شعار تنظيم الدولة " التعبد لله بتقبيل أقدام الولاة "

الدكتور : إبراهيم السكران
يقول المتحدث الرسمي لتنظيم الدولة في بيان رسمي يتلوه بصوته يتحدث فيه عن زعيمهم أبي بكر البغدادي: (وما أدراكم من أبو بكر؟! إن كنتم تتساءلون عنه فإنه حسيني قرشي من سلالة آل البيت الأطهار, عالمٌ عاملٌ عابدٌ مجاهد.., حري به أن يُتقرّب إلى الله بالغسل عن قدميه، وتقبيلها، ودعوته أمير المؤمنين, وفدائه بالمال والنفس والولد, والله على ما شهدت شهيد)[أبو محمد العدناني، بيان بعنوان: إن دولة الإسلام باقية، مؤسسة الفرقان، الدقيقة: 49] .

الحمد لله وبعد،،

من أصول عقيدة أهل السنة المشهورة والتي ضمّنها أئمة السلف في عقائدهم "طاعة ولاة بالأمر بالمعروف" و "عدم الخروج فيما دون الكفر البواح"، وهي مبنية على نصوص قرآنية ونبوية معروفة، والمؤمن الصادق يضع هذه النصوص فوق رأسه وبين عينيه، ولا يجد في نفسه حرجاً منها، وفي لحظة تاريخية معينة ظهرت كتلة من المنتسبين للعلم زادت في معاني نصوص الطاعة فوق القدر الشرعي، وصاروا يستعملون التشهير والتقريع لأي عالم أو داعية مستقل يظهر شيئاً من النقد الموضوعي للواقع السياسي.

هذه ظاهرة معروفة بين المعنيين بالعلم والدعوة، ثم بعد شبكات التواصل أصبحت ظاهرة يعرفها غير المتخصصين، لكن ظهر لها ممثلون جدد خلاف الرموز التقليديين لهذه الكتلة، ويطلق الناس عليها ألقاباً متعددة نسبة لبعض رواد الظاهرة، ويظهر لي أن من الأوصاف الموضوعية لهم وصف "غلاة الطاعة".

وكان بعض طلاب العلم يناقشون هذه الكتلة بذكر نصوص بعض السلف الذين سلكوا مسلك الاستقلال والنقد الموضوعي المشاع للولاة، وجنس هذه الأخبار مجموعٌ بعضها في رسالة "أخبار الشيوخ" للإمام المرّوذي (ت 275هـ).

على أية حال، هذا مشهد إجمالي لمرحلة سابقة، احتجنا الإشارة إليه تمهيداً لفهم سياقات جديدة، حيث أنه في أبريل 2013م طفت على سطح شبكات التواصل ظاهرة جديدة، وهي ظاهرة "المناصرين لتنظيم الدولة".

ومنذ ذلك التاريخ بدأت تقع تعديات وعجرفات تنظيم الدولة بشكل متتابع، قتلت القائد الفلاني في الفصيل الفلاني، سلبت ممتلكات معينة، نفذت مجزرة في قبيلة مجاورة، وضعت يدها على منطقة محررة وقتلت من قاومها، ماطلت في تسليم قاتل معين..

وهكذا في سلسلة تجاوزات متوالية، وكان بعض المراقبين ينظر لهذه الشريحة المتصدرة لمناصرة التنظيم ويستغرب جداً أنها جاهزة للدفاع عن أي موقف لتنظيم الدولة، أي موقف، إما بإنكار وقوعه أصلاً، أو بالإقرار بوقوعه لكن بالتعسف في تأويله.

بل ذكر لي بعض الأصدقاء أن هناك عدداً من الشخصيات المعروفة ممن كانت متصدرة لتناصر التنظيم في تلك الحقبة، وأنه كان يقفز لمعرِّفها بعد كل حدث ويتفاجأ كل مرة أنه لا يسلِّم بالخطأ، ولا في مرة واحدة، فالتنظيم دوماً على حق!

وبدأ بعض المتابعين يطرح قياساً جديداً، وهو أنه يبدو أننا أمام ظاهرة "غلاة طاعة جدد"، نفس الأسلوب في تقديس السلطان، لكن مع اختلاف اسم الزعيم فقط.

