حركات الخوارج الثورية ضد الحكم الأموي

موسوعة الفرق
ظل الخوارج يتتابعون في الخروج بعد الإمام علي وخلال الحكم الأموي، وظل حالهم على نحو ما كانوا عليه خلال خلافة الإمام علي ؛ ذلك أنه لما استتب الأمر لمعاوية واجتمعت عليه الكلمة – كان الخوارج قد اشتعلت جذوتهم وثبت في أذهانهم فكرة الخروج على بني أمية و على رأسهم معاوية بن أبي سفيان، فأخذوا في التجمع والتربص للخروج في أي فرصة كانت؛ إذ كان معاوية في نظرهم مغتصبا للحكم لا شك في قتاله، بل هو في نظرهم قربة لله بعكس الإمام علي ، فقد كان بعضهم مترددا في مواجهته كما سنرى في تعبير فروة بن نوفل عن هذا التردد.

الحمد لله وحده ..

فقد ظل الخوارج يتتابعون في الخروج بعد الإمام علي وخلال الحكم الأموي، وظل حالهم على نحو ما كانوا عليه خلال خلافة الإمام علي ؛ ذلك أنه لما استتب الأمر لمعاوية واجتمعت عليه الكلمة – كان الخوارج قد اشتعلت جذوتهم وثبت في أذهانهم فكرة الخروج على بني أمية و على رأسهم معاوية بن أبي سفيان، فأخذوا في التجمع والتربص للخروج في أي فرصة كانت؛ إذ كان معاوية في نظرهم مغتصبا للحكم لا شك في قتاله، بل هو في نظرهم قربة لله بعكس الإمام علي ، فقد كان بعضهم مترددا في مواجهته كما سنرى  في تعبير فروة بن نوفل عن هذا التردد.

لهذا فبمجرد وفاة الإمام علي انفتحت على معاوية وحكام بني أمية من بعده ثورات وحروب طاحنة، لا يقر للخوارج قرار ولا يستخفون بأنفسهم إلا ريثما تتم عدتهم ويكتمل عددهم؛ فكانوا شوكة في جنب الدولة شغلتهم فترة من الزمن فهم بهذا يمثلون المعارضة بالتعبير الحديث أتم تمثيل.

وسنتناول ما اشتهر من أخبار أولئك الخارجين على بني أمية بإيجاز.

وكان أول هؤلاء الخارجين:

فروة بن نوفل الأشجعي، وسماه البغدادي قرة  ، خرج سنة 41هـ، كان هذا الرجل ممن اعتزل قتال علي وانحاز معه خمسمائة فارس من الخوارج إلى شهرزور قائلا:  " والله ما أدري على أي شيء نقاتل عليا أرى أن أنصرف حتى تتضح لي بصيرتي في قتاله أو أتابعه " . أي أنه كان شاكا في قتال علي، أما معاوية فقد بين موقفه منه بقوله:  " قد جاء الآن ما لا شك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه " .

ثم ذهبوا إلى النخيلة فعسكروا بها وهي مكان قريب من الكوفة، فأرسل لهم معاوية جيشا من أهل الشام ولكن الخوارج هزموه، فلجأ معاوية إلى حيلة يرمي فيها عصفورين بحجر فقال لأهل الكوفة:  " والله لا أمان لكم عندي حتى تكفوهم " ، فوقع هذا التهديد منهم موقعا عظيما، فخرجوا لقتالهم وكفهم عن الخروج وعندما رآهم الخوارج قالوا لهم:  " أليس معاوية عدونا وعدوكم دعونا نقاتله فإن أصبنا كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا "؛ فلم يقتنعوا بقولهم هذا، فقالت الخوارج: رحم الله إخواننا من أهل النهر هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، ثم اختطف أشجع صاحبهم وأدخلوه مقهورا إلى الكوفة.

ثم مكنته الفرصة فيما بعد فخرج على المغيرة بن شعبة فأرسل له المغيرة شبث بن ربعي أو معقل بن قيس مع فرسان، فلما التقوا قتل فروة بشهرزور أو ببعض سواد العراق  .  

وله من الشعر قوله:

ما أن نبالي إذا أرواحنا سلمت        ماذا فعلتم بأجساد وأبشار

تجر المجرة والنسران بينهما                والشمس والقمر الساري بمقدار

لقد علمتم وخير العلم أنفعه           أن السعيد الذي ينجو من النار

 

               

وابن الأثير ينسب هذه الأبيات إلى عبد الله بن أبي الحوساء وأنه قالها حينما ولي أمر الخوارج وخوف من السلطان أن يصلبه  .

وقوله:

وفارقنا أبا حسن عليا           فما من رجعة أخرى الليالي

فحكم  في كتاب الله عمرا                     وذاك الأشعري أخا الضلال 

 

 

وقد رثى الخوارج بقوله يصفهم:

لطافا براها الصوم حتى كأنها         سيوف إذا ما الخيل تدمى كلومها 

 

 

       

وأما جيش فروة فقد ولوا عليهم عبد الله بن أبي الحوساء الطائي وسماه البغدادي عبد الله بن جوشا   . وقد ثار هذا الخارجي على معاوية بعد أن أوثق أهل الكوفة صاحبهم فروة فولاه الخوارج أمرهم وكان تهديد معاوية لا يزال له رنين في آذان أهل الكوفة فقاتلوهم حتى قتلوهم هم ورئيسهم ابن أبي الحوساء في ربيع الأول أو الآخر سنة 41هـ  ،  في موضع خروجهم بالنخيلة.

ثم خرج عليه حوثرة بن وداع الأسدي في برازلروز، وذلك بعد قتل ابن أبي الحوساء سنة 41هـ؛ حيث اجتمع الخوارج فولوه أمرهم وكان لا يشك في أن قتال علي بن أبي طالب حق، ولهذا عبد الله بن فروة حين شك في ذلك. ولما اجتمع له مائة وخمسون رجلا أتى النخيلة مكان هزيمة سلفه ابن أبي الحوساء، فانضم إليه من بقي من جنود أبي الحوساء وهم عدد قليل.

