أشهر دعاة الدروز وآراؤهم

موسوعة الفرق

أشهر دعاة الدروز وآراؤهم



ترتبط بداية المذهب الدرزي بثلاثة من الدعاة هم: حمزة بن علي بن أحمد الزوزني ويعرف باللباد، والحسن بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم، ومحمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بـ (أنوشتكين أو نشتكين).

والمؤرخون مختلفون في ترتيب أسبقيتهم في الدعوة الجديدة، ومع أن اسم الدروز مرتبط باسم (الدرزي)، إلا أن بعضهم يجعل البداية لحمزة – وهو الأرجح كما سنرى – والبعض الآخر يجعلها لمحمد الدرزي. 

أما الدروز فيعتبرون حمزة هو مؤسس المذهب وهو الإمام، وأن الدرزي قد حاد عن تعاليم حمزة، وأنه كان أحد أتباعه، مما جعل حمزة يهاجمه في كثير من رسائله، لذلك فإن الدروز يكرهون الدرزي هذا ويلعنونه.

أما الأخرم فالأرجح أنه كان داعيًا من دعاة حمزة في أول ظهوره. ولكي نعطي لمحة وافية عن هؤلاء الدعاة، نتحدث عن كل واحد منهم، ونبدأ بحمزة بن علي: 

حمزة بن علي بن أحمد الزوزني: (ولد حمزة في مدينة (زوزن) في خراسان مساء الخميس في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة 375 هـ، وهو اليوم الذي ولد فيه الحاكم بمصر، ولعل ذلك هو السبب في أن الدروز يقيمون الصلاة الأسبوعية مساء كل خميس)  (1) .

واختلف المؤرخون في زمن وفوده إلى مصر، فالبعض منهم يجعلها متقدم كثيرًا في سنة 395 هـ، حيث كان عمره عشرين عامًا)  (2) .

وغالبية المؤرخين تجعل موعد قدومه حوالي سنة 405 هـ أو قبلها بقليل)  (3) .

وانتظم حمزة بين الدعاة الإِسماعيليين الذين كانت تغص بهم القاهرة يومئذ، ويرجح الدكتور محمد كامل حسين أنه لم يكن من الدعاة، بل كان يؤدي عملاً في القصر، وكان على اتصال دائم بالحاكم، ويضيف قائلاً: (ويغلب على ظني أن حمزة كان أحد الخدم الخصوصيين للحاكم، وكان خادمًا ذكيًا لبقًا ذا حيلة ودهاء وخيال خصب، وكان بحكم عمله في القصر يستمع إلى مجالس الحكمة التأويلية فوعاها وحفظ منها كثيرًا، وربما قرأ كتب الدعوة التي كانت بالقصر فأفادته في تلوين عقليته وتوجيه أفكاره إلى ما يرضي طموحه ويحقق آماله، وظل هذه السنوات يهيئ نفسه لذلك)  (4) .

ومما يؤكد هذا الرأي ركاكة ألفاظه في رسائله – إذ كما يقول الدكتور محمد كامل حسين: - (لم يكن من الكتاب لأن أسلوبه في رسائله وكتبه ليس به هذا الإشراق، وتلك الديباجة، وهذه الرصانة، التي عرفت عن كتاب الفاطميين ودعاتهم)  (5) .

لذلك – وكما يقول الأستاذ عبد الله النجار -: (تنم من تعابيره كلمات فارسية دخيلة على أسلوب الإنشاء العربي)  (6) .

وتقول بول هنري بوردو عن حمزة وأهدافه البعيدة: (وكان حمزة في الحقيقة داهية دهياء متعمقًا في المباحث الدينية القديمة، وأن العقائد التي نادى بها تدل تمامًا على أنها ذات العقائد التي كان ينادي بها المقنع الخراساني  (7) ، هذا اليهودي الذي هاج في خراسان سنة 160 هـ)  (8) .

وسرعان ما أصبحت لحمزة حظوة عند الحاكم، بعدما أظهره من إخلاص، واستطاع بحنكته ودهائه أن يجمع حوله بعض الدعاة ويتفقوا سرا للدعوة إلى تأليه الحاكم بأمر الله، ومن هؤلاء كان محمد بن إسماعيل الدرزي.

