موقف الصحابة من الخوارج -1-الحوار والمناقشة وإزالة الشبه

الدرر السنية.. موسوعة الفرق

موقف الصحابة من الخوارج -1-الحوار والمناقشة وإزالة الشبه



لقد حاور الصحابة رضي الله عنهم الخوارج، وحاولوا من خلال هذا الحوار مناقشة الأمور التي خالفت فيها الخوارج وكانت سبب خروجهم، وحاولوا إزالة الشبه التي عرضتها الخوارج وجعلتها مبررا ومسوغا لخروجهم. وكان هذا الحوار وتلك المناقشة أكثر من مرة، وفي أكثر من موضع ومن أكثر من شخص، وكان الحوار ناجحا إذ من خلاله زالت شبه جماعة من الخوارج، وعادوا إلى الحق، وانضموا إلى الجماعة.

يروي الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أن عبد الله بن شداد  (1) جاء إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: "يا عبدالله بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ فحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، فقال: ومالي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم، قال: فإن عليا لما كاتب معاوية وحكم الحكمين؛ خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، وأنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله، واسم سماك به الله، ثم انطلقت فحكمت في دين الله ولا حكم إلا لله، فلما أن بلغ على ما عتبوا عليه وفارقوه عليه، أمر فأذن مؤذن لا يدخل على أمير المؤمنين رجل إلا رجلا قد حمل القرآن، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس؛ دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف! حدث الناس.

فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فماذا تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا؛ بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله تعالى: في كتابه في امرأة من رجل وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [النساء: 35]. فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا علي أن كاتبت معاوية كتبت: علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية حين صالح قومه قريشا..  (2) .

وأكمل القصة ثم إنه بعث إليهم عبدالله بن عباس ليناظرهم.

وقيل إن عليا رضي الله عنه ذهب إليهم وناظرهم فيما نقموا عليه حتى رجعوا ودخلوا معه الكوفه، ثم إنهم عاهدوا فنكثوا ما عاهدوا عليه  (3) .

ونلحظ أن عليا رضي الله عنه أراد في جمع قراء الناس أن يلزم الخوارج الحجة، وأن يبين للناس أن إدعاء الخوارج على علي رضي الله عنه أنه حكم الرجال لا أساس له من الصحة،فأراد إيضاح حقيقة ما حصل من قبول التحكيم، وأنه عين ما يريدون من تحكيم كتاب الله عز وجل، وأنه رضي الله عنه ما خرج عن حكم الكتاب العزيز، ولكن عقول هؤلاء الخوارج قاصرة عن إدراك حقيقة الأمر، ونظرهم محدود، قد غطت الشبهات أعينهم فما عادوا يبصرون إلا من خلالها.

ولقد جاء رضي الله عنه بالحجة المقنعة فجاء بالمصحف فوضعه بين يديه وجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس!

إن كل من له عقل يعلم أن المصحف لن يرد ولن يتحدث أو يحكم، وإنما الحكم بكتاب الله يكون بالرجوع إلى العلماء الحافظين له العاملين بمعانيه ومقاصده، وهذا ما فعله علي رضي الله عنه من تحكيم صحابيين جليلين، واشترط عليهما تحكيم الكتاب والسنة، فيرجع إلى مقتضى النصوص لا إلى الأهواء والمصالح الشخصية.

وهذه مقدمة ما احتج به رضي الله عنه وما رد به على اعتراضات الخوارج، وبنود هذه المناظرة هي التي ناظرهم بها عبدالله بن عباس رضي الله عنهما لما بعثه إلى الخوارج، فيحتمل أن ابن عباس سمع عليا رضي الله عنه لما قال ما قال عند جمع قراء الناس، ثم سار إلى الخوارج في ديارهم، وناظرهم فيما نقموا واعترضوا، وهذا نص المناظرة التي جرت بين عبدالله بن عباس وبين الخوارج.

