انحراف عقيدة الجهمية عن عقائد السلف

أ. د. مصطفى حلمي

انحراف عقيدة الجهمية عن عقائد السلف

 

الجهمية: أتباع جهم بن صفوان:

أي بدعة الجبر ونفي الصفات الإلهية:

نشأ الجهم بن صفوان بسمرقند بخراسان وكان تلميذ الجعد بن درهم وتلقى عنه منهجه في التأويل.

 

ويروى أن خالد بن عبد القسري خطب الناس بواسط فقال: (يا أيها الناس، ضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد علوًّا كبيرًا، ثم نزل فذبحه).

 

قال الذهبي: (والجهمية والمعتزلة تقول هذا، وتحرف نص التنزيل في ذلك وزعموا أن الرب منزه عن ذلك)[1].

 

وإلى جهم ينسب الجبر ونفي الصفات الإلهية، فبدعه العلماء وفسقوه لأن تأويلاته المنحرفة خالفت النصوص الشرعية الدالة على إثبات الصفات والأسماء الحسنى لله تعالى والمثبتة لحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله ونفي الجبر عنه، وقد تصدى للرد عليه أئمة أهل السنة أمثال ابن حنبل وابن قتيبة وابن المبارك وغيرهم.

 

ومن العجب أنه بالرغم من اعتقاد جهم بن صفوان بالجبر إلا أنه خرج مع الحارث بن سريح على بني أمية وقتل مما ينبئ على فعله ما لا يعتقد إذ لو اعتقد الجبر حقيقة لانعكس أثره على فعله ومنعه من الخروج على بني أمية.

 

ومع أنه يعد جبريًا كما وصفه الشهرستاني، إلا أنه في الوقت نفسه يعد من شيوخ المعتزلة لقوله بنفي الصفات وخلق القرآن[2].

 

ويعطينا الأشعري صورة أدق وأشمل لمعتقداته حيث يذهب إلى أنه (لا فعل أحد في الحقيقة إلا الله وحده، وأنه هو الفاعل وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال: تحركت الشجرة ودار الفلك وزالت الشمس، إنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله سبحانه، إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختيارًا له منفردًا بذلك كما خلق له طولًا وكان به طويلًا ولونًا وكان به متلونًا).

 

والمغالطة في قوله واضحة في التسوية بين أفعال العبد والصفات التي خلقوا بها كما يتبين من معالجتنا لمسألة القضاء والقدر، فإن خلقه الإنسان: طوله وعرضه وباقي صفاته ليست مرادًا له ولا مقدورًا له، وأما أفعاله الداخلة تحت مشيئته وقدرته فهي أفعال له ومقدوره ومراده[3].

 

وقد بدأ الصحابة في استخدام اصطلاح البدعة مقابل (السنة) إذ عدوا كل من خرج على السنة فهو من قبيل البدع (فإن السنة التي يجب إتباعها هي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والسنة تذكر في الأصول والاعتقادات، وتذكر في الأعمال والعبادات وكلاهما يدخل فيما أخبر به وأمر به[4].

 

ويقسم ابن تيمية البدع إلى نوعين: نوع كان يقصد أهلها متابعة النص فأخطأ في فهم الآيات القرآنية والأحاديث. كالخوارج والشيعة المعتدلين والمرجئة. أما النوع الثاني - وهو الجهمية - فلم يكن أصل دينهم إتباع الكتاب والرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ إنهم نفوا الصفات التي أثبتتها النصوص.

 

ويقول في عبارة جامعة[5]:

(ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس إلا وفي القرآن بيان معناه، فإن الله جعله شفاء لما في الصدور وبيانًا للناس، فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - إما أن لا يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه، فحينئذ يكونون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة ومن هنا يقع الشر وتفرق الدين التي تحدث بالسيف، فالفتن القولية والعملية هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم فإذا انقطع نور النبوة عنهم وقعوا في البدع وحدثت البدع والفجور، ووقع الشر بينهم، فمسائل النزاع في الأصول والفروع إذا لم ترد إلى الله ورسوله لم يتبين فيها الحق بل يصير المتنازعون فيها على غير بينة من أمرهم.

 

وقبل الانتقال إلى بحث ما آلت إليه هذه الانشقاقات في دوائر المتكلمين وأكبرهم المعتزلة والأشاعرة، علينا بحث موقف السلف حينذاك، فترى في وصف أبي حنيفة ما يوضح لنا الاتجاه الصحيح السائد للمسلمين، العارض لكل ما حدث من نزاع، فقد سئل عن أهل الجماعة، فأجاب:

"الجماعة سبعة أشياء أن يفضل أبا بكر وعمر، وأن يحب عثمان وعليًا، وأن يصلي على من مات من أهل القبلة بذنب، وألا ينطق في الله بشيء من رأيه ولكنه يصفه بما وصف به نفسه".

 

وكذلك قال من أصحابه أبو يوسف:

(مذهب أهل الجماعة عندنا وما أدركنا عليه جماعة أهل الفقه، ممن لم يأخذ من البدع والأهواء، أن لا يشتم أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يذكر فيهم عيبًا، ولا يذكر ما شجر بينهم فيحرف القلوب عنهم، وأن لا يشك بأنهم مؤمنون، وأن لا يكفر أحدًا من أهل القبلة ممن يقر بالإسلام، ويؤمن بالقرآن، ولا يخرجه من الإيمان بمعصية إن كانت فيه، ولا يقول بقول أهل القدر، ولا يخاصم في الدين فإنها من أعظم البدع.) .

===============================

[1] الذهبي: العلو للعلي الغفار- ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة 1388هـ- 1968م.

[2] أحمد أمين: ضحى الإسلام ج 3 ص 81.

[3] ابن تيمية: منهاج السنة ج 1 ص58.

[4] ابن تيمية: النبوات ص 67 (السنة والبدعة بالتفصيل).

[5] ابن تيمية: النبوات ص 95.