ويظهر أن حمزة بن علي، وكما يتضح في رسائله، قد اتفق مع دعاته ألا يجهر أحدهم أو يكشف عن مضمون المذهب الجديد، إلا بعد تلقي الأوامر منه نفسه، ولكن الدرزي تسرع في الكشف عن أسرار الدعوة الجديدة سنة 407 هـ، مما أثار الناس، وحمل حمزة على الكشف عن دعوته سنة 408 هـ. 

يقول حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة) موضحًا هذه النقطة: 

(وغطريس هو نشتكين الدرزي الذي تغطرس على الكشف بلا علم ولا يقين، وهو الضد الذي سمعتم بأنه يظهر من تحت ثوب الإِمام، ويدعي منزلته... إلى أن يقول: وكذلك الدرزي كان من جملة المستجيبين حتى تغطرس وتجبر وخرج من تحت الثوب، والثوب هو الداعي، والسترة التي أمره بها إمامه حمزة بن علي بن أحمد الهادي إلى توحيد مولانا جل ذكره)  (9) .

ومهما يكن من شيء فإن الدعاة إلى المذهب الجديد ظلوا في سترهم مدة طويلة يعملون في الخفاء، ويدعون الناس سرًا لمبادئهم وتعاليمهم، حتى قام الدرزي وأعلن الدعوة سنة 407 هـ، والذي كما يقال: (قد فتح سجلاً في مساجد القاهرة تكتب فيه أسماء المؤمنين بألوهية الحاكم، فاكتتب من أهل القاهرة سبعة عشر ألفا كلهم يخشون بطش الحاكم)  (10) .

ويبدو أن هذا الأمر قد أحرج حمزة، مما حمله على الجهر بدعوته الجديدة – كما سبق ذكره – سنة 408 هـ، فثار الناس على هؤلاء الدعاة ثورة شديدة ساعدهم فيها الجند الأتراك، مما جعل الدرزي – على أرجح الروايات – يختفي في قصر الحاكم، حيث عمل على تهريبه بعد ذلك إلى وادي التيم في بلاد الشام، والذي كان يقطن به التنوخيون، والذين كانوا يدينون بالولاء للعبيديين، حيث عمل هناك على بث آرائه ومعتقداته بينهم، فانضموا إليه وآمنوا بدعوته. 

وبسبب شدة الثورة التي قام بها أهل مصر، على دعاة حمزة وأتباعه، اختفى حمزة أيضًا سنة 409 هـ، واعتبرها سنة اختفاء وغيبة. 

ويصف حمزة سنة 409 هـ: (بأنها سنة المحنة والامتحان والعذاب، وأن القصد من الغيبة أن يمتحن الخلق بغيبته، والمحنة هي غيابه الذي عاقبهم فيه)  (11) .

(ويبدو أن غيبته في هذه السنة، كانت استعدادًا للظهور بقوة جديدة للتنظيم بعد ثورة الناس عليه في العام الفائت)  (12) .

ويتبين من رسائل حمزة، أنه في خلال هذه الفترة جعل مقره السري خارج القاهرة في مسجد (تبر)، ولكن خصومه هاجموا مقره وأحرقوا باب المسجد، ثم وجدوا داخل المسجد بابا من الحجر لا تعمل فيه النار ويصعب نقب جداره)  (13) .

مما تقدم يتضح بداية الخلاف بين حمزة والدرزي، والظاهر أن هذا الخلاف قد تفاقم بعد هروب الدرزي إلى الشام، حيث دعا هناك إلى أراء جديدة خالف بها آراء حمزة، من ذلك تسمية نفسه بـ (سيف الإِيمان) و (سيد الهادين)، وكان أيضًا يلعن مخالفي المذهب، بينما يقول حمزة: (اللعنة لا تزيد في الدين ولا تنقص منه)  (14) ، وكذلك (دعوته للحرية الجنسية)  (15) .

وأرى أن هذا الاختلافات، لم تكن بتلك الأهمية لتأجج الخلاف بين الرجلين، وأن جوهر الخلاف – كما يفهم من كتابات حمزة – إنما كان (بسبب رئاسة الدعوة الجديدة، وهذا الأمر أغضب حمزة، وجعله يعزل الدرزي من مصبه في الشام، ويؤلب عليه أتباعه في الشام فقتلوه سنة 411 هـ)  (16) .