يقول عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: (لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف، وأجمعوا على أن يخرجوا على علي، فكان لا يزال يجيء إنسان، فيقول: يا أمير المؤمنين! إن القوم خارجون عليك. فيقول دعوهم؛ فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسوف يفعلون.

فلما كان ذات يوم؛ أتيته قبل صلاة الظهر، فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة؛ لعلي أكلم هؤلاء القوم. قال: فإني أخافهم عليك. قلت: كلا، وكنت رجلا حسن الخلق، لا أؤذي أحدا. فأذن لي، فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن، وترجلت، ودخلت عليهم في دار النهار وهم يأكلون، فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا، جباهم قرحة من السجود، وأياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة، مشمرين، مسهمة وجوههم.

فسلمت عليهم، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس! وما هذه الحلة عليك؟! قلت: ما تعيبون مني، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون في ثياب اليمنية، ثم قرأت هذه الآية:قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف: 32].

فقالوا: فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره - وعليهم نزل القرآن؛ فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحدا -؛ لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون.

فقالت طائفة منهم: لا تخاصموا قريشا؛ فإن الله عز وجل يقول بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 58]. فانتحي لي نفر منهم، فقال اثنان أو ثلاثة: لنكلمنه. قلت: هاتوا؛ ما نقمتكم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه؟

قالوا: ثلاث. قلت: ما هن؟ قال: أما إحداهن؛ فإنه حكم الرجال في أمر الله، وقال الله: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ [الأنعام:  57]. ما شأن الرجال والحكم؟ قلت: هذه واحدة. قالوا: وأما الثانية؛ فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم؛ إن كانوا كفارا؛ لقد حل سبيهم، ولئن كانوا مؤمنين؛ ما حل سبيهم ولا قتالهم. قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ وذكر كلمة معناها. قالوا: محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين؛ فهو أمير الكافرين. قلت: هل عندكم شيء غير هذا ؟ قالوا: حسبنا هذا. قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد قولكم؛ أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: أما قولكم: "حكم الرجال في أمر الله؛ فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه. أرأيت قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ[المائدة:  95]. وكان من حكم الله أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء يحكم فيه، فجاز من حكم الرجال. أنشدكم بالله! أحكم الرجال في إصلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب  ؟! قالوا: بلى؛ بل هذا أفضل. وفي المرأة وزوجها: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [النساء: 35]. فنشدتكم بالله! حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟! خرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم: "قاتل ولم يسب ولم يغنم"؛ أفتسبون أمكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها؛ فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا؛ فقد كفرتم: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:  6]. فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج. أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. وأما محي نفسه من أمير المؤمنين؛ فأنا آتيتكم بما ترضون: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي: ((اكتب يا علي! هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو نعلم أنك رسول الله، ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امح يا علي! اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا علي! واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله))  (4) ، والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم خير من علي، وقد محى نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة! أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقتلوا على ضلالتهم، قتلهم المهاجرين والأنصار)  (5) .

لقد حوت هذه المناظرة كثيرا من شروط المناظر، وضوابط المناظرة وطرق إحكام الرد وإفحام الخصم وذلك كالآتي:

شروط المناظر: 

ينبغي أن يختار المناظر اختيارا بأن يكون قوي الحجة، غزير العلم، ذكيا فطنا حاضر البديهة، حسن الجواب، حسن الخلق والهيئة، متواضعا حليما متأنيا، تقيا منصفا  (6) .

ولقد توافرت هذه الشروط في حبر الأمة عبدالله بن عباس، ووجد نفسه أهلا لذلك فاستأذن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لمناظرتهم، فخاف علي عليه، فقال ابن عباس: "كلا" وعلل ذلك بما يتصف به من صفات من أنه رجل حسن الخلق لا يؤذي أحدا.

وقد اهتم بمنظره وهيئته إذ أول ما يطالع الخصم هيئة المناظر قبل حديثه، لذلك لبس رضي الله عنه حلة من أحسن ما يكون من اليمن وترجل.

