حركات الخوارج على الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد النهروان

موسوعة الفرق

الحمد لله وحده ..

إذا تتبعنا حركات الخوارج الثورية فإننا نجدها متصلة عنيفة، ابتداءً من خروج المحكِّمة على الإمام علي ومن خرج بعدهم على الإمام عليّ في شكل جماعات حربية تثور هنا وهناك عليه وعلى الحكام الأمويين من بعده حرب عصابات، إلى أن جاء نافع بن الأزرق سنة 64هـ ، وبدأ الخوارج يظهرون كفرق كبيرة امتدت إلى عصر الدولة العباسية، لا يقر للخوارج قرار أو يستكينون إلا ريثما يتم عددهم وعدتهم يمثلون المعارضة بالتعبير الحديث، وتلك الحركات مدونة في كتب التاريخ والفرق مما لا نرى التطويل بذكره؛ لأنها أحداث تاريخية.

إن الخوارج منذ موقعة النهروان كانوا نواة لحركات ثورية قامت ضد الخلافة الإسلامية ابتداء من عهد الإمام علي وامتدادا إلى العصر الأموي فالعصر العباسي، ونواة لتكوين فرق عقائدية متعددة.

ونعني بفرق الخوارج تلك التي كان لكل منها كيانها الخاص واسمها الذي تتميز به عن غيرها من الفرق نتيجة للاختلافات التي حدثت بينها في الآراء الاعتقادية و في موقف كل منها من الجماعة الإسلامية، ولم يكن الخوارج  على هذا النحو بعد موقعة النهروان مباشرة، وإنما بدأت تلك المرحلة من تاريخ الخوارج بظهور نافع بن الأزرق وبدء تكوين فرقة الأزارقة وذلك في أوائل الستينات من الهجرة، وبه وبفرقته يبتدئ مؤرخو الفرق – بعد كلامهم على المحكمة الأولى – من التأريخ لفرق الخوارج وذكر آرائها المختلفة – بل المتناقضة أحيانا -، سواء منها الفرق الكبرى أو ما تشعب عن كل منها من فرق صغرى.

أما ما قبل هذه المرحلة وهي الفترة التي تقع بين موقعة النهروان وظهور الأزارقة، فقد كان الخوارج فيها مجرد جماعات حربية تثور هنا وهناك على الإمام علي رضي الله عنه أو على الحكم الأموي من بعده، وكانوا جميعا على رأي واحد في المطالبة بتحكيم كتاب الله ورفع المظالم والعدل في تقسيم الفيء، إلى غير ذلك مما مضى عليه سلفهم من أهل النهروان، دون أن تكون بينهم خلافات عقائدية، وليس معنى هذا أن حركات الخوارج انتهت بقيام نافع بن الأزرق وفرقته، بل ظلت تلك الحركات الثورية جنبا إلى جنب مع وجود الفرق العقائدية طوال الحكم العباسي والأموي.

ولقد انتشر هؤلاء الخوارج في بقاع كثيرة من الدول الإسلامية وكثير عددهم، وبديهي أن ذلك لا يرجع إلى مجرد هؤلاء التسعة الذين قيل عنهم إنهم هم الذين نجوا من موقعة النهروان، وإنما يرجع – كما قلنا سابقا – إلى وجود هذا العدد الكبير من الخوارج الذين لم يلتحقوا بجيش النهروان وإلى وجود من بقي من هذا الجيش بعد المعركة، وكانوا عددا كثيرا كما رجحنا من قبل، ثم إلى وجود هؤلاء الذين اعتزلوا حرب النهروان من الخوارج شكا منهم في مدى صحة موقفهم في قتال علي مثل فروة بن نوفل وغيره، وقد رأينا أنهم زادوا على 1700 رجل.

وكذلك الذين طلبوا الأمان من الخوارج فأمنهم الإمام علي ، أضف إلى ذلك الفارين من وجه العدالة والموالي وطلاب الرياسة والمطالبين بالثارات؛ فقد كان هؤلاء جميعا يشكلون حركات خروج على الإمام علي والحكم الأموي من بعده ثم الحكم العباسي.