وهذا الخلاف يؤكده حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة) إذ يقول: (وكذلك الدرزي سمى نفسه في الأول بسيف الإِيمان، فلما أنكرت عليه ذلك وبينت له أن هذا الاسم محال وكذب، لأن الإِيمان لا يحتاج إلى سيف يعينه، بل المؤمنون محتاجون إلى قوة السيف وإعزازه، فلم يرجع عن ذلك الاسم وزاد عصيانه، وأظهر فعل الضدية في شأنه، وتسمى باسم الشرك وقال: أنا سيد الهادين، يعني أنا خير من إمامي الهادي)  (17) .

هذا وكانت مدة ظهور حمزة ثلاث سنوات هي: 408، 410، 411، وأما سنة 409 هـ فإنها – كانت سنة غيبة له. كذلك فقد اختفى بعد سنة 411 هـ، - وهي السنة التي قتل فيها الحاكم -، حيث مرت سنوات من الكتمان، أيضًا لم يظهر فيها، فقد طورد من قبل الظاهر ابن الحاكم والملك الجديد، (مما اضطره إلى الرحيل إلى بلاد الشام)  (18) .

وبقي حمزة مختفيًا حتى أزيح الستار قليلاً عن نشاطه، برسائل أرسلت إلى سواه وذُكر فيها، أو وجهت إليه، بعد قرابة عشرين سنة من غيابه، منها رسالة المواجهة، التي يتبين منها، أن حمزة كان لا يزال على اتصال سري بدعاته، وعلى الخصوص بـ (المقتني) بهاء الدين كاتب الرسالة، والذي يبدأها بـ (السلام على الإِمام) موجهًا إليه (عبيده الزائرين... رسل العبد الذليل)  (19) .

أما غيبة حمزة الثانية والأخيرة، (فإن رسالة بهاء الدين في (رسالة السفر) والتي يطلب فيها من المؤمنين، الإِيمان برجوع حمزة، وإلى طاعة ولي الحق الإِمام المنتظر، توضح هذه الرسالة – والتي كتبت في السنة الثانية والعشرين من سني حمزة أي سنة 430 هـ - أن حمزة قد اختفى أو مات سنة 430 هـ)  (20) .

مع أن هناك من يقول: (أنه مات سنة 422 هـ (1030 م) )  (21) .

وأما مكانة حمزة عند الدروز، فهو الإِعظام والإِجلال، (فالحديث عنه مقرون دائمًا عندهم بالإِجلال والإِعظام سواء أكان ذلك في مجرى حديث لسان أو على مسرى صفحة من كتاب مطبوع، أو ورقة من سفر مخطوط)  (22) .

وهو عندهم – وكما سمى نفسه في رسائله -، الإِمام، وقائم الزمان، وهادي المستجيبين المنتقم من المشركين، وعلة العلل، والعقل الكلي، والإِرادة، والقلم، والطور، والكتاب المسطور وهو أيضًا المسيح الحق... إلى غير ذلك من الأسماء والألقاب التي أطلقها على نفسه.

وحمزة يفتتح رسائله غالبًا بهذه الديباجة، وكما وردت في (رسالة البلاغ والنهاية) : (تأليف عبد مولانا جل ذكره، هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين سيف مولانا جل ذكره)  (23) .

وكذلك نجده في (الرسالة الموسومة بسبب الأسباب) يصف نفسه بهذه الألقاب أيضًا بأنه: (الإِرادة فهو علة العلل، وهو العقل الكلي، وهو القلم، وهو القاف، وهوا القضاء، وهو الألف بالابتداء، وهو الألف بالانتهاء... إلى أن يقول: وهو سبحانه منزه عن الكل  (24) ، وجميع ما في القرآن والصحف، وما تركه على قلبي من البيان والأسماء الرفيعة فهو يقع على عبده الإِمام)  (25) .

وفي هذه الرسالة ينفي حمزة عن نفسه بأنه اخترع هذا الأمر من عند نفسه فيقول: (وها هنا باب ثان مذموم، أعاذك المولى سبحانه منه، وذلك قول من يقول من كافة الناس بأني اخترعت هذا الأمر من روحي، ووضعت العلم من ذاتي، وقوتي، ومولانا جلت قدرته لا يعلم بذلك ولا يرضاه... وأنا أعيذك من ذلك وجميع الموحدين المخلصين)  (26) .