ضوابط المناظرة، وطرق إحكام الرد وإفحام الخصم:

1- اختيار الوقت المناسب للحوار والمناظرة، وقد اختار ابن عباس وقتا مناسبا ليتمكن من الحديث معهم دون مقاطعة من أحد أو انصراف من آخر، فاختار وقت فراغهم وعدم انشغالهم لا بالعمل ولا بالعبادة، فجاءهم وهم يأكلون، والطعام موضع حديث.

2- اختيار المكان المناسب الذي يتيح للمعارض الحديث بحرية وأمان، فيظهر كل ما يعترض عليه وما يشكل عنده، إذ غرض المناظرة والحوار إيضاح موضع الإشكال وإزالة الشبهة، فسار ابن عباس رضي الله عنه إلى الخوارج في دارهم  (7) .

3- تحديد موضوع المناظرة، فينبغي أن يكون موضوعا محددا تدور حوله المناظرة، فإذا أجيب عنه انتقل إلى غيره، حتى لا يتشتت الذهن مع موضوعات شتى، وينبغي أن يصرح ويحدد موضوع المناظرة بوضوح حتى لا يقع إشكال من أحد الطرفين، لذلك حدد ابن عباس رضي الله عنهما مدار الحوار فقال: "هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه"  (8) .

4- الإقرار بما عند الخصم من الخير والحق، فابن عباس رضي الله عنه وصف اجتهادهم في العبادة ولم يكتمه، وهذا من الإنصاف والتجرد عن الهوى  (9) .

5- تذكير الخصم بالرغبة الصادقة في الحوار والاستماع إليه، وبيان أن الهدف هو الوصول إلى الحق، لذلك يبين ابن عباس سبب مجيئه فقال: "لأبلغكم ما يقولون وأبلغهم ما تقولون"  (10) .

6- تحديد الأصل الذي يرجع إليه ويحتج به، وينبغي أن يكون متفق على صحته عند الخصمين، وقد حدد ابن عباس رضي الله عنه ذلك فقال: "أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه ما يرد قولكم أترجعون؟"  (11) .

7- توثيق المعلومات بالأدلة التي يحتج بها الطرفان  (12) ، فابن عباس رضي الله عنه لا يذكر شيئا إلا ويستدل عليه من كتاب الله أو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

8- استماع حجة الخصم كاملة، وعدم العجلة بالجواب حتى يعلم ما عند القوم كله، ويتصور مرادهم، ووجه اعتراضهم بشكل متكامل، ثم يجيبهم بجواب يقطع حجتهم، وهذا ما فعله ابن عباس رضي الله عنه فاستمع إلى اعتراضاتهم الثلاثة، ثم أجاب عنها واحدة واحدة  (13) .

9- العلم بحال الخصم، وتوقع ردة فعله، ومحاولة الاستفادة من ذلك في إقامة الحجة عليه، فابن عباس رضي الله عنه كان يعلم زهد الخوارج وتقشفهم في العبادة وغلوهم في ذلك، فلما أراد السير إليهم لبس حلة من أحسن ما يكون من اليمن، فأنكروا عليه ذلك - وكان يتوقع إنكارهم – فرد عليهم أن هذا وارد في الكتاب والسنة، وفي رده عليهم قرر أمرين: الأول: جهلهم بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، الثاني: أنهم لجهلهم يعيبون وينكرون أمورا هي واردة في الكتاب والسنة، مثل هذا الأمر، ومثل إنكارهم على علي أمر التحكيم. وإن كان لم يصرح بهذين الأمرين أو يعلنهما، ولكنهما ينفذان للنفوس والأذهان.

10- إظهار حقيقة الخصم إن كان جاهلا بالكتاب والسنة  (14) عن طريق إضعاف موقفه بالحجة والدليل، وهذا ما فعله ابن عباس أول ما قدم إليهم أنكروا عليه أمر حلته، فبين جهلهم وأنه أعلم منهم بما ورد في الكتاب والسنة، وقرر أنه شاهد ما لم يشاهدوا من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذلك لما سئل ما جاء بك؟ زاد في الإجابة ليؤكد هذا الأمر فقال: "أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد".