فأراد معاوية أن يضربه بأبيه فأرسله إليه وقال له: اخرج إلى ابنك فلعله يرق إذا رآك. فخرج إليه وناشده وذكره فلم يقبل منه، فأراد أن يثير فيه عطف الأبوة فقال: ألا أجيئك بابنك فلعلك إذا رأيته كرهت فراقه، فرد عليه حوثرة رد المستميت قائلا له: أنا إلى طعنة من يد كافر برمح أنقلب فيه ساعة أشوق مني إلى ابني. فيئس أبوه منه وأخبر معاوية خبره فقال له: يا أبا حوثرة عتا هذا جدا.  فأرسل إليه معاوية جيشا بقيادة عبد الله بن عوف في ألفين وكان معه أبا حوثرة، و في المعركة دعا ابنه إلى البراز فقال له حوثرة: يا أبت لك في غيري سعة. واشتد القتال وتبارز حوثرة: وعبد الله بن عوف، فطعن ابن عوف حوثرة فأراده قتيلا وقتل أصحابه إلا خمسون رجلا دخلوا الكوفة، وقد رأى ابن عوف أن قتيله حوثرة بوجهه أثر السجود فندم على قتله وقال شعرا:

قتلت أخا بني أسد سفاها       لعمر أبي فما لقيت رشدي

قتلت مصليا محياء ليل                طويل الحزن ذا بر وقصد

قتلت أخا تقي لا نال دنيا       وذاك لشقوى وعثار جدي

فهب لي توبة يا رب واغفر           لما قارفت من خطأ وعمد   .

 

 

               

ويذكر البغدادي أنه كان من المستأمنين إلى علي يوم النهروان   .

ويذكر ابن عبد ربه أن حوثرة الأقطع كان أول من خرج من الخوارج بعد قتل علي، والصحيح أن فروة بن نوفل، وقد قال حوثرة حين رأى تجمع أهل الكوفة عليه:  " يا أعداء الله أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه، واليوم تقاتلون معه لتشدوا سلطانه " وكان يرتجز  في حملاته عليهم بقوله:

أحمل على هذي الجموع حوثرة              فعن قريب ستنال المغفرة

 

 

ويذكر ابن عبد ربه أيضا أن القاتل له رجل من طيئ وأنه ندم حينما رأى أثر السجود في جبهته   .

ثم أراد الخروج عليه سنة 41هـ رجل من محارب يسمى معنا فصغر إلى معين بن عبد الله ، كان يريد الخروج وذلك في زمن ولاية المغيرة بن شعبة، فلما علم ذلك المغيرة أرسل إليه وعنده جماعة فأخذه وحبسه وكتب في شأنه إلى معاوية، فكتب إليه معاوية أن يستشهده فإن شهد أن خلافة معاوية حق أطلقه فأحضره المغيرة وقال له: أتشهد أن معاوية خليفة وأنه أمير المؤمنين. فأجابه جواب من هانت عنده المنايا قائلا له في غير مبالاة:  " أشهد أن الله عز وجل حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور " . فأمر به فقتله قبيصة الهلالي الذي لاقى فيما بعد حتفه على أيدي الخوارج الذي ائتمروا به  انتقاما لقتله معنا.

ثم خرج أبو مريم وهو مولى لبني الحارث بن كعب وقد أحب أن يشرك النساء معه في الخروج؛ إذ كانت معه امرأتان قطام وكحيلة، فكان يقال لهم يا أصحاب كحيلة وقطام تعبيرا لهم، وقد أراد بهذا أن يسن خروجهن فعابه أبو بلال فقال له: قد قاتل النساء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين بالشام وسأردهما، فردهما وكان بموضع يقال له بادوربا فوجه إليه المغيرة جابر البجلي فقاتله حتى قتله وانهزم أصحابه   .

 ثم خرج رجل يقال له أبو ليلى، أسود طويل الجسم، وقبل أن يعلن خروجه دخل مسجد الكوفة وأخذ بعضادتي الباب، وكان في المسجد عدة من الأشراف، ثم صاح بأعلى صوته: لا حكم إلا لله، فلم يعترض له أحد، ثم خرج وخرج معه ثلاثون رجلا من الموالي بسواد الكوفة، فبعث له المغيرة معقل ابن قيس الرياحي فقتله سنة 42هـ  .

ثم خرج المستورد بن علفة التيمي، وكان بدء خروجهم سنة 42هـ عندما بدءوا يتشاورون في ذلك، ولما جاءت سنة 43هـ أعلنوا الخروج المسلح انتقاما لمصارع إخوانهم، فقد كانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا فيذاكرون مصارع إخوتهم بالنهر، فيترحمون عليهم ويحض بعضهم بعضا على الخروج للانتقام من حكامهم الجورة الذين عطلوا الحدود واستأثروا بالفيء، فاجتمع رأيهم على ثلاثة نفر منهم لتولي قيادتهم المستورد بن علفة التيمي، ومعاذ بن جويني الطائي، وحبان بن ظبيان السلمي الذي كان منزله مكانا لا جتماعاتهم، ولكن كل واحد من هؤلاء الثلاثة دفع تولي الخلافة عن نفسه، وأخيرا اتفقوا على أن يتولاها المستورد هذا، وكانوا أربعمائة شخص ونادوه بأمير المؤمنين، وكان المستورد ناسكا كثير الصلاة وله آداب وحكم مأثورة، واتفق على أن يكون الخروج غرة شعبان سنة 43هـ.

ولما علم بذلك المغيرة بن شعبة أرسل مدير شرطته قبيصة بن الدمون إلى مكان اجتماعهم وهو منزل حيان كما تقدم، فأخذوهم وجاءوا بهم إلى المغيرة فأودعهم السجن بعد استجوابهم وإنكارهم أن يكون اجتماعهم لشيء غير مدارسة كتاب الله.

ثم خرج المستورد إلى الحيرة وصار ملجأ للخوارج فأخذوا يختلفون إليه ، فلما خاف أن يفتضح أمرهم لجأ إلى دار صهره سليم بن محدوج، ولكن المغيرة بن شعبة علم بأن الخوارج قد عزموا على الخروج قريبا، فقام في الناس خطيبا فذكر لطفه بهم ومحبته لهم وأنهم سيضطرونه إلى تعديل رأيه فيهم حتى يأخذ الحليم بالسفيه، فأجابه رؤساء القبائل بأنهم مستعدون للقيام معه بمجاهدة من يخالفه ويشق عصى الطاعة.

