من " مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان " (2/ 701) .

وقد سبق في موقعنا العديد من الفتاوى المهمة ، نبين فيها أن التسمي بـ " السلفية " لا يخرج عن التفصيل السابق ، وأنه إن أدى إلى إحداث الفرقة والنزاع ، وإيهام الانفراد والشذوذ عن الأمة وعقيدتها ، فالأولى حينئذ الاقتصار على اسم " الإسلام " الذي سمانا الله عز وجل به ، والله أعلم .

 

المفتى أو المستشار: 
الشيخ محمد صالح المنجد