وكما أشرت سابقًا، فإن الدروز يجلون ويعظمون حمزة، فنجد المقتني بهاء الدين يخاطب حمزة في (رسالة المواجهة) بقوله: (وتطول عليهم بالمسامحة من الغلط والسهو في صحائف التوحيد، نظمها العبد بتأييد مولاه، وألفها، ورسائل إلى دعاة الحق ثناها على التنزيه وعظمها. فما كان يا مولاي في هذه الصحائف والمراسلات والكتب والملطفات التي سيرها العبد من خطاب جزل، ومنطق صائب، وقول فصل، فهو من منه إمام العصر، ومؤاد  (27) قائم الزمان، وما كان فيها من خطأ وخطل فهو منسوب إلى العبد الأصغر، الملهوف الظمآن، يتوسل في تقصيره إلى لطف مولاه)  (28) .

وفي كتاب النقط والدوائر – وهو من كتب الدروز الدينية ولا يعرف مؤلفه – يصف كاتبه حمزة بهذه الأوصاف: (فهو صلوات الله عليه النور الكلي، والجوهر الأزلي، والعنصر الأولي، والأصل الجلي، والجنس العلي، فيه بدأت الأنوار، ومنه برزت الجواهر، وعنه ظهرت العناصر، ومنه تفرعت الأصول، وبه تنوعت الأجناس... إلى أن يقول: فهو الإِمام، والدليل على عبادة الله، والداعي إلى توحيد الله، والناطق بحق الله، والبرهان على الله، والرسول الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)  (29) .

ولا يزال الدروز إلى الآن على هذا التعظيم لحمزة -، يقول كمال جنبلاط في مقدمته لكتاب (أضواء على مسلك التوحيد) : (ويجب أن يبقى أبناء التوحيد محافظين على هذا التكريس والتهيؤ التقليدي والاجتباء الإِنساني لفكرة الولاية، لأنه في النهاية وفي الحقيقة، لا ولاية على الموحدين، ولا على الأنام كافة، إلا للعقل الأرفع، صلوات المهيمن عليه  (30) .

ويضيف الدكتور سامي مكارم: (وهذا المعتقد التوحيدي يعتمد العقل في استكشافاته، ولا يراد بالعقل الأدنى، أي البشري أو الدنيوي إن صح التعبير، بل العقل الأرفع أو الكلي الذي هو المبدع الأول، أبدع من النور الشعشعاني المحض صورة صافية كاملة فتضمن في سره معنى ما كان وما يكون دفعة واحدة بدون زمان، فكان قوة كاملة وفعلاً تامًا، وكان علة العلل وأصل الوجود وغايته معًا)  (31) .

مما سبق يتبين أن الإِيمان بإمامة حمزة – وأنه المبدع الأول وغير ذلك – هي من أهم معتقدات الدروز، وأصل عظيم من أصولهم، لأنه أول الحدود الخمسة الذين يعتقدون بهم، وهو أيضًا في نظرهم نبي الحاكم.

وقد جاء في مخطوط (شرح ميثاق ولي الزمان)  (32) ما يلي ثم من تسليم الروح ومعرفة العقل صفي الرب صلى الله عليه، وتمييزه عن إخوته الأربعة، وهم: النفس، والكلمة، والسابق، والتالي، وتمييزه عنهم بأحوال كثيرة.

وفي شعر – مخطوط – لدرزي يسمى بـ (الشيخ أبي عبيد) يقول فيه: 

ألا صلوا على قلم القضايا      رسول الله أفضل من أجابا 

رسول الله حمزة يا خليلي      فأولى من أتانا بالكتابا  (33) 

وحسب عقيدة التناسخ والأدوار عند الدروز، فقد ظهر حمزة في الأدوار الكبرى، والأدوار الصغرى بأسماء مختلفة: فهو شطنيل في دور آدم، وفيثاغورس في دور نوح، وداود في دور إبراهيم، وشعيب في دور موسى، واليسوع في دور عيسى، وأنه – أي حمزة – هو المسيح الحقيقي الأبدي، وسلمان الفارسي في دور محمد (صلى الله عليه وسلم)  (34) ، وهو الذي أملى القرآن على محمد (صلى الله عليه وسلم) وهكذا...

