تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم

موسوعة الفرق

تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم



أشرنا فيما تقدم إلى شغف الحاكم بالطواف بالليل، ولاسيما في جنبات جبل المقطم، وكان يتوغل في الجبل، (وفي ليلة الاثنين 27 شوال سنة 411 هـ (1021 م) خرج الحاكم كعادته للطواف – في الجبل، وليس معه أحد إلا ركابي وصبي)  (1) .

ولكن الحاكم لم يعد، وأرجح الروايات أن أخته ست الملك قد دبرت اغتياله، وكما يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي (فقد دفعها إلى تدبير اغتياله أمران:

1 – أنها لما رأت أعمال الحاكم الشنيعة، خافت أن يخرب بيت الخلافة الفاطمية على يديه، فقد كرهته قبيلة كتامة صاحبة الفضل الأكبر في قيام الدولة الفاطمية في المغرب، والتي كانت لها مكانة عالية في مصر بعد فتحها، بسبب إعدامه لكثير من وجهائها، وحده من نفوذها، كما كرهه أهل مصر لتصرفاته الشاذة، وكرهه الجند أيضًا بسبب تصرفاته مع قوادهم، ومعهم أنفسهم.

2 – أنها خافت على نفسها من بطشه، إذ اتهمها بسوء سلوكها مع الرجال، وما أيسر أن ينفذ وعيده لها، لهذا آثرت أن تقضي عليه قبل أن يقضي عليها)  (2) .

وتؤكد الروايات التاريخية هذين الأمرين، ومما أورده المؤرخون ما نقله ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة عن ابن الصابئ: (أن الحاكم لما بدت عنه هذه الأمور الشنيعة استوحش الناس منه، وكان له أخت يقال لها ست الملك، من أعقل النساء وأحزمهن، فكانت تنهاه وتقول: يا أخي، احذر أن يكون خراب هذا البيت على يديك. فكان يسمعها غليظ الكلام ويتهددها بالقتل، وبعث إليها يقول: رفع إلي أصحاب الأخبار أنك تدخلين الرجال إليك وتمكنينهم من نفسك، وعمل على إنفاذ القوابل لاستبرائها، فعلمت أنها هالكة)  (3) .

ويضيف ابن الجوزي في المنتظم: (وراسلت ست الملك قائدًا يقال له: ابن دواس (من شيوخ كتامة)، كان شديد الخوف من الحاكم أن يقتله، فقالت: إني أريد أن ألقاك، إما أن تتنكر وتأتيني، وإما أن أجيء أنا إليك فجاءت إليه، فقبل الأرض بين يديها وخلوا، فقالت له: لقد جئتك في أمر احرس نفسي ونفسك، فقال: أنا خادمك، فقالت: أنت تعلم ما يعتقده أخي فيك، وأنه متى تمكن منك لم يبق عليك، وأنا كذلك، ونحن معه على خطر عظيم، وقد انضاف إلى ذلك ما قد تظاهر به، وهتكه الناموس الذي قد أقامه آباؤنا، وزيادة جنونه، وحمله نفسه على ما لا يصبر المسلمون على مثله، فأنا خائفة أن يثور الناس علينا فيقتلوه ويقتلونا وتنقضي هذه الدولة أقبح القضاء. قال: صدقت فما الرأي ؟ قالت: تحلف لي وأحلف لك على كتمان ما جرى بيننا من السر وتعاضدني على ما فيه الراحة من هذا الرجل، فقال لها: السمع والطاعة، فتحالفا على قتله وأنهما يقيمان ولده مقامه، وتكون أنت صاحب جيشه ومديره، وقالت: اختر لي عبدين من عبيدك تثق بهما على سرك وتعتمد عليهما في مهمك)  (4) .

ويقول ابن كثير: (فجهز من عنده عبدين أسودين شهمين، وقال لهما: إذا كانت الليلة الفلانية فكونا في جبل المقطم، ففي تلك الليلة يكون الحاكم هناك في الليل لينظر في النجوم، وليس معه أحد إلا ركابي وصبي، فاقتلاه واقتلاهما معه، واتفق الحال على ذلك... وفي تلك الليلة ركب وصحبه صبي وركابي، وصعد جبل المقطم فاستقبله ذانك العبدان فأنزلاه عن مركوبه وقطعا يديه ورجليه، وبقرا بطنه، فأتيا به مولاهما ابن دواس، فحمله إلى أخته فدفنته في مجلس دارها، واستدعت الأمراء والأكابر والوزير وقد أطلعته على الجلية، فبايعوا لولد الحاكم أبي الحسن علي، ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله)  (5) .

ولكن ابن الأثير يقول: (أنه توجه إلى شرقي حلوان  (6) ومعه ركابيان فأعادت أحدهما مع جماعة من العرب إلى بيت المال، وأمر لهم بجائزة، ثم عاد الركابي الآخر، وذكر أنه خلفه عند العين والمقصبة. وبقي الناس على رسمهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه إلى سلخ شوال، فلما كان ثالث ذي القعدة خرج مظفر الصقلبي، صاحب المظلة وغيره من خواص الحاكم، ومعهم القاضي، فبلغوا عفان  (7) ، ودخلوا إلى الجبل، فبصروا بالحمار الذي كان عليه راكبًا، وقد ضربت يداه بسيف وعليه سرجه ولجامه، فاتبعوا الأثر، فانتهوا به إلى البركة التي شرقي حلوان، فرأوا ثيابه، وهي سبع قطع صوف وهي مزررة بحالها لم تحل، وفيها أثر السكاكين فعادوا ولم يشكوا في قتله)  (8) .

وينفي المقريزي هذه الروايات ويقول: (وقيل أن أخته قتلته، وليس بصحيح)  (9) .

ويروي أيضًا عن المسبحي: (وفي محرم سنة خمس عشرة وأربعمائة قبض على رجل من بني حسين ثار بالصعيد الأعلى فأقر بأنه قتل الحاكم بأمر الله في جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد وأظهر قطعة من جلدة رأس الحاكم، وقطعة من الفوطة التي كانت عليه، فقيل له: لم قتلته ؟ فقال: غيرة لله وللإِسلام، فقيل له: كيف قتلته ؟ فأخرج سكينًا ضرب بها فؤاده فقتل نفسه)  (10) .