في بدايات تلك الحقبة كان الخطاب الرسمي لتنظيم الدولة يُظهِر أنه لا يُكفِّر المخالفين ولا الجماعات المجاهدة، ثم بعد ذلك بدأ يكشف عقيدته الحقيقية في نصوصه الرسمية في الحكم بردّة الجماعات الجهادية في العالم، والحركات الدعوية التي تشارك في الإصلاح السياسي عبر العمل البرلماني، والعلماء المنخرطين في مؤسسات النظم السياسية العربية المعاصرة، وعوام المسلمين العاملين في المؤسسات المعينة للنظم السياسة المعاصرة، وتنفيذ مقتضى وموجب ذلك فعلاً، باستحلال الدماء والأموال، والفتوى بطلاق نساء المجاهدين والعلماء في العالم لردة أزواجهن، ووصيتهن بالهجرة لتنظيم الدولة، وقد سبق عرض شواهد ذلك في ورقة (منزلة المجاهدين عند تنظيم الدولة).

ثم بدأ التفجير في المساجد في بلاد الحرمين تحت ذرائع متنوعة، وقتل شاب لخاله الذي رعاه، وكانت هذه اللحظة محلياًوبصراحة- لحظة فارقة كلياً في الموقف الشعبي الغاضب تجاه التنظيم، وفي هذه اللحظة لا أحصي كم سمعت شخصاً يتساءل:

ما هذا المستوى من الخنوع والرضوخ عند هؤلاء المنتمين للتنظيم لدرجة أنه يطيع زعيماً يأمره أن يقتل نفسه في مسجد أو يقتل خاله الذي آواه وعاله؟!

هذه العناصر للمشهد السابق تقودنا إلى التفكير الجاد في نمط التربية الحزبية لدى تنظيم الدولة، وأن "الغلو في طاعة القيادات" والاستكانة لها والتذلل بين يديها واعتبارها ميزان الحقيقة ومعيار الصواب؛ مكون رئيس في صياغة تفكير الأعضاء.

ودعني أصارحك أيضاً، فقد كنت أظن أن هذا النمط في إلغاء شخصية الأفراد وسحق استقلالهم وتربية التصاغر والانصياع في نفوسهم وتحويلهم إلى كائنات مُنفِّذة في الواقع ومحامية على الشبكات فقط؛ كنت أظنه توجيهات داخلية للتربية الحزبية غير علنية، ثم لما درست وثائق التنظيم وجدتهم يعلنون بكل وضوح جزءاً من هذه المبادئ، وفسرت لي هذه الإعلانات جزءاً كبير من سلوكيات محامي التنظيم الشبكيين.

والأمر المفاجئ هاهنا فيما يخصني، ليس أن هذا التنظيم لديه غلو في طاعة الولاة شبيه بما كنا نراه من غلاة الطاعة في بعض الحكومات المعاصرة، بل الذي فاجأني حقاً أن تنظيم الدولة وصل إلى مستوى علني فاق فيه كل الحكومات المعاصرة في تربية الإذعان والخنوع في أفراد التنظيم ومناصريه.

 تخيل معي مثلاً إلى ماذا يمكن أن يصل التخاشع والصغار عند كل المنتسبين لغلو الطاعة في الحكومات المعاصرة اليوم؟ ما هو أقصى مستوى من التذلل رأيتَه؟

هل ستقول لي: منع نقد الرئيس؟ أم تكلف شرعنة قراراته؟ أم الإسراف في إطرائه ومديحه؟ أم مخاطبته بعبارات الاستخذاء؟ أم تقبيل يده؟ أم ماذا؟

كل هذه المظاهر تجاوزها تنظيم الدولة، نعم أنا جاد فيما أقول، هل تتذكر كيف كنت تشمئز حين ترى رجلاً من أهل الشرف والعلم ينحني لتقبيل يد مسؤول؟ أتتذكر كيف كنت تتقزز من هذا المشهد؟ حسناً اقرأ ماذا يقول المتحدث الرسمي لتنظيم الدولة في بيان رسمي يتلوه بصوته يتحدث فيه عن زعيمهم أبي بكر البغدادي:

(وما أدراكم من أبو بكر؟! إن كنتم تتساءلون عنه فإنه حسيني قرشي من سلالة آل البيت الأطهار, عالمٌ عاملٌ عابدٌ مجاهد.., حري به أن يُتقرّب إلى الله بالغسل عن قدميه، وتقبيلها، ودعوته أمير المؤمنين, وفدائه بالمال والنفس والولد, والله على ما شهدت شهيد)[أبو محمد العدناني، بيان بعنوان: إن دولة الإسلام باقية، مؤسسة الفرقان، الدقيقة: 49] .