هذه لمحة سريعة عن حمزة، إمام الدروز، وقائم زمانهم، تبين بوضوح ذكاء ودهاء هذا الرجل، فقد استطاع أن يكون نموذجًا للدعاة الملاحدة، الذين ظنوا أنهم يستطيعون أن يقوضوا أركان الإِسلام ودعائمه، فلم ينفع ذكاؤهم ولا مهارتهم في هذا الدين شيء، بل حفظ الله هذا الدين. وخابت كل مساعيهم.

ونأتي بعد ذلك إلى الداعي الآخر وهو: الحسن بن حيدة الفرغاني  (35) (الأخرم) : هذا الداعي لا نعرف عنه إلا الشيء القليل، ذلك أنه ظهر بمدينة القاهرة عقب ظهور حمزة بقليل، وكما يقول ابن العماد في شذرات الذهب أنه ظهر (في الثاني من رمضان سنة 409 هـ)  (36) .

وقد دعا إلى مثل ما دعا إليه حمزة من التناسخ والحلول، وألوهية الحاكم، وذاعت دعوته بسرعة في جماعة من المغامرين والمرتزقة، فاستدعاه الحاكم وخلع عليه وأركبه فرسا مطهما، وسيره في موكبه)  (37) .

غير أنه لم تمض على ذلك أيام قلائل، حتى وثب عليه رجل من أهل السنة وقتله وقتل معه ثلاثة رجال من أتباعه، فغضب الحاكم وأمر بإعدام قاتله ودفن الأخرم على نفقة القصر في حفل رسمي، كما أن جمهور أهل السنة احتفلوا بمأتم القاتل ودفنوه مكرمًا)  (38) . (ولكن القبر نبش بعد أيام واختفت جثته، وكان ذلك على ما يظهر بوحي الحاكم ورغبته)  (39) .

هذا تلخيص لكل ما ذكره المؤرخون عن هذا الداعية، والظاهر من رسائل حمزة أنه لم يكن ضد الأخرم، كما كان ضد الدرزي، على أن (الرسالة الواعظة) لأحمد حميد الدين الكرماني، تفيدنا بعض الشيء عن مهمة الأخرم وهي رسالة موجهة إلى الأخرم ردًا على رقعة بعث بها الأخرم إليه، حيث يتضح من هذه الرسالة أن الأخرم هو الذي كان يقود حركة الدعاية للمذهب الجديد وأنه هو الذي كان يبعث بالرقاع إلى الناس يدعوهم فيها إلى عقيدته الجديدة وكان يطلب من العلماء وكبار الدعاة أجوبة فكتب إليه الكرماني (الرسالة الواعظة).

وأول ما يراه الكرماني في رقعة الأخرم أنها خالية من البسملة ومن الصلاة على النبي، وعلى الأئمة من ذريته، ويضيف الكرماني قائلاً: ولا تخلو أن تكون في تظاهرك بولاء أمير المؤمنين عليه السلام، إما متبعًا له، أو غير متبع، فإن كنت متبعًا فبمخالفتك إياه فيما أمرك به من السجلات المكرمة من السلام عليه في جميع المكاتبات وقعودك عن الاقتداء فيما يفعله من تصدير سجلاته وجميع مكاتباته وخطبه بسم الله الرحمن الرحيم، والاستفتاح به، والصلاة على سيد المرسلين وخاتم النبيين والتبرك بها قد كفرت.

ومن الأفكار التي قالها الأخرم في رقعته للكرماني: من عرف منكم إمام زمانه حيًا، فهو أفضل ممن مضى من الأمم من نبي أو وصي أو إمام... وأن من عبد الله من جميع المخلوقين، فعبادته لشخص واحد لا روح فيه، ويتساءل عن معنى الآية الكريمة عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا  [الإنسان:18]، وعن: الإسلام وشرائطه ؟ وعن: الذي يتقرب به إلى المعبود ؟ وهل الشريعة محدثة أم قديمة مع الدهر ؟ وما النفس ؟ وما العقل ؟ ثم ينتهي به القول إلى أن الشريعة والتنزيل والتأويل خرافات وقشور وحشو ولا تتعلق بها نجاة، وأن الناس لا يوجهون وجوههم إلى القبلة لأنها حائط، وأن المعبود هو الحاكم)  (40) .