وكان معظمهم من خوارج النهروان وما قبله ولهذا فليس هناك انفصال بين خوارج النهروان والفرق التي ظهرت فيما بعد كما يقول البعض.

وإنما تاريخ الخوارج ممتد من أسلاف الخوارج إلى أخلافهم، ولا يمنع هذا من أن الأوضاع التالية في الحكم الأموي والعباسي قد ساعدت على تعميق معنى الخروج وتكثير عدد الخوارج ممن لم يكونوا من المحكمة الأولى.

فالخروج دعوة وحركة وأتباع، وكل هذا ينتشر تلقائيا بقوة الدفعة الأولى وامتدادا مع التاريخ وتأثرا بكل الظروف والأوضاع الجديدة.

- ولقد أخذ هؤلاء الخوارج الذين انتشروا في مختلف البقاع الإسلامية – كما قلنا -  في الخروج على الإمام علي رضي الله عنه ، ودارت بين الفريقين معارك صغيرة متعددة انتهت بالقضاء على هؤلاء الخوارج  على الإمام.

ومن هؤلاء الخوارج:

 أشرس بن عوف الشيباني خرج مع جماعته في موضع يقال له الدسكرة وكانوا مئتين، ولما وصل الأنبار أرسل له علي الأبرش بن حسان مع ثلاثمائة رجل، فلما التقوا انهزم الخوارج وقتل أشرس بالأنبار في ربيع الأول عند الأشعري أو ربيع الآخر من السنة الثامنة والثلاثين عند ابن الأثير   .

وخرج عليه أيضا هلال بن علفة في ماسبذان مع أكثر من مائتين من أتباعه، فوجه إليهم علي رضي الله عنه معقل بن قيس الرياحي، ولما التقوا انهزم الخوارج وقتلوا في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة والثلاثين   .

ثم خرج الأشهب بن بشر أو الأشعث البجلي في 180 رجلا فذهب إلى مكان المعركة التي أصيب فيها سلفه هلال بن علفة فصلى عليهم ودفن من قدر عليه منهم، فأقام بجرجرايا من أرض جوخى، فأرسل إليه علي جيشا عليه جارية بن قدامة أو حجر بن عدي، وذلك في جمادى الآخر سنة 38 فقتل الأشهب وأصحابه   .

ثم خرج سعيد أو سعد بن قفل التيمي في رجب بالبندنيجين مع مائتين من الخوارج ، ثم ذهب إلى درزبنجان وهي  على فرسخين من المدائن فكتب علي إلى عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي، فخرج إليهم فقتل الخوارج  في رجب سنة 38هـ   .

وأخيرا خرج عليه رجل من أعتى الخوارج مع جيش كله من الموالي ليس فيه من العرب إلا رئيسهم، وهو هذا الخارجي ويسمى أبو مريم السعدي وخمسة آخرون؛ خرج بشهرزور وكان معه مائتا رجل أو أربعمائة كما قيل، وقد اقترب من الكوفة لشجاعته حتى لم يبق بينه وبينها إلا فرسخان أو خمسة فراسخ وقد أرسل إليه علي من يطلب إليه الرجوع إلى الطاعة ودخول الكوفة، فقال: ليس بيننا غير الحرب.

فأرسل لهم علي بن أبي طالب شريح بن هانئ في سبعمائة رجل فشد عليهم الخوارج حتى هربوا ولم يبق إلا شريح مع مائتين.

فرأى علي أن يخرج بنفسه إليهم وقبل وصوله قد أرسل جارية بن قدامة السعدي يحذرهم العصيان والحرب فلم يسمعوا منه، ولما وصل إليهم علي دعاهم أيضا إلى الطاعة والجماعة فأبوا، فحمل عليهم علي بجيشه فقتلوهم ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا طلبوا الأمان، وذلك في شهر رمضان. وأدخل معه إلى الكوفة أربعين رجلا منهم لمداواتهم حتى برئوا   .

ونلحظ هنا أن أولئك الخوارج الذين خرجوا على علي قد قضى عليهم جميعا في سنة 38هـ.