فوصل كل ما دار في هذا الاجتماع إلى المستورد من غير ابن محدوج الذي رجع كئيبا مهتما، فسأل ابن محدوج عن كل هذا فأخبره وقال له: كرهت أن أعلمكم فتظنوا أنه ثقل  علي مكانكم. فقال: له المستورد. قد أكرمت المثوى وأحسنت ونحن مرتحلون عنك.

فلما بلغ هذا إلى مسامع الذين في سجن المغيرة قال معاذ بن جوين بن حصين يتحسر:

ألا أيها الشارون قد حان لامرئ              شرى نفسه لله أن يرتحلا

أقمتم بدار الخاطئين جهالة                   وكل امرئ منكم يصاد ليقتلا

فشدوا على القوم العداة فإنما         إقامتكم للذبح رأيا مضلالا

فيا ليتني فيكم على ظهر سابح        شديد القصيري   دارعا   غير أعزلا

وياليتني فيكم أعادي عدوكم          فيسقيني كأس المنية أولا

يعز علي أن تخافوا وتطردوا          ولما أجرد في المحلين منصلا

ولو أنني فيكم وقد قصدوا لكم         أثرت إذا بين الفريقين قسطلا 

فيا رب جمع قد فللت وغارة           شهدت وقرن قد تركت مجدلا

 

 

         في أبيات له يتحسر على ما أصاب الخوارج من محن.

ثم أرسل المستورد إلى أصحابه أنه مكان الاجتماع سورا وعليهم أن يخرجوا متفرقين مستخفين، فاجتمعوا بها ثلاثمائة رجل ثم انتقلوا إلى الصراة.

ولما علم المغيرة بهذا الأمر استشار الناس فيمن يلي حربهم، وكان عنده رؤساء الشيعة، فكل واحد منهم ترجى المغيرة أن يكون هو المتولي حربهم فولى معقل بن قيس الرياحي وجهز معه ثلاثة آلاف رجل هم نقاوة الشيعة وفرسانهم.

وقد صار الخوارج إلى بهرسير وأرادوا الدخول إلى المدينة التي كانت بها منازل كسرى، وكان الوالي عليها سماك بن عبيد الأزدي فمنعهم فكتب إليه المستورد هذا الكتاب:

 " من عبد الله المستورد أمير المؤمنين إلى سماك بن عبيد أما بعد:

فقد نقمنا على قومنا الجور في الأحكام وتعطيل الحدود والاستئثار بالفيء، وإنا ندعوك إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وولاية أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، والبراءة من عثمان وعلي لإحداثهما في الدين وتركهما حكم الكتاب، فإن تقبل فقد أدركت رشدك، وإلا تقبل فقد بالغنا في الإعذار إليك وقد آذناك بحرب فنبذنا إليك على سواء، إن الله لا يحب الخائنين " . 

فلما قرأ سماك كتابه قال:  بئس الشيخ أنا إذا، ثم كتب للمستورد كتابا يدعوه فيه إلى الدخول في الجماعة، وأن يأخذ له الأمان فلم يجبه وأصر على ما هو عليه.

وسار معقل إليه ، فلما علم به جمع أصحابه واستشارهم قائلا لهم:  " إن المغيرة قد بعث إليكم معقل بن قيس وهو من السبئية المفترين الكاذبين فأشيروا علي برأيكم؟  " . فافترقوا في رأيهم بين قائل بالحرب وآخر بدعاء الناس إلى صفهم وإقامة الحجة على مخالفيهم.

ولكن كان رأي المستورد غير هذا وهو أن يستعمل المطاولة في حربهم فيخرج من مكان إلى آخر حتى يبددهم، ثم يلقاهم وقد تعبوا فكان هذا رأيهم فصاروا يتنقلون من محل إلى آخر، وكانت تقع بعض المناوشات بينهم وبين رجل كان معه قوة من الفرسان يلازمهم من أصحاب معقل، ولما انتهى به المطاف إلى ديلمايا كانت المعركة النهائية حيث تبارز المستورد مع معقل فضرب كل واحد منهما صاحبه فخرا ميتين، وهزمت الخوارج وقتلوا شر قتلة فلم ينج منهم غير خمسة أو ستة   ، وقتل المستورد سنة 43هـ.

ثم كان خروج سهم بن غالب الهجيمي والخطيم واسمه يزيد بن مالك سنة 46هـ عند الطبري، وعند ابن الأثير إن بدء خروجهما كان سنة 41هـ ونهايته كانت سنة 46هـ، فلما اجتمع لسهم سبعون رجلا خرجوا على ابن أبي عامر الوالي من قبل معاوية.

خرج هؤلاء فنزلوا بين الجسرين والبصرة، وهناك أخذوا في ارتكاب جرائم القتل، وكانوا أشرارا يقتلون من يقول إنه مسلم ويتركون من يقول إنه من أي ملة كان، ففي أثناء ذلك الخروج مر بهم الصحابي عبادة بن فرص الليثي راجعا من غزو الكفار، ومعه ابنه وابن أخيه فقال لهم الخوارج: من أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون. قالوا: كذبتم. قال عبادة: سبحان الله! اقبلوا منا ما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، فإني كذبته وقاتلته ثم أتيته فأسلمت فقبل ذلك مني، قالوا: أنت كافر وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه. وقد خرج لقتالهم ابن عامر بنفسه فقتل منهم وانتصر عليهم واستأمن بقيتهم، وكان فيهم سهم والخطيم فآمنهم، فلما تولى زياد البصرة – وقيل  في ولاية ابن زياد – خاف سهم منه وخرج إلى الأهواز واجتمع إليه الناقمون  على بني أمية، ثم أقبل يريد أخذ البصرة ولحسن الحظ أن جيشه قد تفرق عنه حين دخل البصرة حتى لم يبق إلا هو وحده فطلب الأمان لنفسه، ولكن صادف رجلا لا يعرف الرحمة فأخذه وقتله وصلبه في داره، وأما الخطيم فإن زيادا سيره إلى البحرين ثم أذن له في الرجوع إلى البصرة  على أنه إذا بات ليلة خارج داره فقد أذن في قتله، وذات ليلة لم يبت في بيته فجاء مسلم بن عمرو وقال لزياد: إن الخطيم لم يبت الليلة في بيته، فأخذه زياد وقتله وانتهت حركتهم. وقد رثى أحد الخوارج سهما بقوله:

فإن تكن الأحزاب باءوا بقتله         فلا يبعدن الله سهم بن غالب    

 

 

ثم خرج قريب بن مرة وزحاف بن زحر الطائي سنة 50هـ.