فهو ها هنا يؤكد أمرين: الأول: فهم الصحابة رضي الله عنه للقرآن الكريم وعلمهم بتأويله إذ عليهم نزل، بخلاف الخوارج الذين قرؤوا القرآن فظنوا أنهم ساووا الصحابة في الفهم، فبين ميزة الصحابة وتفردهم بنزول القرآن بين أظهرهم. الثاني: بيان جهل الخوارج، وإظهار حقيقتهم، وأنه ليس فيهم صحابي واحد، فبهذه المقدمة قرر أمرين: عمق علم المعترض عليهم، والذي يقتضي قوة حجتهم وقوة موقفهم، جهل المخالفين المعترضين مما يضعف موقفهم.

11- للمناظر أن يشترط على الخصم إن هو أفحمه وأقام عليه الحجة أن يرجع عن قوله، ويقر بخطئه  (15) ، لذلك قال ابن عباس: "أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله... أترجعون؟ قالوا: نعم "فاشترط عليهم وقبلوا، وهذا من إقامة الحجة عليهم.

12- من طرق إحكام الرد وإفحام الخصم: الاستدلال على جواز أصل ما اعترضوا عليه، والاستدلال بما يحتجون به، إذ كانوا معترضين على تحكيم الرجال في أمر الله مطالبين بتحكيم الكتاب، فبين لهم أن الله عز وجل قد صير حكمه إلى الرجال في مسائل، فينبغي ألا يعارض حكم الله في تحكيم الرجال، ولو اعترضوا لصاروا هم المخالفين لحكم الله، فنقض شبهتهم وقلبها عليهم  (16) .

13- من طرق إحكام الردود وإفحام الخصم: استخدام القياس وذلك لما قال لهم "أحكم الرجال في إصلاح ذات البين، وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب" وقال: "أفضل من حكمهم في بضع امرأة" ؟! وهذا من أحسن القياس وأوضحه  (17) .

14- من طرق إحكام الردود وإفحام الخصم: نقض حجة الخصم بأن يمثل لقوله بمثال هو باطل عنده، ليعلم الخصم أن بطلان قوله كبطلان ما مثله به  (18) ، وذلك حينما رد عليهم ابن عباس لما قالوا: "قاتل ولم يسب ولم يغنم"، فهذا أمر عام جاء له بمثال هم يبطلونه فقال: "أفتسبون أمكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟..."  (19) ثم بين لهم اللوازم الباطلة التي تلزم من قولهم هذا، فدل على بطلان الملزوم.

15- إحكام النقض، للشبه المعروضة، وكشف زيفها وتصييرها هباء منثورا  (20) ، فهذا ابن عباس رضي الله عنه قد أحكم نقض شبههم وقررهم بذلك.

16- حسن الصياغة بالتزام اللسان العربي الفصيح، والإتيان بالكلام الطيب بعيدا عن الشتم والفظاظة في الرد، والاقتصاد في السياق، فيؤتى بالألفاظ على قدر المعاني دون تطويل لا حاجة له، أو تكرار يخل ويمل  (21) . ولقد كان ابن عباس رضي الله عنه حسن الصياغة بكل معاييرها في هذه المناظرة فتأمل.

17- التنبيه إلى وجوب النظر إلى حقيقة الأمر وإلى واقع الحال، والبعد عن السطحية والغلو، فقال في جوابه عن الاعتراض الأخير في مسح علي اسم الإمرة في كتاب التحكيم، "ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه عن النبوة".