هكذا إذن: "التقرب إلى الله بغسل قدمي البغدادي من الأقذار ثم تقبيلها"!

وخطر في ظني أول ما سمعتها في بيان التنظيم أنها عبارة واحدة مرّت وأن أتباع التنظيم سيرفضونها حتماً ويرون فيها إراقةً لكرامتهم، ثم غمرتني الدهشة حين رأيت أحد الشخصيات المناصرة لهم كتب رسالة مشهورة في تقرير وجوب مبايعة زعيمهم اسمها (مد الأيادي لبيعة البغدادي) ويذكر أهل الخبرة أنها لأحد شرعييهم المعروفين من أهل البحرين، وجعل الرسالة على ثلاثة محاور، المحور الأول منها هو في عرض ما سمّاه (مناقب البغدادي)، وذكر في ثنايا هذه المناقب ذات العبارة التي قالها العدناني  في تعظيم البغدادي:

(حري به أن يُتقرّب إلى الله بالغسل عن قدميه، وتقبيلها..، وفدائه بالمال والنفس والولد)[همام الأثري، مد الأيادي لبيعة البغدادي، ص9].

حين أخذت أتأمل هذه "العبادة والقُربة" في البيان الرسمي لتنظيم الدولة تذكرت عبارة علقت بذهني مذ قرأتها قبل سنوات طويلة للإمام الحافظ سليمان بن حرب (ت224هـ) وهو شيخ البخاري وأبي داود وطبقتهم، وقد أكثر عنه البخاري في صحيحه، وهو قاضي مكة في زمنه، حيث أن من المسائل المشهورة في الفقه مسألة "حكم تقبيل يد أهل الفضل" وأكثر أهل العلم على جوازها بقيود يذكرونها كأن لا يمد يده للناس وأن لا يتخذ عادة وأن لا ينحني من يقبلها ونحوه، وتلاحظ في هذه القيود قصد الفقهاء إلى سد ذريعة المغالاة في التعظيم، وفيها آثار كثيرة جمعها الحافظ ابن المقرئ في جزء مطبوع، وكان الإمام مالك ينهى عنها، أما الإمام سليمان بن حرب فقال عبارة لافتة في صياغتها، حيث قال:

(تقبيل يد الرجل: السجدة الصغرى)[المرّوذي، الورع، ت الزهيري، مكتبة المعارف، ص148].   

وأظن هذه العبارة للإمام سليمان بن حرب هي التي عناها الإمام ابن عبد البر في قوله "كان يقال تقبيل اليد إحدى السجدتين"، وأما النبي صلى الله عليه وسلم والوالدان فيذكر لهما أهل العلم اختصاصات في تقبيل اليد والرجل لعظم حقهم.

وليس المقام هنا مقام ترجيح فقهي في هذه المسألة الفروعية، ولكنه مقام اعتبار بتعليلات الأئمة في مطاوي هذه المسائل، فانظر كيف تحرز الإمام سليمان بن حرب من تقبيل الأيدي سداً لذريعة الغلو في التعظيم حتى رأى فيها خضوعاً زائداً فسماها "السجدة الصغرى"، فكيف لو رأى الإمام سليمانُ بن حرب المتحدثَ الرسمي لتنظيم الدولة وهو يعلن لأتباع التنظيم وللناس أن صاحبهم البغدادي ممن يتقرب إلى الله "بغسل رجليه وتقبيلها"! أي هوان وخضوع سيراه الإمام سليمان بن حرب في هذا؟! وإذا كان سمى تقبيل اليد "السجدة الصغرى" فماذا سيسمي "التعبد لله بغسل أقدام الأمير وتقبيلها"؟!

حين قرأت هذه العبارة "حريٌ أن يُتقرّب إلى الله بالغسل عن قدمي البغدادي، وتقبيلها" خطر في ذهني صورة أبي بكر البغدادي وهو متشح بالسواد يخطب في ذلك المقطع المعروف الذي بثه تنظيم الدولة، فأخذت أتذكر الدماء التي أزهقها وأقول في نفسي: يا الله .. هذا هو الرجل الذي يعتقدون أنه من التقرب إلى الله "غسل أقدامه من الأوساخ وتقبيلها" ؟! الحمد لله على عزة الإسلام والسنة..