وكان هذان الرجلان ابني خالة وكانا من العابدين المجتهدين بالبصرة، ولما غلبت عليهما شقوتهما خرجا بقلوب تغلي غيظا على المجتمع وقد اختلف  في أيهما كان الرئيس، وذلك في ولاية ابن زياد على الكوفة، فحينما خرجا أخذا يستعرضان الناس استعراضا، وكانا قد أشاعا القتل والخوف فيهم لا يبالون بمن قتلوه كائنا من كان ما دام قد وجد أمامهم، حتى إنهم مروا بشيخ ناسك من بني ضبيعة يسمى رؤية الضبعي أو حكاك، فقال حين رآهم: مرحبا بأبي الشعثاء، فلم تشفع له شيخوخته عندهم بل قتلوه، وكانوا إذا مروا ببلد يهرب أهل تلك البلد إلى بيوتهم ويتنادون: الحرورية الحرورية، النجا النجا.

وكان رجل من بني قطيعة حين سمع بهم أخذ سيفه فناداه الناس: الحرورية! انج بنفسك، فنادوه: لسنا حرورية نحن الشرط فلا تخف؛ فوقف، فلما أخذوه قتلوه وصاروا يتنقلون بين القبائل فلا يمرون بقبيلة إلا قتلوا من تمكنوا من أخذه، ولما مروا ببني علي من الأزد وكان هؤلاء رماة مهرة وكان فيهم مائة يجيدون الرمي وقفوا لهم ورموهم رميا شديداً، حتى صاح الخوارج: يا بني علي، لا رماء بيننا البقيا. ولكن هذا النداء لم يسمع منهم، فقال رجل يحرض عليهم:

لا شيء للقوم سوى السهام           مشحوذة   في غلس الظلام

 

 

فهربت الخوارج منهم وأتوا مقبرة لبني يشكر ثم أتوا إلى مزينة فقتلهم الناس عن آخرهم. ولما بلغ خبرهما إلى أبي بلال الخارجي لم يرضه اعتراضهما الناس على هذه الصورة الوحشية، فقال: قريب لا قربه الله من الخير، وزحاف لا عفا الله عنه فلقد ركباها عشواء مظلمة. أو نحو هذا الكلام.

ويذكر الطبري وابن الأثير أن خروجهما كان سنة 50 بالبصرة وأن زيادا حين بلغه خروجهما قال لأهل البصرة: والله لتكفنني هؤلاء أو لأبدأن بكم، والله لئن أفلت منهم رجل واحد لا تأخذون العام من عطائكم درهما.

أما البغدادي فيذكر أن خروجهما كان على عبيد الله بن زياد فأرسل إليهم عباد بن الحصين الحبطي فقتلهم   .

ثم خرج زياد بن خراش العجلي في مكان يسمى مسكن من أعمال سواد العراق ومعه ثلاثمائة فارس، فأرسل زياد فرقة من الجيش قتلته ومن معه سنة 52هـ   .

ثم خرج طواف بن غلاق سنة 58هـ.

وقد كان بالبصرة رجل اسمه جدار يجتمع إليه الخوارج فيعيبون خلافة بني أمية، فلما علم بهم ابن زياد أخذهم وحبسهم ثم اخترع طريقة في العفو عنهم وهي أن يقتتلوا فيما بينهم فمن نجا أطلق سراحه، فقام بعضهم بقتل بعض كأنهم كلاب مسعورة، وكان فيمن نجا طواف بن غلاق.

ولما خرجوا عابهم أصحابهم قائلين لهم: قتلتم إخوانكم؟ فقالوا: أكرهنا، وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئن بالإيمان، فعرضوا الدية على أولياء المقتولين فأبوها، ثم عرضوا عليهم القصاص فأبوا؛ فعظم الندم في نفوسهم على فعلتهم هذه، وكانوا يبكون ويقولون: أما من توبة، وكان طواف قد بلغ به الجزع والحزن مبلغا عظيما فأتى رجلا يسمى الهثهاث فقال له: أما ترى لنا من توبة؟ فقال له: لا أجد لكم إلا آية في كتاب الله وهي ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [ النحل: 110].

فخرج طواف في يوم عيد الفطر ومعه سبعون رجلا فأخذوا يقتلون الناس مستعرضين لهم، فاجتمع عليهم الناس فقتلوهم عن آخرهم فقال رجل منهم يرثيهم:

يا رب هب لي التقى والصدق في ثبت           واكف المهم فأنت الرازق الكافي

حتى أبيع التي تفنى بآخرة            تبقى على دين مرداس وطواف

وكهمس وأبى الشعثاء إذا نفروا      إلى الإله وذي الإخبات زحاف 

 

               

ثم كان خروج أبي بلال مرداس بن أدية الحنظلي سنة 61هـ.

خرج أبو بلال في أربعين شخصا بناحية الأهواز في توج، وكان عظيم القدر عند الخوارج لا يعدلون به أحدا. كان عابدا مجتهدا كل الخوارج تتولاه وكل فريق ينسبه لنفسه، حتى الشيعة فقد ادعت أنه خرج غاضبا لآل البيت وكان حين خرج يقول لمن لقيه:  " إنا لا نريد قتال ولا نروح أحدا، وإنما هربنا من الظلم ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا ولا نقاتل إلا من قاتلنا " .

وقد مر به مال لعبيد الله بن زياد فاستوقفه وأخذ أعطيات أصحابه ثم ترك الباقي، وقال لمن يحملون ذلك المال:  " قولوا لصاحبكم إنما أخذنا أعطياتنا " ، فقال له أصحابه: لماذا تترك الباقي؟ قال: " إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة فلا تقاتلوهم ما داموا على الصلاة  " .

وحين بلغت أخبارهم ابن زياد وجه إليهم جيشا مكونا من ألفي رجل بقيادة أسلم بن زرعة الكلابي أو زرعة بن مسلم العامري، ويذكر الطبري أنه ابن حصن التميمي، فالتحموا مع الخوارج  في معركة حامية انهزم فيها جيش الخلافة شر هزيمة، فلما وصل المنهزمون إلى ابن زياد غضب عليهم، ثم وجه إلى الخوارج قائدا آخر هو عباد بن أخضر التميمي، و في أثناء المعركة – وكان يوم جمعة – طلب أبو بلال من عباد وجيشه إمهالهم حتى تؤدى الصلاة فأجابوهم، فلما دخلوا في الصلاة شدوا عليهم فقتلوهم عن آخرهم سنة 61هـ، وهم بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد، فرجع القائد عباد ظافرا إلا أنه قد نال منيته على أيدي بعض الخوارج الذين كانوا في البصرة منهم عبيدة بن هلال؛ فقد استوقفوا عبادا كأنهم خصماء فيما بينهم في رجل قتل أخاهم ولم ينصفهم أحد فقال لهم عباد: اقتلوه قتله الله؛ فنزلوا عليه ضربا بالسيوف حتى قتلوه.

وقد رثى الخوارج مرداسا رثاء محزنا خصوصا تلك القتلة التي تمت بالغدر، ومن هذه المراثي قول عمران بن حطان:

أصبحت عن وجل مني وإيجاس      أشكو كلوم جراح ما لها آسي

يا عين ابكي لمرداس ومصرعه             يا رب مرداس اجعلني كمرداس

أبقيتني هائما أبكي لمرزئتي          في منزل موحش من بعد إيناس

أنكرت بعدك ما قد كنت أعرفه         ما الناس بعدك يا مرداس بالناس

أما شربت بكأس دار أولها            على القرون فذاقوا جرعة الكاس

فكل من لم يذقها شارب عجلا         منها بأنفاس ورد بعد أنفاس

 

 

ومما يجدر ذكره أن أبا بلال كان مع جيش علي  في صفين أثناء الحرب بين علي ومعاوية.

وقد قيل عن سبب خروجه أن ابن زياد قد توعد امرأة خارجية يقال لها البثجاء فقال لها مرداس: إن التقية لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك. قالت: أخشى أن يلقى أحد بسببي مكروها، ولما أخذها ابن زياد قطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق، فمر أبو بلال في السوق فرأى زحام الناس فجاء فلما شاهد البثجاء عض على لحيته، وقال يخاطب نفسه:  " هذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس، ما ميتة أموتها أحب إلي من ميتة البثجاء " . فكانت أمنيته أن يموت كميتة البثجاء التي جادت بنفسها في جهاد ابن زياد   .

وكان أبو بلال شخصية مثالية عند الشيعة والخوارج والمعتزلة، فكل فرقة من هذه الفرق تدعيه كما تقدم.

يقول ابن أبي الحديد في هذا:  " وكان أبو بلال عابدا ناسكا شاعرا ومن قدماء أصحابنا من يدعيه لما كان يذهب إليه من العدل وإنكار المنكر، ومن قدماء الشيعة من يدعيه أيضا"  .

و في أوائل الستينات وأثناء خروج أبي بلال الذي تحدثنا عنه آنفا ظهر نافع بن الأزرق بفرقته ثم تتابع ظهور الفرق بعده.

ومع ذلك فقد ظل ظهور الخوارج بحركاتهم الحربية التي قدمناها – ظل ظهورهم يتتابع خلال بقية الحكم الأموي.

وفي عهد عبد الملك بن مروان بدأ خروج الصالحية التي يجعلها بعض العلماء فرقة من الفرق، بينما هي في الحقيقة حركة ثورية – أكثر منها فرقة دينية – من تلك الحركات التي كانت تحدث بين آونة وأخرى على الخلفاء الأمويين تزعمهم صالح بن مسرح أو ابن مشروح كما يسميه بعضهم، حين خرج  في هلال شهر صفر سنة 76هـ ، وكون له جماعة حارب بهم جيش الأمويين، وكانت له بعض الآراء التي أخذها من أسلافه من الخوارج قبله.

يقول عنه صاحب كتاب (الأديان):  " الفرقة السادسة: الصالحية أصحاب صالح بن مشروح استحل من قومه ما استحله منهم ابن العسم من القتل والسبا وغنيمة الأموال، ولم يزل كذلك حتى أهلكه الله " .

ويقول الأشعري:  " ومن الخوارج أصحاب صالح ولم يحدث صالح قولا تفرد به ويقال إنه كان صفريا " . هذا ما ذكره عنهم الأشعري ولم ينسب إليهم شيئا من الآراء، إلا ما قال عنهم من أنهم أوصلوا الذنب المغلظ إلى أنه عبادة للشيطان، ويذكر ابن الأثير أن اسم زعيمهم هو صالح بن مسرح التميمي وأنه كان رجلا ناسكا مصفر الوجه صاحب عبادة، وكان بدارا وأرض الموصل والجزيرة قد تزعم أصحابه يقرئهم القرآن ويعلمهم الفقه والقصص.

فلما اجتمع له أقل ما يريد قيل: (120) وقيل: (110) دعاهم إلى الخروج وكاتب شبيبا في ذلك فأجابه شبيب وأقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى دارا، وحينئذ عزم صالح على الخروج، ولكن تلك الجهات قد تحصنت منه، ولما بلغ محمد بن مروان   مخرجهم – وهو أمير الجزيرة حينذاك – أرسل إليهم جيشا يقوده عدي بن عدي الكندي في ألف فارس، ولكن صالحا باغتهم فانهزموا هزيمة منكرة وهرب عدي فانتهب الخوارج ما وجدوا في معسكر عدي، وحين أقبلت فلول عدي غضب عليهم محمد بن مروان، فأرسل لهم قائدين أيهما وصل الأول فهو أمير صاحبه أحدهما خالد بن جزء السلمي  في ألف وخمسمائة فارس، والثاني الحارث بن جعونة العامري وبعثه في ألف وخمسمائة فارس، فالتقوا بصالح في آمد. ولكن صالحا قسم جيشه إلى قسمين أيضا قسم بقيادة شبيب وكان من أشجع الفرسان وجهه إلى الحارث بن جعونة، وقسم بقيادته هو وتوجه إلى خالد فنشبت المعركة من وقت العصر إلى الليل وكثر الجرحى والقتلى في جيش الخلافة، وقتل من أصحاب صالح ثلاثون رجلا، و في الليل تم رأيهم على أن يذهبوا إلى الدسكرة.

وحين وصلت أخبارهم إلى الحجاج بعث لهم جيشا من أهل الكوفة يبلغ ثلاثة آلاف بقيادة الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهمداني، وحين وصلوا إلى صالح بن مسرح بدأت المعركة وكان صالح في تسعين رجلا واشتدت المعركة جدا فقتل صالح فيها وكاد شبيب أن يقتل وحينذاك نادى من بقي من أصحابه وكانوا 70 رجلا: إلي يا معاشر المسلمين؛ فلاذوا به فقال لأصحابه: ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه، حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا.

وفعلا تقدموا إلى الحصن وتحصنوا به فأمر الحارث بالباب أن يحرق فحرق فقال لأصحابه: إنهم لا يقدرون في الخروج منه ومصبحهم غدا فنقتلهم، وقد بايع الخوارج شبيبا في ليلتهم تلك، ثم أتوا باللبود فبلوها وجعلوها على جمر الباب وخرجوا، فلم يشعر الحارث ومن معه إلا والخوارج يضربون رؤوسهم بالسيوف فصرع الحارث فاحتمله أصحابه وانهزموا نحو المدائن هاربين، فأخذ شبيب كل ما بقي  في معسكر الحارث   .

وشبيب هذا هو شبيب بن نعيم بن يزيد الشيباني ويكنى بأبي الصحاري، وله من الشجاعة والمعرفة بفنون الحرب ما يكاد يكون خيالا. لقد كان قائدا فذا مجربا للحروب يروغ روغان الثعلب ويهجم هجمة الأسد، قتل من جيش الخلافة الآلاف والعديد من القواد رغم قلة جيشه.

ويختلف النقل في كيفية تولي شبيب القيادة بعد صالح؛ فالبغدادي يذكر أن صالحا حين أحس بالموت قال لأصحابه: قد استخلفت عليكم شبيبا وأعلم أن فيكم من هو أفقه منه ولكنه رجل شجاع مهيب في عدوكم فليعنه الفقيه منكم بفقهه. ثم مات وبايع أتباعه شبيبا " .

بينما يذكر بعضهم ومنهم ابن الأثير وابن جرير الطبري أن شبيبا تولى أثناء حصار الخوارج  في الحصن الذي ألجأهم إليه الحارث بن عميرة في تلك الليلة  وبعد مقتل صالح كما تقدم.

وتعرف هذه الفرقة أيضا بأصحاب السؤال، فإذا ذكر بعضهم أصحاب السؤال فالمقصود بهم الشبيبية، وقد نسبهم الأشعري إلى البيهسية، ونسبهم غيره إلى الصالحية.

وقد خالف شبيب صالحا في مسألة جواز تولي المرأة الإمامة العظمى؛ إذ كان شبيب يجيزها إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم، ولهذا فقد تولت غزالة قيادتهم بعد مقتل شبيب.

وقد اشتهر شبيب بالشجاعة وخوض الحروب فقد دوخ بني أمية وهزم لهم أكثر من عشرين جيشا في خلال سنتين. وجه أول جيش إليه من قبل الحجاج بقيادة عبيد الله بن أبي المخارق ومعه ألف فارس فهزمهم شبيب، ثم وجه إليه الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث فهزمهم شبيب، ثم وجه إليه عتاب بن ورقاء التميمي فقتله شبيب هو وزهرة بن حوية.

ويذكر الشهرستاني أن شبيبا قتل من جيش الحجاج أربعة وعشرين أميرا كلهم أمراء الجيوش. فكم يكون القتل من أتباعهم؟ !

وقد استطرد الطبري وابن الأثير وغيرهما من المؤرخين في تفاصيل حروب شبيب وهي كثيرة تركت منها ما يتعلق بدقائق أخبار المعارك والخطط الحربية فيها وذكر المغامرين في اقتحامها، وكلها تشير إلى أنه قلما ينهزم شبيب في معركة إلا لحيلة أو الإعداد لكرة أخرى،  في كل تلك المعارك التي خاضها مع جيوش الخلافة وحتى البدو لم يسلموا من شبيب؛ فقد أغار عليهم وأرهبهم في عدة غزوات لهم، وقد داهم الحجاج في عقر داره بالكوفة؛ فقد دخلها هو وأمه غزالة، أو زوجته في قول آخر، وخطبت على منبر الكوفة وفاء بنذرها، وصلى أيضا الصبح في مسجد الكوفة. وقد تنقل في ليلته تلك في أكثر من مساجد الكوفة لا يجد أحدا إلا قتله.

وقد خبأ الحجاج نفسه فلم يخرج تلك الليلة إلى أن اجتمع له أربعة آلاف من جنده ثم خرجوا يقتتلون في سوق الكوفة، حتى كثر القتل في أصحاب شبيب فانهزم إلى الأنبار وقد عير الحجاج بتلك الحادثة فقيل فيه:

أسد علي وفي الحروب نعامة         ربداء تجفل من صفير الصافر

هلا برزت إلى غزالة في الوغى              أم كان قلبك في جناحي طائر

 

 

و في السنة السابعة والسبعين من الهجرة أو الثامنة والسبعين (على قول) كانت نهاية شبيب إذ مات غريقا، وذلك أنه حين أراد الانصراف من قتال أهل الشام إلى الجهة الأخرى من جسر دجيل الأهواز أمر أصحابه فتقدموا أمامه وتأخر هو في آخرهم و في أثناء عبوره كان راكبا على حصان وكانت أمام الحصان فرس أنثى فنزا فرسه عليها، فخرج حافره على حرف السفينة فسقط في الماء.

وقد قيل في غرقه سبب آخر وهو ضعيف لا يعتد به، ومفاده أن بعض جيشه كان حانقا عليه لما قتل من أقوامهم فحين تخلف في آخر جيشه قال هؤلاء: ننتهز الفرصة ونقطع به الجسر فندرك ثأرنا، فنفدوا هذا الرأي وأغرقوه.

وانتهت حركته وتفرق من بقي من أتباعه  .

و في عهد عمر بن عبد العزيز سنة 100هـ خرج بسطام اليشكري ويعرف بشوذب وهو رجل من بني يشكر خرج بالعراق، وكان الوالي على العراق عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. خرج بسطام في مكان يسمى جوخى ومعه ثمانون فارسا أغلبهم من ربيعة، ولما بلغ أمرهم إلى عمر كتب إلى عبد الحميد أن يبعث إليهم رجلا حازما وألا يحركهم بشيء إلا أن يسفكوا دما أو يفسدوا  في الأرض ، فبعث إليهم عبد الحميد محمد بن جرير في ألفي رجل من أهل الكوفة وأمره بما قال عمر.

ثم كتب عمر إلى بسطام يدعوه إلى الطاعة ويسأله عن سبب خروجه ويطلب إليه أن يبعث من قبله من يناظره لتظهر الحجة  على أحدهما، فكتب بسطام إلى عمر قد أنصفت ثم بعث وفدا من قبله إلى عمر فتناظرا فظهرت الحجة لعمر ولكن وجهوا إلى عمر سؤالا محرجا قائلين له:  " أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ فاعتذر بأنه لم يوله هو وإنما ولاه غيره " ، ولكن هذا الجواب لم يكن كافيا عندهم في هذه المسألة فقال له الخوارج:  " أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمنك؟  " ، فقال لمن تولى المحاورة وكانا اثنين: أنظراني ثلاثا، فخرجا من عنده. وحين علم بنو أمية بهذا خافوا خروج الخلافة عنهم فيقال إنهم دسوا له سما فتوفي في تلك الأيام الثلاثة، ومناظرتهم مشهورة في كتب التاريخ.

وبعد وفاة عمر أمر عبد الحميد محمد بن جرير بمناجزتهم قبل أن يبلغ الخوارج موت عمر وقبل أن يرجع وفدهم فعلموا حينذاك أن حدثا قد حدث في الخليفة وأنه قد مات، فحملت الخوارج على محمد بن جرير فهزموه شر هزيمة فأرسل لهم يزيد، تميم بن الحباب في ألفين ولما التقوا قال لهم تميم: إن يزيد لا يفارقكم على ما فارقكم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا يزيد معه، ونشبت المعركة فانهزم تميم وجيشه، فوجه إليهم يزيد جيشا آخر بقيادة الشحاج بن وداع في ألفين فكان مصيره مصير من سبقه، وهكذا وقفوا كأنهم القدر المحتوم لا يستطيع أحد أن ينال منهم مطلبا إلى أن جاء مسلمة بن عبد الملك الكوفة فشكا أهلها إليه ما لاقوه من شوذب وخوفوا مسلمة منه، فأرسل مسلمة حينذاك قائدا شجاعا هو سعيد بن عمرو الحرشي في عشرة آلاف فارس، فالتقوا في معركة حامية الوطيس كانت فيها نهاية الخوارج؛ فقد أفنوهم عن آخرهم وانتهى بسطام وانتهت حركته   .

و في سنة 105هـ, خرج عقفان ومعه ثمانون رجلا في خلافة يزيد بن عبد الملك فأشير على يزيد أن لا يرسل جيشا لمحاربته بل يرسل إلى كل رجل مع عقفان رجلا من أقاربه حتى يرده عن الخروج بالاستعطاف والتلطف إليه، وفعلا نجحت هذه الخطة حتى بقي عقفان وحده فأرسل إليه يزيد أخاه فاستعطفه فرده عن الخروج، وانتهت فتنة كادت أن لا تنتهي إلا بضحايا كثيرة.

فلما توفي يزيد وتولى هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فاشتد حتى أنه لم يرحم ولده الذي جاء من خراسان غاضبا على الخليفة فقد قبض عليه عقفان وأرسله إلى هشام مقيدا، فقال هشام: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه ثم عفا عنه لأبيه وولى عقفان أمر الصدقة  (32) .

وهذه هي الطريقة التي ينبغي اتباعها ولو أن خلفاء بني أمية سلكوا هذه الطريقة الحسنة لكان الأمر عكس ما وقع من فتن قتل فيها الآلاف المؤلفة بين مستحق وغير مستحق.

ثم خرج مسعود العبدي سنة 105هـ أيضا .

هذا الخارجي يسمى مسعود بن أبي زينب العبدي ومكان خروجه البحرين، وقد أخذ في التوسع إلى أن بلغ اليمامة فخرج إليه عاملها سفيان بن عمرو العقيلي فالتقوا بالخضرمة واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل مسعود فتولى بعده رجل يسمى هلال بن مدلج، واستمرت المعركة يوما آخر كاملا إلى أن جاء المساء فتفرق الخوارج منهزمين حتى بقي هلال ومعه جماعة قليلة تحصن بحصن كان هناك، ولكن لم يدم بقاؤه فيه فقد نصبت السلالم عليه وأخذ هلال فقتل واستأمن من بقي منهم   .

وفي  نفس السنة خرج مصعب بن محمد الوالبي، خرج هو ومن معه إلى أن وصلوا إلى مكان يسمى حزة من مقاطعة الموصل فأرسل لهم هشام جيشا فالتقوا هناك في معركة انتهت بقتل مصعب وكثير من الخوارج   .

ثم خرج الصحاري بن شبيب سنة 119هـ.

جاء هذا الرجل إلى خالد بن عبد الله والي العراق من قبل هشام بن عبد الملك يسأله الفريضة مع أهل الشرف فهزئ به خالد وقال: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟، فلم يظهر الصحاري أي تغير ثم ودع خالدا وخرج، ولكن ذلك الخروج قد هز ضمير خالد فخاف أن يفتق عليه أمرا يكرهه فأرسل في طلبه من يرده فقال لهم: أنا كنت عنده آنفا فأبوا أن يتركوه فجرد سيفه عليهم فتركوه فذهب مستخفيا بنفسه إلى أن وصل إلى مكان يسمى جبل كما يقول الطبري، أو حبل كما يقول ابن الأثير، ينزله ناس من بني تيم اللات من ثعلبة فاستمالهم إليه فقبل منه بعضهم، وتوقف آخرون، وأبى غيرهم وقالوا: نحن في عافية، فخرج الصحاري بمن أطاعه وكانوا ثلاثين فارسا حتى أتى المناذر، وحين بلغ أمره خالدا قال: قد كنت خفتها منه فأرسل إليهم جيشا التحم معهم في معركة انتهت بالقضاء على الصحاري ومن معه جميعا   .

وفي هذه السنة أيضا خرج كثارة.

 ويسمى بهلول بن بشر ويلقب كثارة، كان عابدا مجتهدا وكان على جانب عظيم من الشجاعة والخبرة الحربية، وكان السبب في خروجه أنه ذات يوم أرسل غلاما ليشتري له من أحد المحلات خلا بدرهم، فجاء الغلام بخل وكان قد التبس على صاحب المحل الاسم ولم يتأكد من الغلام فسارع وأعطاه خمراً، وحين جاء الغلام بالخمر إلى كثارة وقال لغلامه: ارجع فخذ الدرهم. فامتنع البائع من رد الدرهم.

وأراد الله أن يتطور هذا النزاع فذهب كثارة إلى حاكم تلك المنطقة ليشكو أمره فأجابه الحاكم بغاية القسوة قائلا له: "الخمر خير منك ومن قومك. وعندها عقد بهلول العزم على الخروج ولكنه أخفى ذلك حتى يتم حجه، فذهب إلى مكة وفيها قابل بعض أصدقائه والذين يرون رأيه فعزموا على الخروج معه وتحت إمرته واتعدوا مكانا سموه من نواحي الموصل، فلما اجتمعوا في تلك القرية أجمع رأيهم على أن لا يمروا بأحد إلا قالوا له بأنهم راجعون من عند الخليفة هشام وأنهم ذاهبون إلى خالد لتولي بعض الأعمال وكانوا يأخذون في طريقهم دواب البريد إلى أن وصلوا تلك القرية التي اشترى فيها الخل. قال بهلول: نبدأ بهذا العامل فنقتله، وقال أصحابه: إن الغرض الأهم هو قتل خالد. فقال كثارة له: إني لأرجو أن أقتل هذا وخالدا فبدأ وقتله وبلغت أخبارهم خالدا فحذرهم الناس، ثم خرج خالد إلى الحيرة ومنها أرسل لهم ثمانمائة رجل، وعندما بدأت الحرب بينهم انهزموا أمام الخوارج .

فلما وصلت أخبارهم خالدا بعث إليهم جيشا آخر يقوده رجل من بني شيبان وحين لقيهم بهلول شد عليهم فقال له ذلك القائد: نشدتك بالرحم فإني جانح مستجير فكف عنه. وانهزم أصحابه ثم طمحت نفس كثارة إلى قتل الخليفة هشام نفسه ما دام كثارة قد خرج لله، ثم عزم على السير لقتل هشام ولكن عمال هشام خافوا إن وصل كثارة إلى الشام أن ينتقم منهم الخليفة، فجند له خالد جندا من أهل العراق ومثله عامل الجزيرة، ووجه إليه هشام أيضا جندا من أهل الشام لاستغاثة عامل الموصل به، فبلغت الأمداد عشرين ألفا يقابلهم الخوارج وهم سبعون رجلا، كما ذكر المؤرخون، فنشبت معركة بينهم حامية قتل فيها كثارة وتفرق من بقي من أتباعه منهزمين إلى الكوفة، فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم   .

ثم خرج الضحاك بن قيس سنة 127هـ، وقتل سنة 128هـ.

خرج الضحاك بالعراق وكثر أتباعه حتى بلغوا مائة وعشرون ألفا فاستولى على عدة مناطق، وكان ذلك في زمن مروان بن محمد بن محمد ولم يستطع أحد من قواد مروان إيقافه، وأخيرا قرر الضحاك الذهاب لملاقاة مروان فاجتمعوا في مكان من كفر نوثا يسمى الغز فدارت معركة قتل فيها الضحاك.

فولى الخوارج عليهم رجلا يسمى الخبيري صبيحة الليلة التي قتل فيها الضحاك، وبدأت معركة بين الخبيري وجند الخلافة وفيهم مروان نفسه، فانتصر الخبيري على القلب من جيش مروان حتى دخل فيهم ووصل إلى حجرة مروان، فانهزم مروان حتى خرج عن العسكر بستة أميال منهزما وكانت ميمنة مروان وميسرته ثابتة، فاقتحم بعض جيش مروان على الخبيري ومن معه فقتل الخبيري، وأخبر بذلك مروان فرجع.

وانصرف أهل عسكر الخبيري، وولوا عليهم شيبان بن عبد العزيز ثم ارتحلوا من ذلك المكان، فتبعهم مروان يقيم عليهم إذا أقاموا ويحاربهم إذا حاربوا فصاروا يتنقلون من مكان إلى مكان وهم ينقصون ما بين متسلل بنفسه وبين مقتول، إلى أن تفرقوا وذهب كل إلى جهة فأخذ شيبان  في بعض تلك الجهات فقتل بعمان   .

وأخيرا كان خروج عبد الله بن يحيى الملقب "بطالب الحق" سنة 128هـ، وقتل سنة 130هـ، وهو من حضرموت، كان مشهورا بأنه من العباد المجتهدين وكان السبب  في ظهوره هو أبا حمزة الشاري، فقد كان أبو حمزة يحج في كل سنة ويدعو من يتوسم فيه الإجابة إلى خلاف مروان بن محمد والخروج عليه، وكان ممن التقى بهم طالب الحق فدعاه إلى رأيه وحسن له الخروج على مروان، فقال له عبد الله بن يحيى: "يا رجل أسمع كلاما حسنا وأراك تدعو إلى حق، فانطلق معي فإني رجل مطاع  في قومي"، فخرج معه إلى حضرموت وهناك بايعه أبو حمزة على الخلافة و على الخروج على مروان، فكتب إلى علماء البصرة من الإباضية يشاورهم في الخروج فكتبوا إليه: إن استطعت أن لا تقيم يوما واحدا فافعل فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك، ولله خيرة من عباده يبعثهم إذا من لنصرة دينه، ويخص بالشهادة منهم من يشاء.

وهنا عزم على الخروج وبدأ في التوسع، فأخذ منطقة حضرموت وامتد سلطانه إلى صنعاء، حين سار إليها في ألفين، فقابله عامل مروان على صنعاء القاسم بن عمر  في مكان يسمى لحج، ودارت بينهم معركة انتصر فيها الخوارج ، وواصلوا زحفهم إلى صنعاء، فمكث فيها طالب الحق شهرا يحسن السيرة في أهلها، وألان جانبه لهم فكثر أتباعه ووافاه الخوارج من كل مكان وبسط سيطرته  على تلك المناطق، فبعث إليه مروان بن محمد عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، فالتقى هو وطالب الحق فدارت معركة قتل فيها طالب الحق وحمل رأسه إلى مروان بالشام سنة 130هـ   .

وكان هذا هو آخر عهد بني أمية بالخوارج حيث انتهت دولتهم  في عام 132هـ بقيام الدولة العباسية.