ألوهية الحاكم عند الدروز

موسوعة الفرق

 ألوهية الحاكم عند الدروز

لعل أهم عقيدة نراها في كتب ورسائل حمزة بن علي وغيره من الدعاة، أن للحاكم بأمر الله حقيقة لاهوتية لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام، ولا تعرف بالرأي ولا بالقياس، ومهما حاول الإنسان أن يفكر فيه لمعرفة كنهه فيه فهو محاولة فاشلة لأن لاهوته ليس له مكان، ولكن لا يخلو منه مكان، وليس بظاهر كما أنه ليس بباطن.

ولا يوجد اسم من الأسماء يمكن أن يطلق عليه، لأنه لا يدخل تحت الأسماء، إذ لا يتصف بصفات، ولا يمكن التعبير عنه بلغة من اللغات.

وهكذا يتفق ذكر التوحيد في رسائل الدروز، وحديثهم عن لاهوتية المعبود، يتفق تمام الاتفاق مع ما ورد في كتب الدعوة الإِسماعيلية عن الله سبحانه وتعالى، ففي كتاب (راحة العقل) لأحمد حميد الدين الكرماني، الذي كان معاصرًا لحمزة بن علي، نجد سورًا كاملاً ذا سبعة مشارع في التوحيد والتقديس، وحديثه في ذلك كله هو حديث رسائل الدروز.

فقد جعل الكرماني المشرع الأول: في بطلان كونه تعالى ليسًا  (1) ، والمشرع الثاني: في بطلان كونه تعالى أيسًا  (2) والمشرع الثالث: في أنه تعالى لا ينال بصفة من الصفات وأنه لا بجسم ولا في جسم ولا يعقل ذاته عاقل... ثم ختم السور بالمشرع السابع: الذي جعله من قبيل نفي الصفات الموجودة في الموجودات وسلبها عنه تعالى)  (3) .

وكنت قد أوردت في فصل سابق رسالة مهمة تتحدث عن هذا المعتقد هي (كتاب فيه حقائق ما يظهر قدام مولانا جل ذكره من الهزل) حيث اتضح لنا من خلافات كيف ينظر حمزة وأتباعه إلى أفعال الحاكم ويظهرونها أفعالاً تدل على الألوهية.

وبما أن عقيدة ألوهية الحاكم، هي المرتكز الرئيسي لعقيدة الدروز فلابد لنا من استعراض بعض ما كتبوه في رسائلهم حول هذا الأمر.

ومع أن الدروز يحاولون – تسترًا وكتمانًا – أن ينفوا هذا المعتقد أمام الآخرين، وذلك تجنبًا لثورة الناس عليهم، وهو ما أمرت به رسائلهم، والذي يفهم منها أنه يجوز للموحد أن ينفي عبادته للحاكم أمام الضد.

وأبدأ أولاً بـ (ميثاق ولي الزمان)، وهو نص العهد الذي وضعه حمزة بن علي ليؤخذ على الداخلين في دعوته:

(توكلت على مولانا الحاكم الأحد، الفرد الصمد، المنزه عن الأزواج والعدد. أقر فلان بن فلان، إقرارًا أوجبه على نفسه، وأشهد به على روحه، في صحة من عقله وبدنه، وجواز أمره، طائعًا غير مكره ولا مجبر.

أنه قد تبرأ من جميع المذاهب والمقالات والأديان والاعتقادات، كلها على أصناف اختلافاتها، وأنه لا يعرف شيئًا غير طاعة مولانا الحاكم جل ذكره، والطاعة هي العبادة، وأنه لا يشرك في عبادته أحدًا مضى أو حضر أو ينتظر، وأنه قد سلم روحه وجسمه وماله وولده وجميع ما يملكه لمولانا الحاكم جل ذكره، ورضي بجميع أحكامه له وعليه، غير معترض ولا منكر لشيء من أفعاله ساءه ذلك أم سره.

ومتى رجع عن دين مولانا الحاكم جل ذكره الذي كتبه على نفسه وأشهد به على روحه، أو أشار به إلى غيره، أو خالف شيئًا من أوامره. كان بريئا من الباري المعبود، واحترم الإِفادة من جميع الحدود، واستحق العقوبة من الباري العلي جل ذكره.

ومن أقر أن ليس في السماء إله معبود، ولا في الأرض إمام موجود إلا مولانا الحاكم جل ذكره كان من الموحدين الفائزين.

كتب في شهر كذ وكذا من سنة كذا وكذا من سنين عبد مولانا جل ذكره ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد، هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين والمرتدين بسيف مولانا جل ذكره وشدة سلطانه وحده) (4) .

وقد ورد هذا الميثاق أيضًا في مصحف الدروز في (عرف العهد والميثاق) بوصفه: (العهد الذي أمر مولانا الحاكم جل ذكره، بكتابته على جميع الموحدين الذين آمنوا به، جل ذكره)  (5) .