18- العلم بعقلية الخصم وطريقة تفكيره حتى تجري المناظرة وفق ما يناسب ذلك، فنلحظ أن ابن عباس رضي الله عنهما استمع إلى حججهم، ثم تولى الإجابة عن المسائل وهم يستمعون، وهو في أثناء ذلك ينقلهم من مسألة إلى مسألة، ومن جزئية إلى جزئية، ويجيب بشكل مباشر وواضح، ويقررهم على كل واحدة،وهم يقرون "بنعم، وبلى"، وهذا من فقه ابن عباس رضي الله عنه وعلمه بطبيعتهم الحادة المتسرعة، ونظرتهم القاصرة، وسطحية التفكير فهم ليسوا بأهل جدل وكلام، ثم إنهم يتأثرون بالعصبية، وقد يعزلهم الصخب الجماعي عن التفكير والفهم، ومتابعة الحوار، لذلك قالوا كل اعتراضاتهم، ثم تولى الإجابة دون مقاطعات.

لذلك ينبغي عند مناقشة مثل هذا النوع أن يكون الحوار فرديا لا جماعيا قدر الإمكان حتى يعزلوا عن تأثير الجماعة، وتخف وطأة العصبية  (22) ، ويكون المجال أرحب للتفكير والموازنة فيما يطرح عليهم، وفيما عندهم من خلفيات.

وينبغي تكرار المناقشة والرد على الشبهات أكثر من مرة، ومن أكثر من شخص مع مراعاة وقت زمني بين كل مرة وأخرى، إذ في هذه الجماعات من هم مغرورون قد تأثروا بالشعارات البراقة التي يرفعها الخوارج من الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحكيم كتاب الله، فتدفع طائفة منهم العاطفة الدينية الجياشة، وحب الخير للانضمام إلى هذه الجماعات، ولكن ما إن يبدأ الحوار، وتناقش الأمور، ويفكر المرء بما يقال حوله، فالشبهة سرعان ما تزول بإذن الله.

يقول جابر بن عبدالله رضي الله عنه: "بعثنا عثمان بن عفان في خمسين راكبا وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري  (23) حتى أتينا ذا خشب، فإذا رجل معلق المصحف في عنقه، تذرف عيناه دموعا، بيده السيف وهو يقول: ألا إن هذا – يعني المصحف- يأمرنا أن نضرب بهذا يعني السيف – على ما في هذا – يعني المصحف فقال محمد بن مسلمة: اجلس، فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك، فجلس فلم يزل يكلمهم – أي ابن مسلمة رضي الله عنه – حتى رجعوا  (24) .

ومن مناظرات الصحابة للخوارج وإلزامهم بالأصل الذي يقرون به، ما جرى بين عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما حيث يقول: "لقيني ناس ممن كان يطعن على عثمان ممن يرى رأي الخوارج، فراجعوني في رأيهم وحاجوني القرآن. قال: فلم أقم معهم ولم أقعد، فرجعت إلى الزبير منكسرا فذكرت ذلك له، فقال الزبير رضي الله عنه: إن القرآن قد تأوله كل قوم على رأيهم وحملوه عليه، ولعمر الله إن القرآن لمعتدل مستقيم، وما التقصير إلا من قبلهم، ومن طعنوا عليه من الناس فإنهم لا يطعنون على أبي بكر وعمر، فخذهم بسنتهما وسيرتهما، قال عبدالله: فكأنما أيقظني بذلك، فلقيتهم فحاججتهم بسنة أبي بكر وعمر، فلما أخذتهم بذلك قهرتهم وضعف قولهم"  (25) .

ونجد أن المناقشة وإقامة الدليل والإجابة على التساؤلات تزيل كثيرا من الشبه التي تعترض الخوارج وتدعوهم إلى الخروج على الجماعة المسلمة وقتالهم: ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن يزيد الفقير  (26) قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج  (27) ، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، وقال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبدالله يحدث القوم جالسا إلى سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون، والله يقول: رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [آل عمران:192] كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: 22]. فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد صلى الله عليه وسلم يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يخرج الله به من يخرج قال: ثم نعت وضع الصراط ومرور الناس عليه. وقال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم  (28) ، قال: فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا قلنا: ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجعنا فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد