ترجمة العلامة محمد بن يوسف الدمشقي من أعلام المالكية في بلاد الشام.

هذه ترجمة لعلم من أعلام الفقه المالكي في بلاد الشام والذين تقل الكتابة عنهم ،وهو محمد بن يوسف التونسي مولدا الدمشقي توطنا، ولد سنة 1278هـ بتونس وتوفي سنة 1380هـ بدمشق عن عمر 102 من السنين رحمه الله تعالى

يتصل نسبه بعلي كرم الله وجهه ورضي عنه.

حفظ القرآن الكريم وهو صغير وأخذ الطريقة الخلوتية على محمد بن محمود الجبيناتي الذي نصحه بطلب العلم فسافر إلى بلد الوردانين على الساحل التونسي قرب سوسة فبدأ طلب العلم وهو ابن 27 سنة فقرأ الآجرومية وبدأ الفقه على الحبيب البكوش وبقي هناك سنتين ثم سافر يريد الأزهر سنة 1306هـ حيث غادر صفاقس إلى طرابلس الغرب ثم إلى بنغازي والتي مكث فيها خمسة عشر يوما تقريبا حيث أبطأت سفينة الإسكندرية قرأ خلال هذه الفترة على بدر الدين الفليتي حاشية البيجوري على صغرى السنوسي وشرح الشرقاوي على حكم ابن عطاء الله وتوجه إلى بيروت ثم إلى دمشق حيث أبطأت سفينة الإسكندرية فنزل في دمشق بخان المغاربة ولقي الشيخ الطيب شيخ الشاذلية ثم غادر إلى النبك ثم إلى حمص حيث نزل بزاوية السعداوي فمكث شهرا ونصفا لا يفارق الشيخ إلا في أوقات الضرورة ثم غادر إلى طرابلس الشام ثم إلى بيروت فيافا فالرملة

ولما وصل إلى بيت المقدس نزل في رواق المغاربة الخصص بمن يحفظ القرآن من المغاربة

وزار الخليل وبيت لحم والمزارات وبعد مدة رجع إلى يافا فاستقل سفينة إلى بورسعيد فالإسماعيلية فالقاهرة ووافى الأزهر 1307هـ نازلا في رواق المغاربة بعدما امتحنوه وقيد ا سمه في دفتر الطلاب نقيب الرواق !

وسافر بعد سنة للحج والزيارة بقي في الأزهر عشر سنين

قرأ خلالها على علماء كثيرين منهم : الشيخ خطاب وأجازه والشيخ سليم البشري والجيزاوي وخلف الحسيني وحسن داود الصعيدي والشيخ محمد حسنين الصعيدي وغيرهم

وغادره إلى صفاقس ودرّس بمدرسة سوق الجمعة وانتفع به كثيرون ثم تطوف في بلاد المغرب ثم سافر إلى الآستانة فلقي الشيخ أبا الهدى الصيادي ثم تردد بين مصر وبيروت حتى وقت الحج فسافر وزار المدينة المنورة ودرّس فيها ونفع ثم غادرها إلى دمشق فستأجر بيتا بحي العقيبة واتصل بعلماء دمشق واشتغل بالتدريس في الجامع الأموي للفقه المالكي

وترجمه الشيخ علي الطنطاوي فكان مما قال فيه :

شيخ من تونس هبط دمشق مع هبوط السلام بعد الحرب العامة الأولى وكان الذين صاحبوه وعاشروه والدي وأعمامي لقد خلطوه بأنفسهم حتى غدا كأنه واحد منهم ولم يكن عجيبا أن يتصادق تونسي وسوري فإن هذه الحدود لم تكن قد ظهرت ولقد كان عندنا مدرسون من تونس والجزائر ومن طرابلس الغرب التي صار يقال لها ليبيا وكان اسمها قديما ليبية .....

الشيخ الكافي الذي أتكلم عنه مفرد في بابته فهو فقيه مالكي متمكن من المذهب وهو مقلد شديد التقليد وما هذا الذي يميزه فما أكثر الفقهاء المقلدين في ذلك الزمان ولكن ميزته أنه يعيش كما يريد لم تكن له وظيفة أي راتب إداري يداري رؤساءه لئلا يضار في وظيفته ولم يكن من أهل السياسة ليرضي العامة ويتألف الجماهير استبقاء لزعامته ولا من أهل السوق فهو يساير الناس لئلا ينفض زبائنه ويبتعد عنه عملاؤه وما عرفته احتاج لأحد فهو يرعى خاطره لئلا يتغير عليه كان يعيش من مورد له في تونس يأتيه منه مال يكفيه ويعيش منه وأحسبه موردا زراعيا لأنه كان في بعض السنوات يبيع زيت الزيتون التونسي لمن يحب أن يتناوله

خبرني قبل موته بعشرة أيام أنه دخل المائة الثانية من عمره ..... عاش هذا العمر كله ولم يتزوج تخلص من قيود الزواج كما تنصل من روابط الوظيفة والمجاملات الاجتماعية

قال وكانت له أجوبة عجيبة : نام في بيت عمي ليلة فسأله في الصباح عن مبيته فقال إن الفراش صالح لنوم الشتاء

فلم نفهم حتى بين لنا فإذا هو فراش صغير فإذا نام المرء في الشتاء ضم جسده فاتسع له فإذا نام في الصيف ضاق عليه

وكنا مرة نمشي في جنازة فسأله رجل عن المتوفِّي بكسر الفاء فقال المتوفِّي الله فحسبه يكفر وهم بجمع الناس عليه فشرحنا له أن الله هو الذي يتوفى الأنفس حين موتها وهذا الميت يقال له المتوفَّى بفتح الفاء

قال وكان يمنع القيام لاستقبال القادم ولقد كان يوما مع والدي في جماعة من العلماء والفضلاء فدخل مراقب الأوقاف وكان إليه أيام الانتداب الفرنسي الإشراف على أوقاف سورية ولبنان فكان أكبر من وزير فقاموا يستقبلونه وبقي هو قاعدا

وكان ينكر على أرباب طرق الصوفية حتى إنه كان في تونس في يوم يجتمع فيه الصوفية بمناسبة لهم ينشدون الأناشيد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بألحان أهل الغناء الممطوطة والتي تحرف الكلام عن مواضعه وربما غيرت الكلام عن معناه فلما مروا به خرج عليهم بتلاميذه ومعهم عصي الخيزران ففرق جمعهم وأفسد نظام سيرهم فأخذته الشرطة إلى والي البلد ،فلما دخل عليه قال له بالنغمة التي كانوا ينشدون بها : السلام على على عليكم عليكم كم كم ما أح ما أح ما أحلى عيونك وما أبهى جبينك يا سيد الملاح لاح .

فغضب الوالي فقال ما هذا أنت مجنون ؟ أهكذا يخاطب الولاة ؟ قال هل الوالي أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الوالي معاذ الله وأين أنا من رسول الله قال إذا غضبت لأني سلمت عليك بهذا النغم وتغزلت فيك هذا الغزل فكيف تدعهم يوجهون هذا إلى مقام سيد البشر وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ؟

قال الوالي : الحق معك

ومن مظاهر كرمه رحمه الله وزهده في الفانية

ما قال علي الطنطاوي عنه :

وقع الشيخ وقعة انكسر فيها ظهره وقرر الأطباء أنه لا شفاء له وأن عليه أن يبقى مثبتا بالكرسي ما بقي له من أيام وقامت الحرب العامة الثانية وانقطع ما بيننا وبين تونس فلم يعد يرد عليه ما كان يرد من مال ففكرت أنا وابن عمي سامي رحمه الله في شيء نقدمه له فلم نقدر إلا على أربع ليرات ذهبية إنجليزية وذهبنا إليه ولكن حرنا كيف نقدمها له ؟

فجعلت أمهد بكلام طويل .... فأحس الشيخ فقال وهو يضحك قل رأسا ما تريد قلت شيء قليل من أولادك أنا وسامي قال هات وأخذها من غير تردد فعجبنا ..... فجاءني بعد أيام أحد المغاربة وجعل يثني على الكافي وقال أعطاني أربع ليرات إنجليزية !

من مؤلفاته :

الحصن والجنة على عقيدة أهل السنة للغزالي

نصرة الفقيه السالك على إنكار مشهورية السدل في مذهب مالك

التوضيحات الوفية لنبذة من الأحاديث القضاعية

منحة رب العالمين على عقيدة السيوطي جلال الدين

هبة المالك على مناسك سيدي علي النوري الصفاقسي

الأجوبة الكافية على الأسئلة الشامية

النور المبين على المرشد المعين لابن عاشر

إيقاظ الوسنان الفاتح لمنظومة التوحيد لابن عبد الرحمن

المرآة في الرد على من غير نصاب الزكاة

إحكام الأحكام على تحفة الحكام لابن عاصم

البيانات الكافية في خطإ وضلال الطائفة الأحمدية القاديانية

الشذرات الذهبية على النصيحة الزروقية

السيف اليماني المسلول في عنق من طعن في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم

نقض " إسلام النشاشيبي الصحيح "

البيان للمراد بالتغني بالقرآن

الدرة الثمينة في الكلام على حكم العورة في مذهب عالم المدينة

نسف الصوفيات وإثبات التصوف

بغية ذي الجلال في حكم الاحتكار والعقوبة بالمال

الفرائد الحسان في بيان رسم القرآن

الضياء المبين في رسم وضبط كلام رب العالمين

===================

 هذه الترجمة بتصرف من كتاب العلماء العزاب للشيخ عبد الفتاح أبو غدة