ولا أعلم أحداً من أئمة السلف ثبت عنه أنه سوّغ "تقبيل أقدام السلاطين" فضلاً عن هذه الصورة المركبة التي فيها مزيد إمعان في الاستخذاء في جمع ذل التنظيف وغسل القدم، مع ذل إنزال الوجه والتقبيل، مع الإطراء والرفع فوق المنزلة، مع أن أهل العلم إنما يتحدثون أصلاً في مثل هذه السياقات عن "أئمة العدل والتقوى" فكيف بزعماء الجور الذين شهد جماهير المسلمين الذين هم شهداء الله في أرضه على خوضهم في الدماء والمظالم؟

نعم، جاءت آثار في تقبيل الصحابة قدم النبي صلى الله عليه وسلم وعامتها معلول متكلم فيه، كحديث زارع بن عامر وحديث بريدة، وسيدي رسول الله يستحق هذا وأعظم منه، وفي الباب قول هرقل ملك الروم كما في البخاري (فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه) ولكن ومع ذلك كله، وحتى لو سلمنا جدلاً بثبوت بعض هذه الآثار؛ فإني أستبعد جداً أن يجترئ هؤلاء بالقول أن ما روي مما فعلته الصحابة من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم فإنا نفعل نظيره في تعظيم البغدادي.

وفي بعض كتب الفقه المتأخرة توسع في جنس هذه المسائل دخلت عليهم من جهة التوسع الصوفي في تقبيل الصالحين والتبرك بهم ولها نظائر في كتب الفروع المتأخرة.

والمراد أن قول تنظيم الدولة في بيان رسمي أن زعيمهم البغدادي "حري أن يُتقرّب إلى الله بالغسل عن قدميه، وتقبيلها" يفسِّر المشهد الذي رآه الناس من خنوع مناصريهم واستعدادهم المستمر للدفاع عن أي موقف للتنظيم، ويفسرأيضاً- ما رآه الناس من رضوخ جنودهم لتنفيذ أي عملية تفجير أو انتحار مهما بلغت شناعتها في انتهاك الشرع.

فما دام الغلو في الاستسلام للبغدادي انتهى عندهم إلى التقرب لله بشطف ورحض قدمي البغدادي والهوي بالشفتين لطبع القبلة عليها، فمن المؤكد أن العقل الذي بلغ قبول ذلك سيكون قد علّق خاصة النظر والتعقل مسبقاً.

كيف يقبل البغدادي أن يعلن تنظيمه في بيان رسمي يدعوا أتباعَه لاعتقاد "التقرب لله بغسل قدمي البغدادي وتقبيلها"؟ والله يقول (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ).. وقال سبحانه (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ).. كيف يقبل البغدادي مثل هذا وهو أول من يعلم كذب هذه الهالات المناقبية التي نسبت له في البيان الرسمي والله يقول {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.. وهل هذا خطاب من يجاهد لتكون "كلمة الله هي العليا"، أم هذا خطاب من يقاتل لتكون "كلمة الزعيم هي العليا"؟

ومثل هذه النفوس المشحونة بروح التعاظم والتيه يعاقبها الله بأمور من أعظمها أن يحول بينها وبين الانتفاع بالحجج والأدلة والبينات كما قال الله (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ).. ولذلك يلاحظ الناس أن الزعماء المتغطرسين من أقل الناس انتفاعاً بالنصائح والعظات..

ويمكن أن يكون في هذا تفسير يجيب عن استغراب المعنيين بالشأن الشامي أيام بداية النزاع بين تنظيم الدولة والفصائل، حيث أن كل من سعى للإصلاح والمناصحة تلك الأيام انتهى إلى خيبة الأمل بسبب عجرفة تنظيم الدولة وتصعيره الخد لأي ناصح مهما بذل وضحّى.. فمن المحتمل أن يكون هذا من العقوبة الإلهية لزعماء التنظيم التي قال الله فيها (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)..

وربما لاحظ القارئأيضاً- في نص البيان السابق ذكرهم الفداء بالنفس والولد لزعيمهم البغدادي (حري به أن يُتقرّب إلى الله بالغسل عن قدميه، وتقبيلها، وفدائه بالمال والنفس والولد). أي أن أتباع تنظيم البغدادي يُوجّهون إلى اعتقاد التقرب إلى الله بفداء البغدادي بأنفسهم وأولادهم، فيُوجّهون لاعتقاد التعبد لله بتعريض أولادهم للقتل صيانة لسلامة البغدادي.

ومن الطريف أن تنظيم الدولة في تفخيمهم للبغدادي يقتبسون ذات الأساليب الإعلامية التطبيلية في الدول المستبدة المعاصرة، وقد مرّ بي نماذج لذلك:

فمثلاً تجد في اللغة الإعلامية التطبيلية في الدول المستبدة المعاصرة كثرة ذكر الجولة التفقدية للرئيس وأنه يسأل عن تفاصيل احتياجات المواطنين ونحو ذلك، وهكذا يقول تنظيم الدولة عن البغدادي:

(وكذلك دأب الخليفة حيث يتأكد من أن كل احتياجات المسلمين يتم مراعاتها قدر الإمكان حتى في وسط الحرب الشرسة من قِبَل الصليبيين)[مجلة دابق، العدد 4، ذو الحجة، 1435هـ، ص27]

وهذا نموذج آخر أيضاً: تجد في اللغة الإعلامية للدول المستبدة أنهم يعرضون أحد المشروعات ثم يذكرون في ثنايا العرض أن الفكرة فكرة سموه وسيادته! وهكذا في تقرير خاص عرض تنظيم الدولة لمشروع لديهم وهو التخلص من العملة "الورقية" وسك عملات "معدنية"، مشيرين إلى مشروع سك العملات المعدنية في عهد عبد الملك بن مروان، وعلى طريقة الإعلام التقليدي ذكروا أن الفكرة فكرة سيادة الرئيس! كما يقول التنظيم في التقرير:

(في محاولة لتخليص الأمة من الفساد والنظام المالي العالمي القائم على الربا الفاسد، فإن الدولة الإسلامية أعلنت عن سك نظام نقدي جديد مبني على القيمة الذاتية للذهب والفضة والنحاس..، هذه المبادرة تم طرحها من قِبل أمير المؤمنين الخليفة إبراهيم بن عواد القرشي، الذي كلّف بيت المال بدراسة المسألة وتقديم مقترح متكامل عن تنفيذها..)[مجلة دابق، العدد الخامس، محرم، 1436هـ،ص18]

ثم عرضوا صور التصاميم للعملات المعدنية التي سيصدرونها والرسومات الرمزية عليها، فأحد العملات عليها صورة رمح ودرع، وعملة أخرى عليها صورة سنابل، وهكذا، وشرحوا الرسالة المستهدفة من كل صورة رمزية، كقولهم (منها صورة لسبع سنبلات لتعبر عن بركة الصدقة، ومنها رمح ودرع يعبّران عن الأرزاق المتحصلة من الجهاد..)[المصدر السابق].

والمراد أن وجه الشاهد هنا هو اقتباسهم أسلوب الإعلام الرسمي في عرض المشروعات الحكومية وأنها أفكار صاحب السمو وسيادة الرئيس " هذه المبادرة تم طرحها من قِبل أمير المؤمنين الخليفة".

ولا يزال السؤال هاهنا قائماً وهو: كيف يتمكن تنظيم الدولة من صناعة الإذعان في أتباعه؟ وما تفسير هذا الانصياع لدى جنوده المقاتلين ومحاميه الشبكيين؟

والجواب أن علماء السلوك الإسلامي قدموا تحليلات مُعمّقة لكيفية تخلُّق الاستسلام في البشر، وخلاصته: "أن الإذعان في جوهره حال قلبي للتابع وهو فرع عن اعتقاد الكمال في المتبوع، سواءً كان كمالاً حقيقياً أم وهمياً"، كما يشرح ذلك أبو حامد الغزالي بعبارات خلابة يستكشف بها مجاهل النفوس فيقول:

(ولا تصير القلوب مُسَخَّرةً إلا بالمعارف والاعتقادات، فكل من اعتقد القلب فيه وصفاً من أوصاف الكمال انقاد له وتَسخَّر له بحسب قوة اعتقاد القلب، وبحسب درجة ذلك الكمال عنده، وليس يشترط أن يكون الوصف كمالاً في نفسه، بل يكفي أن يكون كمالا عنده وفي اعتقاده، وقد يعتقد ما ليس كمالاً كمالاً، فإن انقياد القلب حال للقلب، وأحوال القلوب تابعة لاعتقادات القلوب وعلومها وتخيلاتها)[الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الخير، ص4/62].

