الخوارج بين العقل والشرع في التحسين والتقبيح

موسوعة الفرق

بين العقل والشرع في التحسين والتقبيح



للعلماء اتجاهان في تحديد موقف الخوارج من العقل

الاتجاه الأول: وهو اتجاه من يذهب إلى أن الخوارج يرون قدرة العقل على إدراك المعرفة بنفسه مستقلاً عن السمع، وأن السمع إنما يأتي مصدقاً لأحكامه، وبناء على هذا الاتجاه يصح لنا أن نصف الخوارج بأنهم عقلانيون، وذلك لأنهم قدموا العقل في كثير من القضايا مدعين أنه يستطيع أن يصل إلى معرفة الأشياء الحسنة والأشياء القبيحة بنفسه وأن العدل ما يقتضيه العقل، وهذا هو مذهب المعتزلة.

وفي هذا يذكر الشيخ المفيد أن المعتزلة والخوارج والزيدية متفقون في هذا الاعتقاد، أي القول باستطاعة العقل معرفة الواجبات الشرعية، دون السمع، يقول الشيخ المفيد في هذا: " أما المعتزلة والخوارج والزيدية فعلى خلاف ذلك أجمعوا وزعموا أن العقول تعمل بمجردها عن السمع"  (1) .

وقد ظهر تمسك الخوارج بالتحسين والتقبيح والعقليين في أكثر أمورهم التي ادعوا أن العقل يدرك حقيقتها دون الرجوع إلى الحكم الشرعي فيها لتصحيح الحكم بحسنها أو قبحها، بل العقل يدرك في كل خصلة مدى قبحها أو حسنها، بما في الفعل من خاصية يدرك العقل حين وردوها عليه الحكم فيها، والشروع حين يحكم فيها بحكم إنما يأتي كمخبر عنه وليس مثبتاً للحكم فيها.

وفي هذا يقول البغدادي بعد أن ذكر بعض الفرق التي اتفقت في الاعتقاد في هذا الباب وهم الثنوية والتناسخية والبراهمة والخوارج والكرامية والمعتزلة... إلخ، اتفق هؤلاء كلهم فيما يذكر: " فصاروا إلى أن العقل يستدل به على حسن الأفعال وقبحها على معنى أنه يجب على الله الثواب والثناء على الفعل الحسن، ويجب عليه الملام والعقاب على الفعل القبيح، والأفعال على صفة نفسية من الحسن والقبيح، وإذا ورد الشرع بها كان مخبراً عنها لا مثبتاً لها"  (2) .

بينما الأمر عند أهل الحق في التحسين والتقبيح كما يقول: " أن العقل لا يدل على حسن الشيء وقبحه في حكم التكليف من الله شرعاً"  (3) .

وقد اعتبر ابن الجوزي الخوارج هم أول من نادى بتحسين العقل وتقبيحه، أي قبل ظهور المعتزلة، وما المعتزلة عنده إلا آخذة عن الخوارج هذا الأصل ومقلدة، لهم ويقول في ذلك: " ومن رأي هؤلاء (يعني الخوارج) أحدث المعتزلة في التحسين والتقبيح إلى العقل وأن العدل ما يقتضيه"  (4) .

ويقول عنهم عثمان بن عبد العزيز الحنبلي في مخطوطته "منهج المعارج": " ومن رأيهم (الخوارج) أخذت المعتزلة التحسين والتقبيح بالعقل وضرب الأمثال به، وأن العدل ما يقتضيه"  (5) .

وهناك فرقة من الخوارج وهي "الأطرافية" تزعم أن العقل يعرف الواجبات العقلية وأنه يعرف به أيضاً الواجبات الدينية، ولهذا فقد رأوا أن أهل الأطراف النائية من البلدان معذورون فيما لم يعرفوا عن الشرع نصاً في أمر من الأمور إذا عملوا ما يقره العقل.

يقول الشهرستاني عن هذه الفرقة: إنهم " عذروا أصحاب الأطراف في ترك ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما يعرف لزومه من طريق العقل وأثبتوا واجبات عقلية"  (6) ، وقد وصف الشهرستاني كذلك المحكمة الأولى بأنهم من "أشد الناس قولاً بالقياس"  (7) ، والقياس استعمال للعقل في تعديه الحكم وإن كان قائماً على أساس من النص الشرعي.

بل لقد رأينا يسند إلى ذي الخويصرة الذي يعتبره زعيم الخوارج الأول القول بالتحسين والتقبيح العقليين حيث يقول: " وذلك (يعني به قول ذي الخويصرة للنبي صلى الله عليه وسلم: " هذه قسمة ما أريد بها وجه الله") خروج صريح على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجياً فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجياً، أو ليس قولاً بتحسين العقل وتقبيحه وحكماً بالهوى في مقابلة النص واستكباراً على الأمر بقياس العقل"  (8) .