ولكن ورد في هذا المصحف، وقبل الميثاق، عهد جديد، لا نعرفه إلا من هذا المصحف سمي بـ (العهد)، وهذا يعطي انطباعًا لقارئ مصحفهم أن العهد والميثاق متلازمان في العقيدة الدرزية، ولذلك نورد فيما يلي نص هذا العهد، لأهمية ذلك في إيضاح نظرة الدروز وعقيدتهم والباقية للآن في ألوهيتهم للحاكم: (آمنت بالله، ربي الحاكم، العلي الأعلى، رب المشرقين، ورب المغربين وإله الأصلين والفرعين، منشئ الناطق والأساس، مظهر الصورة الكاملة بنوره، الذي على العرش استوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، وآمنت به، وهو رب الرجعى وله الأولى والآخرة، وهو الظاهر والباطن. 

وآمنت بأولي العزم من الرسل، ذوي مشارق التجلي المبارك حولها وبحاملي العرش الثمانية، وبجميع الحدود، وأومن عاملاً قائمًا بكل أمر ومنع ينزل من لدن مولانا الحاكم، وقد سلمت نفسي وذاتي وذواتي، ظاهرًا وباطنًا، علمًا وعملاً، وأن أجاهد في سبيل مولانا، سرًا وجهرًا بنفسي ومالي وولدي وما ملكت يداي، قولاً وعملاً، وأشهدت على هذا الإِقرار جميع ما خلق بمشارقي ومات بمغاربي.

وقد التزمت وأوجبت على هذا نفسي وروحي بصحة من عقلي وعقيدتي، وإني أقر بهذا، غير مكره أو منافق، وإنني أشهد مولاي الحق الحاكم، من هو في السماء إله وفي الأرض إله، وأشهد مولاي هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين المرتدين، حمزة بن علي بن أحمد، من به أشرقت الشمس الأزلية، ونطقت فيه وله سحب الفضل: إنني قد برأت وخرجت من جميع الأديان والمذاهب والمقالات والاعتقادات قديمها وحديثها، وآمنت بما أمر به مولانا الحاكم الذي لا أشرك في عبادته أحدًا في جميع أدواري.

وأعيد فأقول: إنني قد سلمت روحي وجسمي وما ملكت يداي وولدي لمولانا الحاكم جل ذكره، ورضيت بجميع أحكامه لي أو علي، غير معترض ولا منكر منها شيئا، سرني ذلك أم ساءني، وإذا رجعت أو حاولت الرجوع عن دين مولانا الحاكم جل ذكره، والذي كتبته الآن وأشهدت به على روحي ونفسي، أو أشرت بالرجوع إلى غيري، أو جحدت أو خالفت أمرًا أو نهيًا من أوامر مولاي الحاكم جل ذكره ونواهيه.

كان مولاي الحاكم جل ذكره، بريئًا مني واحترمت الحياة من جميع الحدود، واستحقت علي العقوبة في جميع أدواري من بارئ الأنام جل ذكره، وعلى هذا أشهدك ربي ومولاي، من بيدك الميثاق، وأقر بأنك أنت الحاكم الإِله الحقيقي المعبود، والإِمام الموجود جل ذكره، فاجعلني من الموحدين الفائزين الذي جعلتهم في أعلى عليين، ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، مولاي إن تشاء آمين)  (6) .

وقد أورد القلقشندي نصا غريبا ليمينهم هذا، لا يتوافق مع معتقداتهم، وخاصة بالنسبة للدرزي، الذي يصفه هذا القسم بأنه: الحجة الرضية، وهذا ما لا يقبله الدروز ويرفضونه  (7) ، وهكذا فإن هذا الميثاق وغيره يبتر حبل الصلة بين المستجيب وكل ما يؤمن به سواه، ويدفعه لتلقي كل ما يرويه حمزة وتلاميذه – مرورًا ببهاء الدين وانتهاء بجنبلاط – عن الحاكم بالرضى والتسليم.

ويوضح حمزة في (الرسالة الموسومة بكشف الحقائق) لماذا أظهر اللاهوت ناسوته ؟ فيقول:

(لكنه سبحانه أظهر لنا حجابه الذي هو محتجب فيه، ومقامه الذي ينطق منه ليعبد موجودًا ظاهرًا، رحمة منه لهم ورأفة عليهم، والعبادة في كل عصر وزمان لذلك المقام الذي نراه ونشاهده ونسمع كلامه ونخاطبه، فإن قال قائل: كيف يجوز أن نسمع كلام الباري سبحانه من بشر، أو نرى حقيقته في الصور ؟ 

قلنا له: بتوفيق مولانا جل ذكره وتأييده، أنتم جميع المسلمين واليهود والنصارى، تعتقدون بأن الله عز وجل خاطب موسى بن عمران من شجرة يابسة، وخاطبه من جبل جامد أصم، وسميتموه كليم الله لما كان يسمع من الشجرة والجبل، ولم ينكر بعضكم على بعض، وأنتم تقولون بأن مولانا جل ذكره ملك من ملوك الأرض، ومن وُلي على عدد من الرجال، كان له عقل الكل، ومولانا جل ذكره يملك أرباب ألوف كثيرة ما لا يحصى ولا يقاس فضيلته بفضيله، شجرة أو حجر، وهو أحق بأن ينطق الباري سبحانه على لسانه، ويظهر للعالمين قدرته منه، ويحتجب عنهم منه. فإذا سمعنا كلام مولانا جل ذكره قلنا: قال الباري سبحانه: كذا وكذا، لا كما كان موسى يسمع من الشجرة هفيفًا فيقول: سمعت من الله كذا وكذا، وهذه حجة عقلية لا يقدر أحدكم ينكرها.

وقد اجتمع في القول بأن لمولانا جل ذكره عقول الأمة، وأن الشجرة والحجر لا تفهم وتعقل عن الله  (8)، ومن يفهم ويعقل عن الله أحق بكلام الله وفعله ممن لا يعقل عنه، وإن كانت الشجرة حجابه، فالذي يعقل ويفهم أحق أن يكون حجاب الله ممن لا يعقل ولا يفهم، وكيف يجوز الباري سبحانه أن يحتجب في شجرة ويخاطب كليمه منها ثم تحرق الشجرة ويتلاشى حجابه، سبحان الإِله المعبود عما يصفون، لا يدرك ولا يوصف مولانا الحاكم جل ذكره وحجابه في كل عصر وزمان باختلاف الصور والأسماء، كما نطق القرآن: (كل يوم هو في شأن لا يشغله شأن عن شأن).

وفي مصحف الدروز يدعي أن العباد كانوا يتوسلون ظهور الواحد الأحد، فيقول: (انظروا ثم انظروا، واسترجعوا الأيام السالفة، فكم من العباد كانوا يتوسلون منتظرين ظهور الواحد الأحد، والحاكم الصمد، والفرد بلا عدد، في الهياكل القدسية، على شأن وصفة يعلمها كل من ألقى السمع وهو شهيد. 

ها قد تفتحت أبواب العناية، وارتفعت غمة المكرمة، وظهرت شمس الغيب في أفق القدرة.

والآن وبعد الآيات البينات، قمتم على تكذيب ما تنتظرون ورفض أحكم الحاكمين، وفوق كل ذلك، أنكم تبتعدون عن لقائه الذي هو عين لقاء الله، كما صرح به الكتاب: (وجاء ربك والملك صفا صفا).

وإلا فقولوا لي أيها الضالون المعاندون: فهل جاء لكم رب غيره مع جنوده، أروني إن كنتم صادقين، أو لم تعاهدوه، وتضعوا أيديكم في يده، أو لم ينادكم، وأخذ عليكم ميثاقًا، وقال: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (وبذلك شهد الكتاب)  (9) .

لذلك فإنه يعيب على الذين كفروا بالحاكم، ذلك لأن في قلوبهم مرض ويقول: (لقد كبر على الذين كفروا، أن يروا الله جهرة كأمثالهم، وضلت ألبابهم وظنوه كأجسامهم وهياكلهم. 

إن الذين في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضا، وأمدهم في طغيانهم يعمهون  (10) ، وأما الذين آمنوا، وسبقت، منه لهم، كلمة الحسنى، فإنه ظهر لهم ليمنحهم نعم الإِيمان، المكنونة في سدرة المعرفة المخزونة التي استظل بها أولو العزم من الرسل، حتى لا تحرم الهياكل الفانية من أثمار المشاهدة الباقية عساهم يفوزون ويؤتون الحكمة بتجلي ذي الجلال الحاكم)  (11) .

ولهذا فإن لهم عذابًا شديدًا لكفرهم بدعوة الحاكم، ويقول مصحفهم:(لئن ينتعل أحدكم بنعلين من نار، يغلي بهما دماغه من حرارة نعليه، إنه لأهون، وأدنى عذابًا، من رافض دعوة مولاه الحاكم، بعد إذ تبين الرشد من الغي... إلى أن يقول: ولو أن من في الأرض استغفر لهم لن يغفر الله مولاهم الحاكم الصمد، والفرد بلا عدد، والواحد الأحد، خطيئاتهم، ولو افتدى أحدهم بما في الأرض جميعًا فلا ينجيه)  (12) .

والدروز ينفون عن الحاكم أنه ابن العزيز، أو أبو علي، أو له أب أو ولد، وهذا ما ينفيه حمزة في (رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد) ويقول:

لأن مولانا سبحانه (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (وما من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك إلا هو معهم)  (13) سبحانه وتعالى عن إدراك العالمين والعاليين والملائكة المقربين والناس أجمعين علوا كبيرا.

فالحذر الحذر، أن يقول واحد منهم بأن مولانا جل ذكره: ابن العزيز، أو أبو علي، لأن مولانا سبحانه هو في كل عصر وزمان يظهر في صورة بشرية وصفة مرئية كيف يشاء حيث يشاء... إلى أن يقول: وهو سبحانه لا تغيره الدهور ولا الأعوام ولا الشهور، وإنما يتغير عليكم بما فيه صلاح شأنكم، وهو تغيير الاسم والصفة لا غير، وأفعاله جل ذكره تظهر من القوة إلى الفعل كما يشاء (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، أي كل عصر في صورة لا يشغله شأن عن شأن.

وأما من قال واعتقد بأن مولانا جل ذكره، سلم قدرته ونقل عظمته إلى الأمير علي، أو أشار إليه بالمعنوية فقد أشرك بمولانا سبحانه، غيره وسبقه بالقول... فمن منكم يعتقد هذا القول فليرجع عنه ويستقيل منه ويستغفر المولى جل ذكره ويقدس اسمه من ذلك... ولا يجوز لأحد يشرك في عبادته ابنًا ولا أبًا، ولا يشير إلى حجاب يحتجب مولانا جل ذكره فيه إلا بعد أن يظهر مولانا جل ذكره أمره، ويجعل فيمن يشاء حكمته، فحينئذ لا مرد لقضائه ولا عاصيًا لحكمه في أرضه. 

ويضيف قائلاً: والنور الشعشعاني التمام، ومعبود جميع الأنام، الصورة المرئية الظاهر لخلقه بالبشرية المعروف عند العالم بالحاكم.

وما أدراك ما حقيقة الحاكم ؟ ولم تسمى بالحاكم في هذه الصورة ؟ دون سائر الصور ؟ ومولانا جل ذكره غير غائب عن ناسوته، فعله فعل ذلك المحجوب عنا في نطقه ذلك النطق، لا يغيب اللاهوت عن الناسوت إلا أنكم لا تستطيعون النظر إليه، ولا لكم قدرة بإحاطة حقيقته.

وأراد بالحاكم، أي يحكم على جميع النطقاء والأسس والأئمة والحجج ويستعبدهم تحت حكمه وسلطانه، وهي عبيد دولته ومماليك دعوته الحاكم بذاته... وترك الاعتراض فيما يفعله مولانا جل ذكره، ولو طلب من أحدكم أن يقتل ولده لوجب عليه ذلك بلا إكراه قلب، لأن من فعل شيئًا وهو غير راض به لم يثب عليه، ومن رضي بأفعاله وسلم الأمر إليه، ولم يراء إمام زمانه، كان من الموحدين الذين لا خوف عليهم.

واعلموا أن الشرك خفي المدخل، دقيق الستر والمسبل، وليس منكم أحد إلا وهو يشرك ولا يدري، ويكفر وهو يسري ويجحد وهو يزدري، وذلك قول القائل منكم: بأن مولانا سبحانه صاحب الزمان، أو إمام الزمان، أو ولي الله أو خليفته، أو ما شاكل ذلك من قولكم: الحاكم بأمر الله، أو سلام الله عليه، أو صلوات الله عليه)  (14) .

وبالإِضافة إلى الرسالة – السابق ذكرها –  (15) (كتاب ما يظهر قدام مولانا من الهزل) هناك رسالة أخرى لحمزة هي (رسالة السيرة المستقيمة) يعطينا فيها حمزة المزيد من تأويلاته لأفعال الحاكم الغريبة، ومما يقوله:

ومن رسوم مولانا جل ذكره الركوب في الهاجرة، والمسير في الرمضاء وفي الشتاء، إذا كان يوم جنوب صعب وغبار عظيم يتأذون الناس في بيوتهم من ذلك الريح والغبار. 

ثم يركب المولى سبحانه في ظاهر الأمر إلى حجر الجب، ويرجع وما في الموكب أحد إلا وقد دمعت عيناه من الغبار والريح، وكلت ألسنتهم عن النطق الفصيح، ونالهم من المشقة والتعب ما لم يقدر عليه أحد، ومولانا سبحانه على حالته التي خرج بها من الحرم المقدس، ولم يراه  (16) أحد قط في وقت الهاجرة الهائلة والسموم القاتلة قد اسود له وجه في ظاهر الأمر، ولا لحقه شيء من تعب، ولا يقدر أحد منهم يقول بأنه لحقه شيء من ذلك.

ومع هذا فقد ترك خلق كثير ممن هو معه في المواكب وكدهم بالنظر إليه لمثل هذه الأمور، فلم يروا منها شيئا، ولا يقدر أحد يقول من حضر مع مولانا سبحانه في ظاهر الأمر في مواضع لا يحصرها كل الناس، أنه شاهد  (17) يفعل شيئًا مما ذكرناه من تعب أو أكل أو شرب حاشاه سبحانه من ذلك.

وأيضًا ما يزعم المشركون به مما أوراهم  (18) من علة جسم من حيث إعلال قلوبهم، وهو في ظاهر الأمر يركب في محفة يحملها أربعة من الأضداد المشركين وتشق به أوساط المارقين الناكثين والمنافقين، وما من العساكر إلا وقد قتل ساداتهم، والرعية كلهم أعداؤه في الدين، إلا شرذمة يسيرة موحدين له مؤمنين به راضين بقضائه، ومن رسوم الملوك أنهم لا يثقوا بأحد من عساكرهم، ولا من أولادهم خوفًا من غدرهم.

فكيف يزعمون أنه مريض، وليس يقدر يمشي، وقد قتل جبابرة الأرض وملوكهم، ويمشي بينهم في محفة، وهو الذي ذكرته لكم في هذه السيرة وأصناف هذه الأفعال ليس هي فعل أحد من البشر، وما هو شيء يستعظم للمولى سبحانه)  (19) .

إذن فكل هذا القتل، والسفك، وغير ذلك من أفعاله، لم تكن طبيعية، بل هي مقررة، تمت بخطة يستوعبها الناس على أن هذا ليس من فعل بشر، وإنما هو فعل إله: يقتل، ويحيي، ويرزق، ويمنع.

أما لماذا تسمى الإِله المعبود بأسماء العباد ؟ فهذا أيضا ما يوضحه حمزة في (رسالة السيرة المستقيمة) بقوله: (فإن قال قائل: فلم تسمى المولى سبحانه باسم العبد، وما الحكمة فيه ؟

قلنا له بتوفيق مولانا جل ذكره وتأييده: أن جميع ما يسمون الباري جل ذكره في القرآن وغيره فهو لعبيده وحدوده، وأجل اسم عندهم في القرآن (الله)، وظاهره خطوط مخلوقة، وباطنه حدود مرئية مرزوقة وظاهره اسم وباطنه مسمى، والمعبود غيرهما وهو الاسم الحقيقي، وهو لاهوت مولانا سبحانه وتعالى عما يصفون.

فلما كانت العبيد عاجزين عن النظر إلى توحيد باريهم إلا من حيث هم وفي صورهم البشرية، أوجبت الحكمة والعدل أن يتسمى بأسمائهم حتى يدركون بعض حقائقه)  (20) .

ولكي يبرهن دعاة الدروز على أن عبادتهم وتأليههم للحاكم هي العبادة الصحيحة، يحاولون أن يثبتوا أن عبادة جميع أهل النحل والأديان الأخرى، هي عبادة عدم، لأنها بلا معرفة ولا مشاهدة. يقول المقتني بهاء الدين في (الرسالة الموسومة بالشافية لنفوس الموحدين) ما يلي: 

وذلك أن جميع أهل النحل والأديان يعترفون بالمعبود وينكرون إذا دعوا إلى حقيقته – الوجود – كما قال: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا)  (21) ، أي يقرون أن لهم باريا، فإذا دعوا إلى معرفة توحيده أنكروا وجوده، وكلهم أعني من قدمت ذكره من جميع أهل النحل والأديان يوجبون على أنفسهم عبادة يرجون بها ثوابه ويفرون بها من عقابه، والعقل يقطع ويشهد ويوجب أن الثواب لا يصح ولا يثبت إلا من بعد معرفة المثيب إذ كان الخلق إلى معرفة المثيب هم أحوج منه إلى معرفة ثوابه، وأيضًا جميع أهل الشرع والمذاهب المتقدمة.

وأيضًا فإن كان معدومًا فقد سقطت الحجة عن جميع الخلق وكان الكل معذورين في توقفهم عن طلب الحق، ويؤيد ما ذكرته ما تقدم به الخلق من أقوالهم، أن الله لا يحتجب عن خلقه لكن حجبته عنهم أعمالهم)  (22) .

وفي هذا المعنى أيضًا يقول في (رسالة من دون قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن) ما يلي: (وجميع العالم على شك، والشك هو الكفر لأنهم يعبدون من لا يسمع ولا يُسمع، ولا يضر ولا ينفع، ولا يدرون هل عبادتهم مراده، أو أراد منهم شيئًا مما أجازته عقولهم. 

وأيضًا فقد تقدم القول بأن المولى جل ذكره عادل غير جائر، تعالى وجل عما يقوله الملحدون علوا كبيرا، فأي عدل يقتضي أن يكون فوق سبع سموات على كرسي فوق السماء السابعة كما يزعم المشركون  (23) ، وقد كلفنا مع هذا عبادته ومعرفته، فهل في وسع أحد أن يعرف ما خلف الجدار الذي هو أقرب إليه من كل قريب إن لم يكشف عنه وينظره بعينه، فنعوذ بالمولى أن ننسبه أنه احتجب بهذه الحجبة، ثم كلفنا مع ذلك عبادته ومعرفته، بل ظهر تعالى بهذه الصورة الناسوتية التي تشاكلنا من حيث المجانسة والمقابلة، فهذا نفس العدل.

ووجه آخر أن ابن آدم غرض الباري من جميع المخلوقات، فلما صح عند ذوي العلم والمعرفة والفهم، أن ابن آدم أفضل الأشياء كلها وجب أن يحتجب الباري جلت قدرته في أجل الأشياء، واحتجب بأشرف المخلوقات، واحتجب بأعلم الأشياء، فنعوذ بالمولى من سوء اعتقاد من يعتقد أنه في الأموات، وأيضًا فإن العالم كله ما اختلفوا في أن الباري قادر فأين قدرته لو غاب الدهر كله لا يظهر، أليس يكون عجز عن الظهور ؟

وأيضًا فلو ظهر الدهر كله، ثم لم يغب لعجز عن الغيبة، ولو ظهر في كل الظهورات بصورة واحدة وعلى حالة واحدة لكان ذلك عجزًا)  (24) .

بهذه الطريقة يحاول حمزة ودعاته أن يثبتوا أن ظهور اللاهوت بصورته الناسوتية (الحاكم)، كان رحمة للناس وعدلاً لهم منه، وفي زعمهم أن أهل الأديان الأخرى لا يعبدون إلا العدم الذي لا يسمع ولا ينفع ولا يضر، فكان ظهوره هذا رحمة للموحدين.

أما لماذا تسمى الحاكم – (الإمام) ؟ فيجيبنا حمزة على ذلك بقوله: (ولو كان في العالمين شيء أفضل من الإِمامة، لكان المولى جل ذكره في ظاهر الأمر تسمى به، فلما لم يظهر في الناسوت إلا باسم الإِمامة علمنا أنه أجل أسماء المولى جلت قدرته)  (25) .

وعن نهي الحاكم تقبيل الأرض بين يديه، وتأويل ذلك، تجيب عنه (الموسومة برسالة النساء الكبيرة) إذ تقول: (ألم تسمعن ما تلي عليكم في السجل المكرم أيضا، بالنهي عن تقبيل الأرض بين يدي مولانا جل ذكره، ألم تعلمن أن الأرض هي الأساس، وأن التقبيل أخذ علمه، وقد نهاكن عن ذلك)  (26) .

وفي شرح (ميثاق ولي الزمان) يشرح قول حمزة في الميثاق: (وأنه لا يعرف شيئًا غير طاعة مولانا جل ذكره) بقوله:

المعرفة ها هنا بالفعل لا بالعلم، يعني أنه لا يدخل في عبادة الحاكم سبحانه ولا يعتقد سواه، كقوله: لم أعرف غيره ولم أتوجه إلا إليه، وكقوله: لم ينطلق في الدعوة الشركية ولا يعرف غير الدعوة اللاهوتية. 

والطاعة هي العبادة، لأن العبادة في هذا الموضع تأليه وتقديس، وفي غير هذا الموضع العبادة هي الاتباع والطاعة مطلقًا، ويجوز للعبد أن يقول عن نفسه: أنه يعبد الإِمام أي يتبعه ويطيعه، كقوله: (إن كنتم إياه تعبدونه)  (27) أي تطيعون وتتبعون.

وإنما أظهر لنا الناسوت رفقًا بنا وطمأنينية لقلوبنا، لأن ليس في طاقتنا مقابلة الأهوة. وقال: ولو انكشف لها معرفة مبدعها من غير تأنيس ولا تدريج لصعقت لقدرته وخرت، فلو تجلى جل جلاله للخلق من حيث هو لتلاشى كل شيء لعظم إشراق ضوء شعاع نور الأهوة.

ويجب على من أقر بصورة الناسوت أن يعلم علما يقينا أن اللاهوت فيها غير منفصل عنها كقوله: إن الحجاب هو المحجوب، والمحجوب هو الحجاب ذلك هو، وهو ذلك لا فرق بينهما، وكقوله لا يغيب اللاهوت عن الناسوت، ومثل الناسوت في اللاهوت مثل الخط من المعنى، فالخط مثل الناسوت)  (28) .

ولا يزال الدروز حتى الآن يؤمنون ويقولون بهذه الأقوال، من هؤلاء الدكتور سامي مكارم الذي يقول:

(ويمكننا أن نقول: إن الناسوت من اللاهوت كالخط من المعنى، وكما أن فكر الإِنسان المحدود بالكيفية والإِضافة والزمان وما شابه ذلك لا يستطيع أن يدرك المعاني مجردة من الخط أو الصورة أو الصوت، كذلك لا يمكن أن يدرك اللاهوت بوجه من الوجوه، وإنما يتجلى الله في الناسوت، ويكون هذا الناسوت قد تنزه عن كل ما ليس هو في حقيقته وشموله، فأضحى تشخيصًا للإِنسان الكامل، أي ناسوتًا مجردًا متطهرًا مثاليًا متنزلاً بتجرد الباقي السرمدي فيه عن التوهم والفناء.

وهذا هو التأنيس بالنسبة للآخرين بغية التعرف من خلاله إلى حقيقة الموجود في سعي بعضهم، وتقربهم، وطلبتهم للمشاهدة والتوحيد الآخر)  (29) .

والدروز يعتقدون أن الإِله المعبود اتخذ له في الأدوار الماضية صورًا ناسوتية أخرى، ويعتقدون أيضًا أن هذه الأدوار كانت سبعة أدوار وأن الإِله المعبود قد أظهر ناسوته في هذه الأدوار عشر مرات أو (مقامات)، وفي (رسالة السيرة المستقيمة) حديث طويل عن هذه الأدوار، يقول حمزة في هذه الرسالة: 

وهو القسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، هو الحاكم جل ذكره نطق بأن مولانا جل ذكره هو القائم على كل نفس بما كسب، وهو المعز، وهو العزيز، وهو الحاكم جل ذكره، يظهر لنا في أي صورة شاء كيف يشاء (إن الدين عند الله الإِسلام)، أي سلموا أمورهم إلى المولى سبحانه ورضوا بقضائه، فهم المسلمون له حقا، والمؤمنون به، والموحدون له تأليهًا وسدقًا.

وتسمى مولانا جل ذكره بالقائم لأن أول ما ظهر للعالم بالملك والبشرية في أيام النطقاء الناموسية والشركية، فقام على العالمين بالقوة والقدرة)  (30) .

فتغيير صور ناسوته إنما كان لصلاح شأن الناس، لأن ناسوته لا يفارق لاهوته طرفة عين، لذلك ظهر في مقام القائم باسمه ووصفه، وظهر في مقام المنصور جلت قدرته، وهو في مقام المعز جلت عظمته، وفي مقام العزيز أيضًا جل جلاله (العزيز والمعز هما أب وجد الحاكم بأمر الله)، وكل هؤلاء واحد لا يشغله شأن عن شأن، يعني لا يشغله ظهوره في صورة عن ظهوره في صورة أخرى)  (31) .

والمقامات الناسوتية التي ظهر فيها المعبود هي كما يعتقد بها الدروز:

العلي.

البار.

أبو زكريا: ظهر في وقت السماء الثالثة سنة 220 هـ.

عليا: ظهر في وقت السماء الرابعة.

المُعل: ظهر في وقت السماء الخامسة. 

 القائم: كان طفلاً استودعه مع سر إمامته أبوه المعل برعاية سعيد المهدي الملقب بـ (عبيد الله) سنة 280 هـ، وكان سعيد في العشرين من عمره، هرب بالقائم من وجه العباسيين إلى مصر سنة 289 هـ، ثم إلى شمال أفريقية سنة 308 هـ، وهو مؤسس الدولة الفاطمية. 

تلاه المنصور الذي حكم من سنة 334 إلى سنة 341 هـ، ثم المعز من سنة 341 إلى سنة 365 هـ، وهما مع القائم يعتبرون في المذهب الدرزي ذاتًا واحدة.

العزيز: من سنة 365 إلى سنة 386 هـ، وأخيرًا الحاكم بأمر الله)  (32) .

والاعتقاد بهذه المقامات العشرة، واجب مؤكد على الدرزي، ففي رسالة درزية مخطوطة، مجهولة المؤلف وعنوانها (ذكر ما يجب أن يعرفه الموحد ويعتقد به ويحفظه ويسلك بموجبه، وهو قول موجز عن كتاب الفرائض) يقول فيها مؤلفها: 

ويجب معرفته تعالى في المقامات العشرة الربانية وهم: العلي، والبار، وأبو زكريا، وعليا، والمعل، والقائم، والمنصور، والمعز، والعزيز، والحاكم، وكلهم إله واحد لا إله إلا هو.

فالعلي الأعلى كل زمان تجريد ولا إمامة فيه، ولم يكن قبله شيء وظهر في أول الدنيا، ثم البار تجريد عن الإِمامة وظهوره في أواخر أدوار الدنيا، وبين العلي والبار تسع وستون كشفة، وبين كل كشف وكشف سبع شرائع، وبين كل شريعة وشريعة سبعة أئمة، ومدة كل إمام مائة ألف سنة، فتكون الأدوار والشرائع من العلي إلى البار ثلثمائة ألف سنة. 

ثم بعد غيبة مقام البار سبحانه وتعالى، ظهر آدم الجزي الذي هو أحنوخ بشريعة توحيدية يدعو إلى توحيد البار سبحانه، وظهر بعده سبعة أئمة من حروف الصدق وحدوا حدوده، ثم ظهرت بعدهم الشرائع الناموسية بالنطقاء التكليفية الذين هم: نوح، وإبراهيم، وموسى، ومحمد، وسعيد المهدي، وكلهم نفس واحدة، وبين كل ناطق وناطق سبعة أئمة، ودخل أهل الحق في هذه الشرائع المذكورة  (33) .

وأما ظهور أبي زكريا وعليا  (34) والمعل، كان بإمامة مستورة في دور محمد بن إسماعيل، ثم بعد سعيد المهدي ظهر البار سبحانه في مقام القائم والمنصور والمعز والعزيز، وذلك في الخلافة الظاهرة والإِمامة الباطنة.

وأما مقام الحاكم فظهر بالثلاث منازل المذكورة، ثم تجرد بالوحدانية وكشف توحيده مدة من السنين، ثم أعطى الخلافة والإِمامة لعلي الظاهر  (35) ، الذي هو الدجال، وأعطى الإِمامة الحقيقية إلى صاحبها الذي هو القائم المنتظر حمزة بن علي صلى الله عليه)  (36) .

ومما يذكر أن حمزة أيضًا وجميع الحدود الآخرين كانوا يظهرون في هذه الأدوار بأسماء وصور مختلفة. 

وفي (رسالة السؤال والجواب) هذا الحوار أيضًا عن المقامات الناسوتية التي ظهر بها اللاهوت: 

س: وكم مرة ظهر مولانا الحاكم بالصورة الجسمانية ؟

ج: ظهر عشر مرار، وتسمى بالمقامات وهم: العلي، البار، عليا، المعل، القائم، المعز، العزيز، أبو زكريا، المنصور الحاكم. 

س: فأول المقامات الذي هو العلي، أين ظهر ؟

ج: ظهر في الهند في مدينة يقال لها حين ما حين. 

س: والبار أين ظهر ؟

ج: بالعجم في مدينة يقال لها أصبهان  (37) ولأجل هذا تقول الفرس بارخدا، وعليا ظهر في اليمن، والمعل ظهر بالمغرب، في صورة رجل مكاري على ألف جمل، والقائم ظهر بالمغرب في مدينة يقال لها المهدية (38) ، ومنها جاء إلى مصر، وأبو زكريا والمنصور ظهرا في المنصورة  (39) ، والمنصور كان اسمه إسماعيل.

س: وكيف نقول في باقي الملل، الذين يقولون أننا نعبد الرب الذي خلق السماء والأرض ؟

ج: ولو قالوا ذلك لا يصح معهم، لأن العبادة لا تصح بلا معرفة، ولو قالوا عبدنا ولم يعرفوا أن الرب هو الحاكم بذاته فتكون عبادتهم كاذبة)  (40) .

ويقول الدكتور محمد كامل حسين: (وليس لنا أن نناقش هذه العقيدة، إلا أننا نحب أن نسجل أن ظهور أبي زكريا القرمطي كان أسبق من ظهور القائم بأمر الله.

ثم قولهم في (رسالة السيرة المستقيمة) : أن القائم كان بمصر وبنى بها بابا يسمى الرشيدية، كل ذلك بعيد عن الحقيقة التاريخية، حقيقة حاول القائم بأمر الله فتح مصر أكثر من مرة ولكن لم يوفق، فكيف أقام بها وشيد بها بابًا ؟)  (41) .

والحقيقة أن الدارس لرسائل الدروز وخاصة رسائل حمزة يجد المغالطات التاريخية التي لا تخفى على أحد، وخصوصًا عندما يتحدث حمزة عن ظهوراته أيضًا في المقامات المختلفة من زمن آدم عليه السلام إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم.

وكل هذا يدل دلالة واضحة على الشعوذات والمغالطات التاريخية التي أتبعها حمزة في إثبات معتقداته. 

غير أن هناك نقطة مهمة في هذا الموضوع أحب أن أوضحها، وهي أن المقام الأخير من ظهور اللاهوت بالناسوت – أعني ظهور الحاكم – كان الظهور الأخير من ظهور المعبود.

لأن المعبود غضب – بعد ذلك – على كل خلقه ماعدا الموحدين ؟! ولذلك أغلق باب دعوته فغاب إلى داخل السور المسمى (سد الصين) ليبقى إلى أن يشاء ثم يظهر يوم الدين.

وهذا ما يقوله حمزة في (رسالة الأسرار ومجالس الرحمة والأولياء)، أما متى سيكون يوم الدين فهذا ما تحدث عنه حمزة مرارا بأنه سيكون قريبًا، وبذلك يكون انتهاء هذا الدور، كما صرح حمزة: أن الأدوار السابقة سبعون دورًا ومن كل دور واحد سبعون أسبوعًا وكل أسبوع سبعون سنة، وكل سنة ألف سنة من السنين التي يعدها البشر  (42) ، وفي كل هذه الأدوار ظهر المعبود في نفس الصور التي ظهر في هذا الدور الذي نعيش فيه، وبذلك يكون عدد ظهور المعبود في كل الأدوار حوالي سبعمائة مرة)  (43) . والغريب أن كمال جنبلاط يحدد ظهور التجلي الإِلهي الجديد في حدود سنة (2000 م)، حيث يتنبأ بظهور التجلي الإِلهي والحكيم من جديد، وعندها يفتح الطريق من جديد ويصير بإمكان جميع الناس في كافة أصقاع العالم سلوكها  (44) .

ويقول المقتني بهاء الدين عن يوم الدين حسب وجهة نظره: 

وأنتم تعلمون معاشر الإِخوان، وفقكم المولى لطاعته وسددكم عرضاته، أن قد صح عندكم أن الدنيا قد أفناها مولانا الحاكم سبحانه، وأنكم في أوائل الآخرة ودليلكم على ذلك واضح، وذلك أن مولانا سبحانه أظهر لكم إمام توحيده فنادى بكم وأرشدكم... واعلموا معاشر الإِخوان، أن لو كان المعبود سبحانه ينتقل بعد هذا الظهور في الأقمصة المختلفة لكان هذا أمر لا نفاذ له، وأمد لا آخر له، وكانت تنفذ الديانة الآن، ويكون هذا يدل على أن من عمل عملاً لم يجازى عليه من ضد وولي)  (45) .

ونختتم هذا المبحث عن ألوهية الحاكم، بـ (شعر النفس) الذي نظمه أحد حدودهم: إسماعيل بن محمد التميمي صهر حمزة، وهو موجود بين رسائلهم، يمجد فيه الحاكم الإله المعبود، يقول التميمي في هذا الشعر:
إلى غاية الغايات قصدي وبغيتي   إلى الحاكم العالي على كل حاكم
إلى الحاكم المنصور عوجوا وأتمموا   فليس فتى التوحيد فيه ينادم  
هو الحاكم الفرد الذي جل اسمه   وليس له شبه يقاس بحاكم
حكيم عليم قادر مالك الورى   يؤانس بالاسم المشاع بحاكم  
هو الحاكم المولى بناسوته يُرى     ولاهوته يأتي بكل العظائم
تسمى إمامًا والإِمام عبده   يتقظى ولا يصغى إلى كل نائم
وقد ظهر المولى فآنس عبيده   بأفعالهم أنسا بحكم حاكم
ظهورا بأفعال العبيد وشكلهم   ويؤنسهم والخلق شبه بهائم  (46) .



إن النصوص السابقة وأخرى كثيرة مثلها، تدل صراحة على تأليه الحاكم من قبل الدروز: 

وأمام هذه النصوص الواضحة والجلية، أتساءل: لماذا يحاول الدروز للآن أن ينفوا ظاهرًا هذا عن معتقدهم ؟ مع أنهم يؤكدونها في مجالسهم الخاصة. يقول الأستاذ عبد الله النجار (وهو درزي) : (وإني لأذكر عتاب كبير الأشياخ الثقات، لأني ذكرت في أحد الكتب المطبوعة: أن أم الحاكم كانت صقلبية، إذ قال لي: أن الحاكم لا أم له مرددا ما جاء في الرسالة 26: حاشا مولانا جل ذكره من الابن والعم والخال، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]  (47) 

ولقد حاولت جهدي أن لا أعلق كثيرًا على ما تضمنته هذه الرسائل، لأن ما تحويه لا تجعل مجالاً لأي تعليق ؟ وما تضمنته يغني عن أية زيادة ؟!  (48)