وهذا يدل على أن الأخرم كان من مؤسسي هذه الدعوة، وكان لسان دعايتها، ولا ندري تمامًا مرتبته بين الحدود، لأنه قتل قبل أن يتبلور مركز الحدود ومراتبهم، ولا ندري ماذا يكون مصيره مع حمزة لو قدر له أن يعيش. 

أما الداعية الآخر، والذي ينسب إليه الدروز فهو: محمد بن إسماعيل الدرزي (نشتكين) : في حديثنا فيما سبق عن حمزة بن علي، ذكرنا أن أول من كشف عن عقائد المذهب الدرزي، كان محمد بن إسماعيل الدرزي سنة 407 هـ، مما اضطر حمزة إلى الإِعلان والكشف عن دعوته لتأليه الحاكم سنة 408 هـ. 

والدرزي على الأرجح من أصل تركي، ويذكر المؤرخون أنه وفد على مصر سنة 407 هـ، فخدم الحاكم وتقرب إليه، ولكن الذي يرجحه الدكتور محمد كامل حسين: أن الدرزي كان قبل هذا التاريخ في مصر واتصل بحمزة بن علي مدة طويلة قبل إظهار الدعوة، وعملاً معًا في رسم خططها)  (41) .

ويصرح حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة) : بأن الدرزي كان يضرب الدنانير والدراهم، وهذا مما يؤكد أن الدرزي كان قريبًا من حمزة والحاكم.

ولاشك أن الدرزي كان من أقوى رسل حمزة وأشدهم عزمًا وجرأة، وكان يسير على طريقة حمزة في الدعوة، (ومن الغريب أن حمزة في إحدى رسائله يتهم الدرزي بأنه لا يقر إلا بإنسانية الحاكم بأمر الله، دون ألوهيته، مستندًا في هذا إلى أن الدرزي يقول: أن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب، ثم انتقلت روح علي إلى الحاكم، وعلي هو الأساس، والأساس هو مجرد إمام، وليس إلهًا)  (42) .

أما عن مصير الدرزي بعد أن كشف عن هذا المذهب، فيختلف المؤرخون في ذلك، فمنهم من يقول بقتله في ذلك الوقت على يد الأتراك. 

ومنهم من يرجح أنه لم يقتل في هذا الظرف، ولكنه اختفى في القصر أيامًا بحماية الحاكم حتى هدأت العاصفة وسكن الجند، ثم دبر الحاكم له سبيل الفرار، وأعانه بالمال، فسار إلى الشام ونزل ببعض قرى بانياس  (43) وأذاع في الناس دعوته، فكانت أصل مذهب الدروز الذي سمي باسمه، وحاول هناك أن ينقلب على حمزة ويدعي الإِمامة والرئاسة له، فقتل بتحريض من حمزة سنة 411 هـ، والأرجح أن هذا هو السبب الوحيد والجوهري لغضب حمزة عليه.

ويفهم من رسائل حمزة بأن الدرزي لم يكن وحيدًا، بل كان معه دعاة آخرون أمثال البرذعي، وعلي بن أحمد الحبال، ويذكر ذلك في (رسالة الغاية والنصيحة) فيقول: (وفرعون البرذعي، وهامان علي بن الحبال، لأن فرعون كان داعي وقته، فلما أبطأ الناطق قال: (أنا ربكم الأعلى)  (44) يعني إمامكم الأعظم، وهامان الذي فتح له باب المعصية)  (45) .

ويقول أيضًا في رسالة (الصيحة الكائنة) : (وما منكم أحد إلا وقد نصحته بحسب الهداية إلى دعوته، فمنكم من استجاب، ونكث مثل علي بن أحمد الحبال الذي كان مأذونًا لي، وعلى يده استجاب نشتكين الدرزي)  (46) .

ويذكر كذلك في (رسالة الرضا والتسليم) : (وأما البرذعي فأنا أرسلت إليه ودعوته إلى توحيد مولانا جل ذكره، فلما أرسل إليه الدرزي رسوله ومعه ثلاثة دنانير وأوعده بالمركوب والخلع فمضى إلى عنده وفتح له أبواب البلايا والكفر، أما أصحابه كلهم فمكتوبة عندي عليهم وثائق بالشهود العادلة لأن لا يراجعوا عما سمعوه مني أبدًا). 

ومن خلال هذه الرسالة يتبين لنا أن حمزة عندما عرض على البرذعي أمر الاستجابة إلى دعوته، شرط عليه أن يأتيه بتوقيع الحاكم، (وهذا يعني أن الحاكم كان يعلم بدعوة حمزة، وكان على اتصال وثيق به) (47) .

وفي ختام حديثنا عن دعاة الدروز، لابد أن نلم قليلاً باثنين من حدودهم الخمسة وأكابر دعاتهم وهما: 

أبو إبراهيم إسماعيل بن حامد التميمي، صهر حمزة ويليه في مرتبة الحدود، والذي يلقب بالنفس، وذومصة، والمشيئة، وإدريس زمانه، وأخنوخ أوانه.

والداعية الثاني هو: بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموقي، المعروف بالضيف، وهو الحد الخامس من الحدود، ومرتبته الجناح الأيسر، أو التالي.

أما التميمي، فلاشك أنه من الحدود الكبار – عند الدروز – الذين قام المذهب على أكتافهم، (وتؤكد النصوص التاريخية أن حمزة كان يعتمد على صهره وساعده الأيمن الذي ينفذ بدقة ونشاط أصعب المهمات وأشدها خطرًا)  (48) .

وقد كتب التميمي عدة رسائل من مجموع رسائل الدروز منها: رسالة في تقسيم العلوم، والزناد، والشمعة، والرشد والهداية، وله أيضًا شعر يمجد فيه الحاكم اسمه (شعر النفس).

ومع ذلك فنحن نعجب لسكوت كتب التاريخ، ورسائل الدروز عن هذا الداعية بعد غياب حمزة سنة 411 هـ، إذ لا يوجد لدينا أي شيء عن هذا الداعية بعد هذا التاريخ.

ونأتي بعد ذلك إلى الداعية الآخر بهاء الدين، والذي كان له أكبر الأثر في انتشار مذهب الدروز وقيامه بعد غياب حمزة سنة 411 هـ، وذلك لأن مرتبته في الدعوة هي مرتبة الجناح الأيسر أو التالي، وسنرى في حديثنا عن الحدود في العقيدة الدرزية، أن من يشغل هذه المرتبة يكون لسان الدعوة، وله من الحدود: الجد، والفتح، والخيال.

وقد استمر بهاء الدين يحمل أعباء الدعوة إلى مذهبه، فكتب الرسائل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الدخول في مذهبه، كما كتب إلى الذين خرجوا عن المذهب بعد أن كانوا من دعاته أمثال الداعي (سكين)  (49) الذي ادعى أنه الإِله المعبود، وأنه الحاكم بأمر الله.

ومما يذكر أن الكثير من رسائل الدروز، قد كتبها بهاء الدين، ومن هذه الرسائل: (رسالة التنبيه والتأنيب والتوبيخ)، (رسالة التعنيف والتهجين)، (ورسالة القسطنطينية)، وغير ذلك من رسائل كثيرة كتبها، وأغلبها في الرد على الآراء الجديدة التي حاول الخارجون عليه أن يبثوها، لذلك تحمل أكثر العناوين من رسائله التأنيب والتوبيخ والتعنيف.

ولما شعر بهاء الدين باضطراب الأحوال، بعد أن كثرت الآراء الدخيلة في المذهب، أخذ يهدد أتباعه باعتزال الدعوة، وبالفعل اعتزلها سنة 434 هـ، بعد أن أقفل باب الاجتهاد حرصا على الأصول والأحكام التي وضعها حمزة، والتميمي، وما وضعه هو نفسه)  (50) .

هؤلاء هم دعاة الدروز، وعلى أيديهم قام المذهب الجديد، وسنعرض عند الحديث عن حدود الدروز باقي هؤلاء الدعاة.

ولاشك أن حمزة كان إمامهم وداعيتهم الأكبر، وكان طموحه كبيرًا وكان بهاء الدين بالفعل متممًا حقيقيًا لما بدأه حمزة، ولولا بهاء هذا لانقرض هذا المذهب بعد غياب حمزة.