الاتجاه الثاني: وفي مقابل القول السابق أن الخوارج يقولون بقدرة العقل على الحكم على الأشياء والأفعال؛ نجد من يعكس الأمر ويذهب إلى أن الخوارج لا ترى للعقل أي ميزة في الحكم على الأفعال من حسن وقبيح، وهذا الرأي قد قال به أحمد الصابوني الماتريدي فيما يرويه عنه الطالبي بقوله: إنه - أي الصابوني- " يزعم أن الخوارج المحكمة يرون مع الملاحدة والروافض والمشبهة أن العقل لا يعرف به شيء ولا يوجب شيئاً من الأحكام العقلية أو الشرعية لا على الأفعال ولا على الأشياء". 

وقد اعتبر الطالبي رأي أحمد الصابوني كأنه خبر آحاد خاصة أنه لم يبين لنا سنده ولا مصدره، بخلاف من تقدم النقل عنهم وهم القائلون بعقلانية الخوارج، فإنهم أولى – على حد تعبيره – بقبول قولهم منه لكثرة إطلاعهم على آراء الخوارج  (9) .

وما قاله الصابوني هنا عن الخوارج يتفق مع ما ذكره الأشعري عن حاكٍ لم يعين اسمه حكى عن الخوارج أنهم " لا يرون على الناس فرضاً ما لم تأتهم الرسل، وأن الفرائض تلزم بالرسل واعتلوا بقول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: 15]  (10) .

ولعلنا بعد أن عرضنا هذين الاتجاهين في تحديد موقف الخوارج بين العقل والنقل فيما يتعلق بالمعرفة وإدراك حسن الأفعال وقبحها – لعلنا بعد عرضنا لهذين الاتجاهين نجد أن الاتجاه الأول وهو القول بأن الخوارج عقليون؛ قد تضافرت على توثيقه وشرحه أقوال كثرة من العلماء لم تتوافر للاتجاه الثاني وهو القول بأن الخوارج يرجعون بالمعرفة وبالتحسين والتقبيح إلى الشرع. 

فالأشعري يحكي ذلك عن حاك مجهول لم يذكر اسمه كما قلنا، وقد قلنا من قبل كذلك أن الطالبي قد جعل قبول أقوال العلماء الكثيرين في الاتجاه الأول أولى من قبول كلام الصابوني الذي لم يبين مصدره ولا سنده فيه، ولا يفوتنا أن ننوه بالأسماء التي حكمت على الخوارج بأنهم عقليون كالبغدادي والشهرستاني وابن الجوزي والشيخ المفيد وعثمان الحنبلي.

وإن كنا نجد من الواجب علينا أن نختم هذه الكلمة بالإشارة إلى تلك الصعوبة التي شرحناها في مقدمة هذا البحث، وهي أننا في كثير من الأحيان نأخذ آراء الخوارج من كتب غيرهم، وفيما يتعلق بهذه المسألة بالذات فإنه لم يقع لي فيما اطلعت عليه من كتب الخوارج المطبوعة والمخطوطة نص فيها، وإنما رجحنا كفة الفريق الأول من العلماء لما قدمناه من مبررات.

وإذا أردنا أن نضع الاتجاه العقلي في ميزان الإسلام ؛ فالواجب في هذا المقام أن يقال ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية من أن "ما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم، كما أن ما أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم، وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك"  (11) .

ويجب أن يعتقد كل مسلم أن لا حسن ولا قبح ولا عقل في مقابلة الشرع، فإذا صح النص عن الله تعالى أو عن رسوله؛ وجب التسليم له دون معارضته بأي نوع من المعارضة، فإن معارضة العقل للنقل خطأ واضح معلوم الفساد كما قال ابن القيم رحمه الله  (12) .

وأخيراً فإن مذهب السلف في هذا الباب هو الاعتقاد بأنه ليس في فعل من الأفعال معنى حسن يقتضي وجوبه أو ندبه أو ثواب فاعله أو معنى قبيح يقتضي كراهيته وحرمته وجزاء ذلك، بل الأفعال كلها سواسية، بل حسن الفعل هو أمر الله تعالى به، وقبحه هو نهي الله تعالى عنه، وليس فيه معنى يوجب ذلك حتى لو أمر بشيء كان حسناً، فإذا ما نهى عنه بعد ذلك صار قبيحاً، وبالعكس إذا نهى عن أمر كان قبيحاً، فإذا أمر به بعد ذلك كان حسناً، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا بالشرح والوحي.