ولما طويت صفحة الحاكم، واستقر في الأذهان مصرعه، وصفا جو الريبة التي ثارت حول اختفائه، أخذ الظاهر بوحي عمته ست الملك، في نقض سياسة أبيه تباعا، فألغى أحكام التحريم التي أصدرها الحاكم، وطورد الملاحدة أصحاب حمزة والمنادون بألوهية الحاكم في عهده بمنتهى الشدة، وقبض على زعمائهم وشيعتهم، وقتل كثيرون منهم، وصدرت الأوامر بتتبعهم في سائر الأنحاء وهرب زعيمهم حمزة بن علي.

أما الدروز فيقولون بغيبة الحاكم، وهذا يتمشى مع اعتقادهم أن الألوهية قد حلت في ناسوته: وكان لاختفاء الحاكم على هذا النحو فرصة لإِذكاء دعوتهم وتغذيتها، واتخذوا من هذا الاختفاء وظروفه الغامضة مستقى جديدا لدعوتهم. فزعموا أن الحاكم لم يقتل ولم يمت، ولكنه اختفى أو ارتفع إلى السماء، وسيعود عندما تحل الساعة فيملأ الأرض عدلاً، وأصبح هذا الادعاء أصلاً مقررًا من أصول عقيدتهم.

ويوجد بين رسائل الدروز رسالة عنوانها (السجل الذي وجد معلقًا على المشاهد في غيبة مولانا الإِمام الحاكم)، وتاريخها في شهر ذي القعدة سنة 411 هـ، أي بعد اختفاء الحاكم بأيام قلائل. 

(وتبدأ الرسالة بـ (التوبة) إلى الله تعالى، وإلى وليه وحجته على العالمين، وخليفته في أرضه، وأمينه على خلقه أمير المؤمنين)... إلى أن تقول: وأنه قد سبق إليكم، أعني إلى الناس من الوعد والوعظ والوعيد من ولي أمركم، وإمام عصركم، وخلف أنبيائكم، وحجة باريكم... إلخ)  (11) .

ويقول الدكتور عبد الرحمن بدوي عن هذا السجل: (ونحن نعتقد أن هذا السجل ليس من وضع حمزة بن علي، لأنه يخالف كل العقائد التي دعا إليها حمزة، - وذلك لأمرين -: 

1 – فهو ينعت الحاكم بأنه (ولي أمركم، وإمام عصركم، وخلف أنبيائكم)، وأنه ولي الله و (خليفته في أرضه) و (أمير المؤمنين)، وهذه الصفات تتنافى مع ما ذهب إليه حمزة في رسائله، وخصوصًا في (ميثاق ولي الزمان) حيث نعت الحاكم بأنه (مولانا الأحد، الفرد الصمد). 

2 – إن هذا السجل يمجد في الحاكم بأمر الله أنه أحيا (سنة الإِسلام والإِيمان) التي هي الدين عند الله، وبه شرفتم وظهرتم في عصره على جميع المذاهب والأديان... فدخلوا في دين الله أفواجًا، وبنى الجوامع وشيدها، وعمر المساجد وزخرفها، وأقام الصلاة في أوقاتها، والزكاة في حقها وواجباتها، وأقام الحج والجهاد، وعمر بيت الله الحرام، وأقام دعائم الإِسلام) : 

فكيف يتفق تمجيد الحاكم بسبب إحيائه سنن الإِسلام، والسهر على أركانه، مع ما يذهب إليه حمزة بن علي في (ميثاق ولي الزمان) من أن من يدخل في ديانة التوحيد التي دعا إليها، فعليه أن يتبرأ من جميع المذاهب والمقالات والأديان والاعتقادات كلها)  (12) .

وأرى أن هذا السجل، لا يمكن أن يكون من وضع حمزة أو أحد دعاته، لأنه في الواقع ينفي كل ما ذهب إليه الدروز في اعتقاداتهم بأن الحاكم هو الإِله، وليس الإِمام أو الخليفة، وكما سنرى في الفصول القادمة، فإن هذه الألقاب لا يجوز أن يوصف بها الحاكم.

ويرى الدكتور عبد الرحمن بدوي أيضًا: (أن صاحب المصلحة في ذلك، كان أصحاب السلطة والوزراء، أو من شابههم، وذلك حتى يكون إعلانًا عامًا للناس، وطمأنة لهم، وتخويفًا في نفس الوقت، خصوصًا وأن الناس يكرهون الحاكم، وأنه قد يحدث بعد وفاته اضطراباً في الأمن واختلالاً في أحوال الدولة)  (13).

وإلى جانب هذا السجل، هناك رسالة أخرى كتبها أحد أكابر الدعاة وأحد الحدود الخمسة عند الدروز، وهو المقتني بهاء الدين  (14) وعنوانها (رسالة الغيبة).

يقول فيها: (معشر الموحدين، إذا كنتم تتحققون أن مولاكم لا تخلو الدار منه، وقد عدمته أبصاركم... وإذا فسدت المعدة ضرت البصر، فهكذا إذا كانت المادة واصلة إلى النفوس الصحيحة، فينظروا صورة الناسوت نظرًا صحيحًا، وإذا كانت المادة من فعل الأبالسة ومادة النطقاء والأسس وشرائعهم، فيفسد النظر، وما ينظر إلا بشر... ثم يقول: ألم تعلموا أن مولاكم يراكم من حيث لا ترونه.

معشر الإخوان، أحسنوا ظنكم بمولاكم يكشف لكم عن أبصاركم ما قد غطاها من سوء ظنكم)  (15) .

(وهذا وقد مضى إلى اليوم عشرة قرون، ولا يزال الدروز يؤمنون برجعته ويرقبونها، ولم يحدد لنا الدعاة متى تكون هذه الرجعة ؟ ولكن يقولون:

إنه متى حلت الساعة، يقوم جند الموحدين من ناحية الصين، ويقصدون إلى مكة في كتائب جرارة، وفي غداة وصولهم يبدو لهم الحاكم على الركن اليماني من الكعبة، وهو يشهر بيده سيفا مذهبا، ثم يدفعه إلى حمزة بن علي فيقتل به الكلب والخنزير وهما عندهم رمز الناطق والأساس.

ثم يدفع حمزة السيف إلى محمد (الكلمة) وهو أحد الحدود الخمسة عندهم، وعندئذ يهدم الموحدون الكعبة، ويسحقون المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض، ويملكون العالم إلى الأبد، ويبسطون سلطانهم على سائر الأمم، ويفترق الناس عندئذ إلى أربع فرق، الأولى: الموحدون، والثانية: أهل الظاهر وهم المسلمون واليهود، والثالثة: أهل الباطن وهم النصارى والشيعة، والرابعة: المرتدون وهم الجهال  (16) ، ويعمد حمزة إلى أتباع كل طائفة غير الموحدين، فيدمغهم في الجبين أو اليد، بما يميزهم من غيرهم، ويفرض عليهم الجزية وغيرها من فروض الذلة والطاعة)  (17) . وكما يزعم جنبلاط فإن هذا الدور سيكون في حدود سنة (2000 م)، حيث سيكون بتحلٍ إلهي حر بفتح الطريق للناس من جديد للإِيمان بالحاكم  (18) .

وفي رسالة (الإعذار والإِنذار) يصرح حمزة فيها بأنه الإِمام وأنه سيغيب أيضا، على أن يرجع مرة أخرى بعد قليل، ويصرح بهاء الدين المقتني أنه عندما غاب المعبود (أي الحاكم)، امتنع قائم الزمان (أي حمزة) عن الوجود، فمن ذلك كله نقول: إن حمزة خاف على نفسه بعد اختفاء الحاكم، واختفى هو الآخر.

وقد قام بأمر الدعوة في غيبة حمزة، الداعي بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموفي، المعروف بالضيف، لأن مرتبته في الدعوة هي مرتبة الجناح الأيسر أو التالي، وهذه المرتبة يكون صاحبها لسان الدعوة، واستمر بهاء الدين الضيف يحمل عبء هذه الدعوة، ويكتب رسائله إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الدخول في مذهبه، كما كتب إلى الذين خرجوا عن المذهب بعد أن كانوا من دعاته أمثال سكين (19) .

وقد كثرت الآراء الجديدة من معتنقي المذهب الجديد، مما جعل بهاء الدين يهدد أتباعه باعتزال الدعوة، وبالفعل اعتزلها سنة 434 هـ، بعد أن أقفل باب الاجتهاد، حرصًا على المبادئ التي وضعها حمزة والتميمي وبهاء الدين نفسه، ولذلك لم يظهر مشرعون بعد بهاء الدين، بل أصبح شيوخ الدروز يشرحون رسائل حمزة والتميمي وبهاء الدين)  (20) .

تلك هي نظرية دعاة الدروز ومزاعمهم في غيبة الحاكم وفي رجعته، ولم يجد أصحاب هذه الدعوة ملجأ لها، إلا وادي التيم في الشام بعد انهيار دعوتهم في مصر، وحاولوا بشروحهم ومزاعمهم الجديدة أن يستبقوا ولاء شيعتهم وأنصارهم هنالك، من قبيلة تنوخ وغيرهم الذين استمالهم الدرزي عندما هرب من بطش الجند والناس في مصر، ومازالت بقيتهم إلى يومنا هذا، (وهم طائفة الدروز حيث يعيشون الآن في لبنان وسوريا وفلسطين)  (21) ، في مجتمع مغلق على نفسه بسرية تامة، فلا يسمحون لأي إنسان أن يعتنق مذهبهم أو أن يتعرف أحد على مبادئه، فلا جدوى عندهم أن تعرض على أي كادر أن يصبح درزيًا، فكل إنسان يظل على ما هو عليه، لأن الروح الدرزية تنتقل بعد الموت وتتقمص في جسد درزي آخر  (22) .

هذا وقد ظهر بين الدروز في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، أي بعد قيام الدعوة الدرزية بأكثر من أربعة قرون ونصف، عالم درزي اسمه الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي  (23) ، والذي تذكر عنه الروايات أنه كان صالحًا فقيهًا حاول أن يعيد الدروز إلى الإسلام من جديد، وذلك بدعوتهم لقراءة القرآن وبناء المسجد والقيام بأركان الإسلام، ولكن يبدو أن ثمرة جهوده قد اندثرت بعد وفاته وعاد الدروز إلى ما كانوا عليه.

وقد عثرت على مخطوط عنوانها (رسالة في معرفة سر ديانة الدروز) ومؤلفها مجهول، ويبدو أنها كتبت قبل فترة ليست بالطويلة، وذلك من خلال أسلوبها ولهجتها اللبنانية، وسنورد بعض المقتطفات فيها هنا، وهي تبين لنا بشكل واضح أهم معتقدات الدروز وتطورها بعد مقتل الحاكم، والرسالة كتبت على طريقة السؤال والجواب كما يلي: 

س: أدرزي أنت ؟ 

ج: نعم بنعمة مولانا الحاكم سبحانه.

س: ما هو الدرزي ؟ 

ج: هو الذي كتب الميثاق بعد مولانا الخالق.

س: ماذا فرض عليكم ؟

ج: صدق اللسان، وعبادة الحاكم، وباقي الشروط السبعة.

س: بماذا تعرف أنك درزي موحد ؟

ج: بأكل الحلال، وترك الحرام. 

س: ما هو الحلال والحرام ؟ 

ج: الحلال هو مال العقال، والفلاحين، وأما الحرام فمال الحكام والمرتدين.

س: كيف ومتى كان ظهور مولانا الحاكم ؟

ج: كان في السنة الأربعمائة من الهجرة الإسلامية  (24) .

س: وكيف ظهر وقال. أنه من نسل محمد حتى أنه أخفى لاهوته ولِمَ أخفاه ؟

ج: لأن عبادته كانت قليلة والذين يحبونه ليسوا كثيرين.

س: ومتى ظهروأشهر لاهوته ؟

ج: بعد ثماني سنين بعد الأربعمائة.

س: وكم سنة أقام لاهوته بالأشهاد ؟

ج: السنة الثامنة بكمالها، وغاب التاسعة لأنها سنة استتار وظهر أول العاشرة والحادية عشرة، ثم اختفى في الثانية عشرة ولم يظهر بعدها حتى يوم الدين.

س: وما هو هذا يوم الدين ؟ 

ج: هو اليوم الذي يظهر فيه الناسوت، ويحكم فيه العالم بالسيف والعنف..

س: ومتى يكون ذلك ؟

ج: إن ذلك أمر غير معلوم، ولكن العلائم تظهر. 

س: وما هي هذه العلائم ؟

ج: إذا رأيت الملوك انقلبت، والنصارى قويت على المسلمين. 

س: وفي أي شهر يكون هذا ؟

ج: هذا يكون في جمادى أو رجب على حساب المعاجزين. 

س: وكيف يكون حكمه على الطوائف والملل ؟

ج: يظهر عليهم بالسيف والعنف ويهلك الجميع. 

س: وبعد هلاكهم ماذا يكون ؟

ج: يرجعون بالولادة ثانية على حكم التناسخ ثم يحكم بينهم كما يريد. 

س: كيف يكونون وهو يحكم بينهم ؟

ج: يكونون أربع فرق: نصارى، ويهود، ومرتدين، وموحدين. 

س: لماذا إنكار الكتب سوى القرآن ؟

ج: اعلم أنه من حيث لزمنا الاستتار بدين الإسلام  (25) ، وجب علينا الإقرار بكتاب محمد، ولا خلل علينا بذلك، وصلاة الجنازة على الموتى بموجب الاستتار لا غير، لأن المذهب الطاهر اقتضى ذلك  (26) .

س: من أين عرفنا شرف قيام الحق من حمزة بن علي سلامه علينا ؟

ج: من شهادته لنفسه حيث قال في رسالة (التحذير والتنبيه) : (أنا أصل مبدعات المولى، وأنا سراطه والعارف بأمره، وأنا الطور والكتاب المسطور والبيت المعمور، أنا صاحب البعث والنشور، أنا النافخ في الصدور، وأنا الإِمام المتين، وأنا صاحب النعم، وأنا ناسخ الشرائع ومبطلها، وأنا مهلك العالمين، وأنا مبطل الشهادتين، وأنا النار الموقدة التي تطلع على الأفئدة). 

س: وما هو دين التوحيد الذي عليه الدروز، والعقال مستدلون ؟

ج: هو الكفر بكل الملل والطوائف، لأن بالذي كفروا نؤمن نحن، كما قيل في رسالة (الإعذار والإِنذار).

س: فإذا عرف أحد دين مولانا، وصدق به  (27) ، وانقاد إلى دين التوحيد وعمل بحسبه، فهل له خلاص ؟

ج: كلا، لأنه غلق الباب، وتم الكلام، وإذا مات يرجع إلى ملته ودينه القديم. 

س: متى خلقت نفوس العالم كلها ؟

ج: بعدما خلق العقل، الذي هو حمزة بن علي، ثم خلقت الأرواح، كلها من نوره، وهي معدودة لا تزيد ولا تنقص مدى الزمان.

س: أيليق أن يسلم التوحيد للنساء ؟

ج: نعم لأن مولانا كتب عليهن العهد، وأطعن إلى دعوة الحاكم كما هو مذكور في رسالة (ميثاق النساء)، وكذلك في رسالة (البنات). 

س: وكيف تقول في بقية الملل الذين يقولون أننا نعبد الرب الذي خلق السماء والأرض ؟

ج: إنهم، وإن قالوا كذا فلا يصح، لأن العبادة لا تصح بلا معرفة فإن قالوا عبدنا ولم يعرفوا أن الرب هو الحاكم بذاته فتكون عبادتهم باطلة.

س: مَنْ مِنَ الحدود يصف حكمة المولى سبحانه الذي عليه مبنى ديننا ؟

ج: إن وصف ذلك، ثلاثة من الحدود، وهم حمزة وإسماعيل وبهاء الدين.

س: كيف نعرف أخانا الموحد إذا رأيناه في الطريق ومر بنا يقول إنه فينا ؟

ج: بعد اجتماعنا فيه والسلام، تقول له في بلدكم فلاحون يزرعون الأهليلج، فإن قال: نعم مزروع في قلوب المؤمنين، فنسأله عن معرفة الحدود، فإن أجاب، وإلا فهو الغريب.

س: ما هي الحدود ؟

ج: هم أنبياء الحاكم الخمسة، حمزة وإسماعيل ومحمد الكلمة وأبو الخير وبهاء الدين.

س: هل للجهال من الدروز خلاص أو مرتبة عند الحاكم إذا ماتوا على ما هم عليه من غير عقل ؟

ج: لا خلاص لهم بل يكونون عند مولانا الحاكم في اللباس والمعيار أبدًا.

س: ما هي نقطة البيكار ؟

ج: هو حمزة بن علي.

س: ما هو القديم والأزل ؟

ج: إن القديم هو حمزة، والأزل أخوه إسماعيل.

س: ما هي حروف الصدق وكم عددها ؟

ج: مائة وأربعة وستون حرفا، وهي الدعوة والتقي والمكاسرون وهم الأنبياء التي كانت لمولانا الحاكم. 

س: ما هي حروف الكذب ؟

ج: ستة وعشرون، وهي دليل إبليس وأولاده ورفاقه، وهم محمد وعلي وأولاده الاثنا عشر، وهذا علي إمام المتاولة  (28) .

س: ما هو معنى ركوب مولانا الحمير بلا سروج ؟

ج: الحمار مقال الناطق، وركوبه دليل على هدم شريعته وإبطالها، وقد قال القرآن تصديقًا لهذا (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) يعني الأنبياء الذين جاؤوا بالشريعة الظاهرة. 

س: ما معنى لبس مولانا الصوف الأسود ؟

ج: إن ذلك ليس بدليل على الحزن، إنما علي المحبة التي صارت على عبادة الموحدين بعده  (29) .

س: وما هو سبب ظهوره في كل شريعة ؟ 

ج: أن يؤيد الموحدين ويثبتوا في عبادة الحاكم ولا يصدقوا إلا منه.

س: وكيف ترجع النفوس إلى أجسادها ؟

ج: كلما مات إنسان ولد آخر والدنيا هكذا.

س: كيف يستدل على أن دين الحاكم حق وغيره باطل ؟

ج: إن هذا كلام كفر وعدم تصديق بالحاكم، لأن الموحدين قد أشترطوا على أنفسهم في كتب الميثاق أنهم سلموا كل أرواحهم وأجسادهم وشعرهم، وسرهم وصهرهم بيد الحاكم من غير محض ولا جدال، فإذا هم في طاعته، وإن قالوا: غير هذا فقولهم كفر، كما قال في رسالة (الرضى والتسليم) ولحمزة عبد مولانا الحاكم وملاكه، وهذا الأمر ثابت.

س: ما المراد بالجن والملائكة والأبالسة في كتاب حمزة ؟

ج: إن المراد بالجن والأبالسة الناس الذين لم يطيعوا دعوة مولانا الحاكم، وأما الشياطين فأرواح خبيثة لا أجسام. أما المراد بالملائكة المقربين والمستجيبين لدعوة الحاكم بأمره، فهو الرب المعبود في كل الأدوار.

س: ومن هم الحرم الأربعة ؟ 

ج: هم إسماعيل ومحمد وسلامة وعلي، وهم الحكمة، النفس، بهاء الدين، ابن أبي الخير. 

س: ولماذا تسموا حرما ؟

ج: لأن حمزة هو بمقام الرجال، وهم نسوان، لأنهم عنده بمنزلة النساء في طاعتهم له.

س: وما ذكر الأحاليل والفرج ؟

ج: أشار إلى حالة ولا محلة، لأن الإحليل يقوي ويعمل الحركة، على فرج المرأة، وكذلك مولانا جعل سلطان لاهوته يغلب المشركة كما رأينا في رسالة يقال لها (حقائق الهزل).

س: ولماذا أوصانا حمزة بن علي بأن نخفي الحكمة ولا نكشفها ؟

ج: لأن فيها أسرار مولانا وعهوده، فلا يجب أن نكشفها إلى أحد لأنها خلاص النفوس وهي حياة الأرواح.

س: ألعلنا نحن نخلص، ولا نريد كل الناس أن تخلص ؟

ج: هذا ليس من طريقته، لأن الدعوة ارتفعت وغلق الباب وكفى من آمن، وكفر من كفر.

س: وما معنى إبطال الصدقة على بعض الناس ؟

ج: إن الصدقة لا تجوز عندنا، إلا على أخينا الموحد العاقل، وأما على غيره فهي حرام أبدا  (30) .

والدروز في الوقت الحاضر، يحاولون أن يطوروا دينهم، بما يتناسب وروح العصر، وذلك بطباعة ما يسمى بـ (مصحف الدروز)  (31) أو المنفرد بذاته، والذي ينسب تأليفه إلى كمال جنبلاط أحد زعمائهم  (32)بالتعاون مع عاطف العجمي.

ويحاول كاتب هذا المصحف أن ينسبه إلى حمزة بن علي ولكن من المؤكد أن هذا المصحف قد كتب حديثًا، والدليل على ذلك ألفاظه وأسلوبه العصري، والتي تدل على أنه كتب في العصر الحاضر، لذلك لا نستبعد أن يكون كاتبه كمال جنبلاط.

وكاتب هذا المصحف، يحاول فيه أن يحاكي القرآن الكريم، بل يحاول أن يقتبس الكثير من الآيات القرآنية، والتي توافق هواه، فيبدل ويحور فيها، ويضيف ما يشاء من عنده، ليبرهن إلى ما يرمي إليه.

وقد حاولت أن أجمع الآيات، التي حورها وبدلها، فتبين لي أن الآيات كانت فقط آيات مشاهد القيامة، والجنة والنار، وكذلك آيات الوعيد للكافرين بالعذاب والجحيم، وآيات الجنة والنعيم للمؤمنين.

وكل هذه الآيات يحورها إلى ما يرمي إليه، وهو أن العذاب سيكون لكل من يكفر بألوهية الحاكم، والنعيم سيكون للموحدين الذين يعبدون الحاكم. 

ومن أمثلة ذلك ما جاء في عرف الأمر والتقديم إذ يقول: 

(أنتم وما تعبدون مكبكبون على وجوهكم، يوم ينادي منادي مولاكم الحاكم من مكان بعيد: هذا يومكم الذي فيه توعدون، تتلوها أيام العذاب إنكم لخالدون ولات محيص... إلى أن يقول: وإلا فقولوا لي أيها الضالون المعاندون، فهل جاء لكم رب غيره مع جنوده، أروني إن كنتم صادقين)  (33) .

ويقسم هذا المصحف إلى أربع وأربعين عرفا، ويقع في مائتين وتسع وستين صفحة، ويقول كاتبه في مقدمته: (جرى تقسيم هذا المصحف المكرم وفق المواضيع لتسهيل الاطلاع عليه. ووضع لكل فصل تسمية تنطبق مع ما ورد فيه من معان، ولقد اخترنا اسم العرف تناسبا مع ما يطلق على أبناء التوحيد: كنيتم بالأعراف ووصفتم بالأشراف)  (34) .

وفي أوائل صفحات هذا المصحف، يعرف كاتبه بالأسماء والعبارات والإشارات التي وردت في ثناياه، ومما يذكر أن في بعض أعراف هذا المصحف عبارات غريبة، كتبت بأحرف عربية، ولكنها لغة غير معروفة، لا يعرف معناها، والظاهر أنها ألغاز، ولذلك يقول كاتبه: أنه لا يريد أن يظهر معناها، لأن لها معان سرية لا يجوز لكل واحد الاطلاع عليها.

ومن أمثلة ذلك ما ورد في عرف (شمس المغيب) : (يوديلووهكا طران كنان وهقويكان سهى وهطمكل واطغظلوا أو هكهز كان بطكة وعد ودلولذوسلر)  (35) .

وقد بدأ هذا المصحف بـ (عرف الفتح) نورده هنا، لنعرف بعض ما يرمون إليه من هذا المصحف:

(به، والحمد له على هذا النور، والشكر والفضل لذوي الصلات موالينا الحدود  (36) صلى الله عليهم ومن قبل ومن بعد، والموحدون في صياصيهم  (37) يرجعون ما أمر المولى به أن يوصل.

الحمد أبدأ للذي وفقنا لحفظ الحكمة في صدورنا من مصحفه المنفرد بذاته، نرتله مستضيئين، وهو الذي انشقت عنه سماء القدرة بمنة آلاء التجليات، فانفجرت منه اثنا عشرة عينا قد علم الموحدون مشربهم  (38).

الحمد لك مولانا  (39) ، أنت الذي فتحت أبواب قلوبنا على حكمه وأحكامه، وآدابه وتأويله وإعرابه، وأنت الذي ألهمتنا تدبر معانيه في حقيقته ومجازه، وإيجازه وإسهابه، ودعوتنا إلى الاعتصام بأمتن أسبابه.

ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، شهادة مشاهد موحد عارف موقن، مؤمن بأيام حسابه، ونشهد أن موالينا وساداتنا الحدود الخالقين، صليت عليهم، هم فصل خطابك وألسنة ذاتك، وهم موصلو حبال الحق، وجامعو الموحدين على مائدة المعبود، فعليهم منك صلات الصلاة مادامت عين اليقين.

مولانا بك آمنا، ولك أقررنا أن مصحفك هذا، نور الصراط المستقيم هو مسوق إلينا، معروض علينا، دان إلى أفهام قلوب ألبابنا، عال بأسراره وأبنائه، لا يمل من تلاوته، ولا ينزف من حلاوته، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، قريبه حكمه، وبعيده علمه، وهو المجيز عند الخصام، والأسوة سببها لجميع الموحدين ما بين العالمين مدى حيوات الأنام، أسهمه لا تنبو، وعادياته لا تكبو، هو الكل والبعض والجمع والفرق، به تبدل الأعيان، ولا عدة إلا به، والجميع إليه.

مولانا، نستفتح به مصلين حامدين شاكرين، وقد طوينا البيد مؤمنين، وسرنا في رياض جنة المنتهى غير محجوبين عن عيونك، وهذه آيات حكمة مصحفك ترتلها أفئدتنا كرما منك، لتصون بها وجوه كوننا من إحراق العدم.

ففي تلاوتها يا مولانا، نرى كشف النور والظلم، وفي نومنا قرارنا، وظعننا وأسفارنا، وسلمنا وحربنا، وصحتنا ومرضنا، وفي مهودنا صابين، وفي شيخوختنا عاجزين، وفي حيواتنا وموتنا، وفي الدنا وفوق أشياخ النجوم. إنك مولانا، نعم المولى ونعم النصير)  (40) .

ويبدو أن جنبلاط كان له الأثر العميق في الدرزية فقد اعترف بذلك في كتابه (هذه وصيتي) فدراسته للمذهب الدرزي أتاحت له الشروع في عمل تحليلي، حيث قارن مذهبه على هدي تعاليم الفيدا الهندوكية والفلسفة اليونانية اللتين أتاحتا له اكتشاف مفاتيح الأسرار الدرزية – كما يزعم – وأعطاه خربًا من السلطة الروحية مما جعل مشايخ الدروز يطلبون رضاه  (41) .

وهذا يوضح لنا قدرة جنبلاط وإحاطته بالدين الدرزي، ويؤكد القول بأن المصحف المنفرد بذاته من تأليفه.

ولإِعطاء صورة أوضح عن حقيقة العقيدة الدرزية في الوقت الحاضر، نورد حديثًا شخصيًا مع الأستاذ كمال جنبلاط، الرجل الذي ينسب إليه مصحف الدروز، وقد أجراه معه الدكتور مصطفى الشكعة، في كتابه إسلام بلا مذاهب حيث يقول فيه جنبلاط: 

يرجع تاريخ الدروز إلى ثلاثمائة وثلاث وأربعين مليونا من السنين حين كانت الأرواح بلا أجساد  (42) .

الدروز يؤمنون بالتقمص، أي تقمص الأرواح، بمعنى أن الذي يموت لا تصعد روحه إلى السماء بل تتقمص جسد مولود جديد ولذلك فهم لا يزيدون عددا ولا ينقصون لأن النقص عملية دائمة متواصلة بين أرواحهم، وهم لذلك يقولون إن الحياة البرزخية غير موجودة.

الدروز موجودون منذ الأزل، واعتنقوا كثيرا من الديانات على مر الدهور، واعتنقوا الإِسلام في مرحلة من مراحل عقيدتهم، ولما كانت العقيدة عندهم متطورة فقد تحولوا عن الإِسلام إلى دين آخر مستقل هو الدين الدرزي، أي أن الدرزية كانت مذهبًا إسلاميًا ثم تطورت وأصبحت دينًا مستقلاً، والأقطاب هم الذين يجددون الدين من زمن إلى زمن، وهم يجيئون بأسماء مختلفة بين الفينة والفينة بدافع نظرية التقمص التي يؤمن بها الدروز ولذلك فالدرزية دين متطور يتطور من زمن إلى آخر.

الشريعة الدرزية مأخوذة من القرآن، ومن ستة عشر كتابًا خطيًا لا يسمح لأحد بالاطلاع عليها، كما أنها تأخذ تعاليمها من الفلسفة اليونانية وبخاصة الأفلاطونية القديمة، والمسيحية والإِسلام والبوذية والفرعونية القديمة، ويعتبرون إخوان الصفا من الدروز لتشابه الأفكار بينهما، فقد كان إخوان الصفا يطالبون بمزج الشريعة الإِسلامية بالفلسفة اليونانية، وبهذه المناسبة يخلط البعض خطأ بين الدرزية والإِسماعيلية، والواقع أن الفرق بينهما شاسع كبير. 

محمد (صلى الله عليه وسلم) له مكانة محدودة عندهم، وهو ليس إلا واسطة الرسالة وحسب  (43) ، وللدروز خمسة أقطاب منذ القدم، خامسهم وآخرهم الحاكم بأمر الله الفاطمي  (44) ، ولأبي يزيد البسطامي مكانة عالية سامية  (45) ، وأما الصحابة فمنهم أربعة لهم مكانة عليا عندهم وهم: سلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر  (46) ، وأبو ذر الغفاري  (47) .

لا يقبل الدروز أحد في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه، وحتى هؤلاء الذين يخرجون لا يعترف الدروز بأنهم قد خرجوا، ولذلك فإن عدد الدروز في ظل هذه النظرية ونظرية التقمص لا يزيد ولا ينقص، وقد أغلقت أبواب القبول في الدين الدرزي بعد قبول الأمير بشير الشهابي الذي يعتبره الدروز درزيًا  (48) .

الدين الدرزي دين صوفي يعتمد على الداخليات والجواهر، ولا يهتم بالشكليات، والطهارة الداخلية أي النفسية الروحية هي الأساس، وأما الطهارة الخارجية فلا قيمة لها. 

وقد كان الشيوخ يصلون في المساجد إلى عهد قريب، ويصومون رمضان، ويحجون البيت، ولكن هذه الفرائض جميعًا قد رفعت عنهم واستبدلت بتكاليف أخرى)  (49) .

وفي حديث شخصي آخر أجراه الدكتور الشكعة مع شيخ عقل الدروز الشيخ محمد أبي شقرا، والذي كان أكثر سرية ومواربة في أجوبته، وأقل صراحة من كمال جنبلاط، ومما قاله شيخ العقل: 

الصلاة تختلف عن صلاة جمهور المسلمين، فالفروض وإن كانت خمسة إلا أن عدد الركعات في كل صلاة تختلف عن عدد الركعات المعروفة، وربما طريقة الصلاة نفسها، هذا والوضوء ليس ضروريًا مادام المصلي نظيفًا.

الصوم معناه الامتناع عن الرفث، ومعنى ذلك أنه لا يجوز الأكل والشرب مع الصوم، وهو عشرة أيام في ذي الحجة تنتهي بالعيد، كما أن صوم رمضان مستحسن عن غيره لأن الصوم فيه مضاعف الثواب.

الزكاة معطلة ولا حدود لها، ويمكن أن تكون في شكل صدقات، وهي اختيارية، وهي بالتالي ليست فريضة)  (50) .

ولعل من المفيد ونحن نتحدث عن تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم، أن نعطي بعض الملامح لتاريخ الدروز منذ موت الحاكم وحتى القرن الحالي.

فعندما جاء الزحف المغولي إلى بلاد الشام سنة 657 هـ بزعامة هولاكو، كانت السيطرة على لبنان بيد أمراء الدروز التنوخيين، ولما دخل (كتبغا) ابن هولاكو دمشق جاءه الأمير التنوخي جمال الدين حجي الثاني معلنًا خضوعه له، مما جعل (كتبغا) يقر الأمير الدرزي على مقاطعة الغرب، ولكن مجيء بيبرس من مصر على رأس جيش المماليك لمقاتلة المغول، قلب موازين القوى – في ذلك الوقت -، وهنا ارتأى الدروز أن (يلعبوا على الحبلين)، وذلك أن يبقى أحدهم وهو الأمير جمال الدين بجانب كتبغا، فيما ينضم الأخر أي الأمير زين الدين إلى جانب المماليك، بحيث يكون على قول صالح بن يحيى: (أي من انتصر من الفريقين كان أحدهما معه فسيدخله رفيقه وخلة البلاد)، لأن الانحياز إلى أحد القوتين كان يعني المجازفة بمصيرهم فيما لو خسر الجانب الذي قد ينضمون إليه  (51) ؟ !.

وبعد انتصار المماليك على المغول، استولوا على بلاد الشام دون أن يتعرضوا لمناطق الدروز بسوء، ولذلك وجهوا اهتمامهم لاحتلال المناطق الساحلية التي كانت لا تزال بيد الصليبيين، ولكن بيبرس كانت تساوره الشكوك في حقيقة موقف الدروز، وغدا مليئًا بالشك والحذر منهم، وذلك بعدما نما إلى علمه أن أمراء الدروز على اتصال بوالي طرابلس الصليبي، فأمر بسجنهم ليتسنى له أن يلتفت لغدر الصليبين  (52) .

وكل هذا كان قبل قيام الدولة العثمانية، أما بعد قيامها، فقد راودتهم الأحلام القديمة بقيام دولة مستقلة لهم، وخاصة أنهم رأوا الفرصة سانحة لهم لانشغال العثمانيين بقتال الدول الأوربية المجاورة، فكان أن عملوا على تحقيق هذه الأحلام في عهد الأمير فخر الدين الثاني المنحدر من المعنيين، الذي اتخذ في سبيل ذلك أسلوب المداورة عن طريق حروبه المحلية لبسطة نفوذه على سائر بلاد الشام، ولكن سياسته هذه جعلت العثمانيين يوجسون منه خوفًا، بيد أن تحركه على الصعيد الخارجي عززت تلك المخاوف وأثارت شكوك الباب العالي في ولائه للعثمانيين، وخاصة أن أهدافه الحقيقية بدأت بالوضوح عندما عقد مع دوق توسكانا معاهدة تجارية تضمنت بنودًا عسكرية ضد الدولة العثمانية ؟ ! فقرر السلطان العثماني التخلص من فخر الدين، فجرد عليه حملة قوية برًا وبحرًا سنة 1022 هـ / 1613 م، فهرب إلى أوربا عن طريق ميناء صيدا بمساعدة سفينتين إحداهما فرنسية وأخرى هولندية، وهناك أراد أن يؤلب الدول الأوربية ضد الدولة العثمانية، فسعى جاهدًا للحصول على مساعدات عسكرية من أسبانيا وفرنسا والفاتيكان ضد العثمانيين، ولكن مسعاه فشل لأن الظروف الدولية في ذلك الوقت كانت غير صالحة  (53) .

وبحكم علاقة فخر الدين أمير الدروز الوطيدة بدول أوربا فقد كان يعطف على الإِرساليات الأوربية ويسمح بإنشاء مراكز لها في لبنان وفلسطين، وفضلاً عن ذلك فقد بسط يد الحماية لجميع النصارى في بلاد الشام، حتى صار الأوربيون يدعونه (حامي النصارى في الشرق)، وكان عطف الأمير على الموازنة وتحالفه معهم من أبزر مميزات سياسته الداخلية، وكان أيضًا عاملاً في هجرة الموارنة من مناطقهم إلى مناطق المسلمين، وانتشارهم في أكثر من ثلثي لبنان الحالي، مما قوى مركزهم السياسي في لبنان بعد ذلك (54) ؟!.

وكما يذكر كمال جنبلاط فإن إمارة درزية أخرى كانت قائمة في الدولة العثمانية خاضعة لحكم أحد أجداده، ووجدت في شمال سوريا وكانت تشمل حمص وحماة وحلب ودمشق وجزءًا من تركيا الأنضولية، وشأن الدولة المعينية، فقد عقدت هذه الإِمارة أيضًا معاهدات عسكرية مع الفاتيكان ودوقية توسكانا وأسبانيا، وتلقى جده مقابل ذلك دعمًا سياسيًا وعسكريًا  (55) .

وفي سنة 1253 هـ / 1837 م، قام الدروز بتمرد على محمد علي باشا والي مصر، وكان ذلك في جبل الدروز بحوران بسبب تجريدهم من السلاح وتجنيدهم في الجيش، وبقي هذا التمرد مشتعلاً بعد أن انضم إليه دروز وادي التيم، رغم محاولات محمد علي القضاء عليه، إلى أن جرد عليه حملة قوية سنة 1256 هـ / 1840 م.

وبعد أن وجدت الدول الأوربية الضعف في الدولة العثمانية، عملت على استمالة الأقليات الموجودة داخله، وخاصة في لبنان، الذي كانوا يرون فيه مدخلاً مهمًا لكل مؤامراتهم على الدولة العثمانية، وكانت فرنسا ترى في نفسها مدافعًا شرعيًا عن موارنة لبنان، وقد اتخذت هذه الحجة الواهية ذريعة في سبيل تدخلها في شؤون الدولة العثمانية، وهذه السياسة الفرنسية خوفت بريطانيا مما جعلها سنة 1841 م تعمل على استمالة الدروز إلى جانبها وتقيم علاقات رسمية وودية معهم ومع زعمائهم، ويظهر أن الإِنجليز قد فهموا أحلام الدروز بإقامة دولة لهم، فاستغلوها لاستمالتهم وإقامة العلاقات الوطيدة معهم  (56) .

وقد بات هذا واضحًا عندما ثار الدروز في جبلهم على الدولة العثمانية سنة 1851 م إذ امتنعوا عن دفع الضرائب، فجردت الدولة العثمانية حملة لتأديبهم، فتدخلت بريطانيا لدى الباب العالي، وصدرت الأوامر من الأستانة بحل المشكلة الدرزية سلمًا، وجاء في برقية الصدر الأعظم الموجهة إلى مدحت باشا (والي الشام) بهذا الصدد: (أن الإنجليز لا يسرون بما تتخذه من التدابير لتأديبهم)، وهذا التدخل شجع الدروز، إذ ما لبثوا أن اعتدوا على المكرك وأم الولد وحرقوا زرعهما في سنة 1296 هـ / 1880 م، وعلى قرية (المسمية) في حوران سنة 1308 هـ / 1890 م. 

ثم ثاروا في سنة 1311 هـ / 1893 م و 1313 هـ / 1985 م وكذلك في سنة 1328 هـ / 1910 م. وكانت اعتداءات الدروز على أهالي حوران قد أثيرت في مجلس المبعوثان العثماني، حيث ندد مبعوث حوران باعتداءات الدروز، مطالبًا الدولة باتخاذ الإِجراءات العسكرية الرادعة ضدهم بعد اعتدائهم على الجيش والأهالي، وأنهى خطابه بمطالبة الحكومة بسوق قوة عسكرية على حوران (لصيانة العرض والدين والمال وتأمين الرعية من الخوف)  (57) .

مما تقدم يتضح لنا بأن دروز حوران كانوا في شبه ثورة دائمة ضد الدولة العثمانية، وعندما كانت الولاية تعرض عليهم برامج الإِصلاح وتطلب من زعمائهم مساعدتها في تطبيقها، كان الزعماء يقبلون ذلك ثم يرفضونه وهكذا، وبالرغم من ذلك فقد حاولت ولاية سوريا إصلاح الأوضاع الإِدارية والاجتماعية في منطقة جبل الدروز عن طريق نشر التعليم بين الدروز بإنشاء المدارس وتعليمهم مبادئ الدين الإِسلامي، واتبعت سياسة اللين والرفق مع رؤسائهم الروحانيين، وذلك باستدعائهم إلى دمشق وبذل المساعي لإِقناعهم بقبول الإِصلاحات، فيبدي الزعماء رضاهم التام لدرجة المطاوعة والانقياد، ولكنهم لم يثبتوا على ذلك طويلاً  (58) .

وهكذا يبدو أن ثورات الدروز المستمرة ضد الدولة العثمانية وخاصة بعد سنة 1841 م، كانت تهدف بالدرجة الأولى الاستقلال عن الدولة وبسط السيطرة الدرزية على لواء حوران بمساعدة وتأييد بريطانيا.

وبعد استعمار فرنسا لسوريا، عملت عن طريق عملائها وبكل ما تستطيع من إمكانيات وإغراءات أن تستميل الدروز إلى جانبها ويتركوا الإِنجليز، ومن أجل ذلك تابعت فرنسا استمالة زعماء الدروز، فاستطاعت في 20 نيسان 1921م عن طريق الجنرال (غورو) أن تقنع الأمير سليم الأطرش بإعلان دولة درزية في جبل الدروز وتشكيل حكومة درزية وانتخاب مجلس نيابي مكون من (40) عضوًا، ورفرف لأول مرة في تاريخ الدروز علمهم المكون من خمسة ألوان  (59) .

وعندما رأت بريطانيا أن نفوذها سيزول عند الدروز بسبب هذه الدولة استمالت أحد أمراء الجبل، والذي كان من أهم العوامل التي أثرت على عدم بقاء هذه الدولة وسقوطها.

والحديث عن تاريخ الدروز في القرن الحالي يدفعنا لإِعطاء صورة موجزة عن موقف الدروز من دولة إسرائيل، حيث كانوا بعد قيام هذه الدولة على أرض فلسطين من أهم المدافعين عن وجودها، بل إن إسرائيل استطاعت أن تكون كتيبة منهم فيما يسمى بـ (حرس الحدود) كان له دور خطير ومهم في حروب إسرائيل مع الدولة العربية. 

لذا فإن كمال جنبلاط في كتابه (هذه وصيتي) يعتبر وجود الدروز في إسرائيل مشكلة، ولكن في الوقت نفسه يدافع عن تعاملهم مع دولة العدو وينتقد الفلسطينيين الذين هربوا وتركوا أرضهم وبلادهم ولم يقلدوا الدروز في بقائهم في فلسطين، ولو أنهم بقوا لشاركوا بسهولة في اقتصاد إسرائيل وبالتالي في السلطة السياسية ويكونون أقلية قوية وفعالة في البرلمان، وبالتالي فإن الدروز فيما فعلوه مع إسرائيل قاموا بواجبهم بتعقل، فهم يعلمون أنه لا جدوى في الهجوم على طواحين الهواء – كما يزعم جنبلاط –  (60) .

وفي سنة 1982م عندما احتلت إسرائيل لبنان، رفضت مليشيات الدروز (الحزب التقدمي الاشتراكي) قتال الجيش الإِسرائيلي ورفضت مدفعيته الموجودة في الجبل مساعدة الفلسطينيين، ولذلك استطاع الجيش الإِسرائيلي دخول مناطق الدروز دون أن تطلق رصاصة واحدة، وبقيت الأسلحة في يد الدروز رغم وجود الجيش الإِسرائيلي في مناطقهم.