ثم تظهر آثار هذا الإذعان والتسخير على التابع كما يشرح ذلك أبو حامد أيضاً:

(وله ثمرات: كالمدح والإطراء، فإن المُعتقِد للكمال لا يسكت عن ذكر ما يعتقده فيثني عليه، وكالخدمة والإعانة فإنه لا يبخل ببذل نفسه في طاعته بقدر اعتقاده فيكون سُخْرةً له مثل العبد في أغراضه، وترك المنازعة والتعظيم..)[المصدر السابق، ص4/63].

ولأجل تحقيق ذلك فإنك تجد تنظيم الدولة يشحن أفراده بذكر صفات الكمال في أبي بكر البغدادي لصناعة الهالة في نفوسهم بحيث تنتهي إلى إذعانهم وتسخيرهم، وهذا له نماذج:

فمن ذلك أن البيان الرسمي السابق الذي ذكر فيه التنظيم "التقرب لله بغسل قدمي البغدادي وتقبيلها" ذكر فيه في موضع واحد فقط أكثر (17) صفة ومنقبة عظيمة تفخيمية للبغدادي وهي (العلم، العمل، العبادة، الجهاد، العقيدة، الجلد، الإقدام، الطموح، الحلم، العدل، الرشد، التواضع، الذكاء، الدهاء، الإصرار، الصبر، النسب القرشي..)

كما يقول البيان الرسمي للتنظيم:

(وما أدراكم من أبو بكر؟! إن كنتم تتساءلون عنه فإنه: حسيني قرشي من سلالة آل البيت الأطهار, عالمٌ عاملٌ عابدٌ مجاهد, رأيت فيه عقيدة وجلد وإقدام وطموح أبي مصعب, مع حلم وعدل ورشد وتواضع أبي عمر, مع ذكاء ودهاء وإصرار وصبر أبي حمزة, وقد عركته المحن وصقلته الفتن، في ثماني سنين جهادٍ يستقي من تلك البحار، حتى غدا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب, حري به أن يُتقرّب إلى الله بالغسل عن قدميه وتقبيلها، ودعوته أمير المؤمنين, وفدائه بالمال والنفس والولد, والله على ما شهدت شهيد..، وإني لأحسب أنّ الله عز وجل قد اختاره وحفظه وادّخره لهذه الأيام العصيبة, فهنيئًا لكم يا أبناء الدولة بأبي بكر)[أبو محمد العدناني، بيان بعنوان: إن دولة الإسلام باقية، مؤسسة الفرقان، الدقيقة: 49].

تلاحظ هنا كيف سرد صفات الكمال التي تتجاوز سبع عشرة منقبة، وأنها تفرقت في غيره وتكاملت فيه، كل ذلك تمهيداً ليقول "حري أن يتقرب لله بغسل قدميه وتقبيلها"، ثم اعتبر أن الله جل جلاله أكرم هذه الأمة بهذا الرجل الخارق بصفات كماله في هذا التوقيت، بما يستحق أن يرسل التهاني للأتباع بهذه النعمة، باعتباره البغدادي "ادخار إلهي" لهذه الأمة في هذا التوقيت.

والحقيقة أن المتابع الموضوعي إذا رأى هذه الصورة المركية، وهي: أن يُغذَّى خيال الأتباع باعتقاد هذه الكمالات المعجزة في زعيمهم، والتي تفرقت في الناس واجتمعت فيه، والإطراء والرفع فوق المنزلة، ثم يُوجّهون إلى اعتقاد التقرب لله بغسل قدميه وتقبيلها؛ فإنه من المحتمل أن يكون هذا دخول فيما يسميه أهل العلم "ذرائع الشرك".

والإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب من عنايته بهذه القاعدة "سد ذرائع الشرك" عقد لها بابين في كتاب التوحيد، (باب حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك) و (باب حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك)، وزاد على ذلك أن أشار لهذه القاعدة مراراً في مسائل الأبواب التي يذيّلها بها، وقال بعض علماء الدعوة (وسد الذرائع الشركية: من أكبر المقاصد الإسلامية، وقد ترجم شيخنا في كتاب التوحيد لهذه القاعدة، فرحمه الله من إمام ما أفقهه)[الدرر السنية، ص8/314].

ومما يقرب الأمر ويسوّغ احتمالية دخول هذا السلوك في باب ذرائع الشرك الحديث الذي روي عن أنس وفيه حنظلة واستشهد به أبو العباس ابن تيمية حيث قال (أما تقبيل الأرض، ورفع الرأس، ونحو ذلك مما فيه السجود، مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك: فلا يجوز، بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضاً، كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا)[مجموع الفتاوى، ص1/372].

ومن الإشكالات التي يطرحها فهم النماذج الفكرية أن يقال: من المعلوم أن اتجاهات الغلو في الدماء يغلب عليها نزعة الحرورية أما اتجاهات الغلو في طاعة السلطان فيغلب عليها نزعة الإرجاء، فكيف اجتمع هاهنا الغلو الحروري في الدماء، مع الغلو الإرجائي في طاعة السلطان؟

فالجواب أن هذا التناقض في التكوين العقدي قد يوجد في جبابرة الجور، لأنهم يريدون توظيف مكتسبات البدعتين كليهما، فيستثمرون بدعة الحرورية لإبادة المخالف، ويستثمرون بدعة الإرجاء للغلو في السلطان، ومن شواهد ذلك أن الحجاج بن يوسف كان يسرف في قتل المناوئين ويغلو في طاعة السلطان، وكما في مسائل الإمام أحمد أن سعيد بن جبير سئل عنه (قال مالك بن دينار: سألت سعيد بن جبير وهو في المسجد الحرام: يا أبا عبد الله ما أميركم هذا؟ قال: يفسّر القرآن تفسيراً أزرقياً في طاعة شامية، يعني الحجاج)[مسائل الإمام أحمد رواية صالح، ت فضل محمد، الدار العلمية بالهند، ص2/418]

وهذا من بديع دقة نظر الإمام سعيد بن جبير حين نظر للصورة المركبة من البدع في الخطاب الواحد، وقوله "تفسير أزرقي" نسبة إلى الأزارقة أحد أشهر طوائف الخوارج، وقوله "طاعة شامية" أي يغلو في طاعة السلطان، حيث كان السلف يسمون الغلو في طاعة الولاة "الطاعة الشامية"، لأنها ظهرت أول ما ظهرت من جهة الشام في عهد بعض بني أمية، كما قال الإمام ابن تيمية (ولهذا تجد في كلام كثير من كبارهم الأمر بطاعة ولي الأمر مطلقاً، وأن من أطاعه فقد أطاع الله، ولهذا كان يضرب بهم المثل يقال "طاعة شامية")[ابن تيمية، منهاج السنة، ص6/431].

ومن أهم المناقب والمفاخر والخوارق التي ينسبها التنظيم لزعيمهم أبي بكر البغدادي، ويستعملونها لتحقيق عدة أغراض: لتربية الخنوع في الأتباع، ولاستئصال المنافس الجهادي، واستقطاب الجمهور البسيط؛ هو ما يمكن تسميته "أسطورة الانفراد بالتحكيم الكامل للشريعة".

فيصوّرون لأتباعهم بشكل مستمر وبصيغ متنوعة ويكثرون من الطرق عليه: أن الأمة بعلمائها ومجاهديها ودعاتها وعامتها أطبقوا على الحكم بالطواغيت، وأن أبا بكر البغدادي انفرد بالتحكيم "الكامل" للشريعة، وأن الناس تواطؤوا ضده كرهاً له لأنه حكّم الشريعة "كاملة".

وبسبب تشرّب جنود التنظيم ومحاميه الشبكيين لهذا الاعتقاد في متبوعهم أصبحوا مُسخّرين له لاعتقادهم هذا الكمال الوهمي فيه لأن أحوال القلوب تبع لاعتقاداتها كما سبقت الإشارة.

وهذه القضية، أعني "أسطورة التحكيم الكامل للشريعة" من أخطر الاعتقادات الوهمية لدى أتباع التنظيم، ولذلك سنعالجها في الفقرة القادمة.

 

 

 

-