حقيقة الخوارج و داعش/ مقتطف من درس التفسير 28 رمضان 1435

الشيخ خالد عبد الرحمن
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ..
فقد بيَّن  شيخُ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله وغيرُه مِن العُلماء حين تكلَّموا عن فِرق الخوارج بأنَّ مِن الخوارج مَن لا يُكفِّرُ بكُلُّ كبيرةٍ، وإنَّما يُكفَّرُ ببعضِ الكبائر دون بعض.
 
كثيرٌ مِن النَّاس يقول هؤلاء لا يُكفِّرون بالزِّنا الآن، ولا يُكفِّرون شاربَ الخمر، ولا يُكفِّرون المُرابي، ولا يُكفِّرون! ولا يُكفِّرون! كيف تُسمُّونهم خوارج؟!
وهذا الإشكال الْتَبسَ عند كثيرٍ مِن النَّاس حين لم يعلموا أنَّ الخوارج مِنهم مَن يُكفِّرُ بالكبيرةِ، ومِنهم مَن لا يُكفِّرُ بالكبيرةِ؛ لذلك صِنفٌ مِن الخوارج يُكفِّرُ وُلاةَ الأمرِ.
 
الآن الحُكمُ بما أنزل اللهُ ذنبٌ مِن الذُّنوب، فإذا أنتَ لم تُكفِّرْ الزَّاني، وشاربَ الخمرِ، وتركَ الزَّكاة، أو لمْ تُكفِّرْ تاركَ الصِّيام؛ حينئذٍ الحُكمُ بغيرِ ما أنزل اللهُ ذنبٌ كسائرِ الذُّنوب؛ فلا يُكفَّرُ به.
فإذا أنتَ كفَّرتَ بالحُكمِ بغيرِ ما أنزل اللهُ؛ فقد قُلتَ بمذهبِ الخوارج ـ وهي فِرقةٌ مِن فِرقِهم ـ الّذين لا يُكفِّرون إلاَّ ببعضِ الكبائر، والّتي مِنها بإتِّفاق الخوارج!
 
الذَّنبُ الَّذي يتَّفقُ عليه الخوارج بأنَّه يُكفَّرُ به الحُكمُ بغيرِ ما أنزل اللهُ؛ لذلك قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة رحمه اللهُ في هذا الآية "ومَن لم يحكُمْ بما أنزل اللهُ فأولئك هو الكافِرون"[المائدة: 44]، ، قال شيخُ الإسلام: "ولم يستدِل بعُموم هذه الآية ـ ويجعلُها عامةً ـ إلاَّ الخوارج"؛ لذلك قال الامام ابن باز رحمه اللهُ: "مَن نزع يد الطَّاعة مِن وُلاة الأمر، وخرج عن الجماعة؛ فهو خارجيّ"، وقال البربهاريّ رحمه اللهُ: "مَن خرج عن الطَّاعة؛ فهو خارجيّ".
 
إذًا ليس مِن شرطِ أنْ يكون الرَّجلُ خارجيًّا أنْ يُكفِّر بكُلِّ كبيرةٍ، هذه واحدة.
 
- يبدو أنَّ هُناك بقيَّة للسُؤال ذهب مِن ذِهني! - بل هو في الاعتِبار! - إيه بقيَّةُ أيش؟...هذا سُؤال له علاقة ... - جيَّد هاتْ، تفضَّل.
 
يعني يتكلَّم عن داعش أنَّهم قد يزعمون أنَّهم يُقيمون الدِّين والتَّوحيد، ولا يُكفِّرون أصلا بالكبائر؛ فكيف الرَّدُّ على مَن يتعاطف معهم؟
 
أوَّلا على المُسلِمِين أنْ يُرجِعُوا الأُمُور إلى أهلِها قال تعالى: "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْۗ "[النِّساء: 83]؛ فإذا استجدَّ على المُسلِمين فتنةٌ، وجاء أمرٌ مِن الأمن أو الخوف؛ رجعنا للعُلماء.
الآن الإمام العلامة الفقيه الفوزان، وغيرُه مِن أهل العلم ماذا يقولون في هؤلاء؟ داعش أنَّهم خوارج، وأنَّهم أهل فِتنة، وأنَّهم أهل سوء؛ يُذبِّحُون المُسلِمين.
وهؤلاء يعتقِدُون أنَّ كُلَّ مَن لا يقبل بإمارةِ البغداديّ فهو كافرٌ، كيف تقول أنَّهم لا يُكفِّرون بالكبيرة؟!
هُم يُكفِّرون (بالكُوم) على قول المصريِّين، يعني كُلُّ مَن لا يرى إمارة البغداديّ؛ فهو عند داعش كافرٌ، ويُكفِّرُون وُلاةَ الأمر، ويقولُون بأنَّ حُكَّام المُسلِمين مِن أقصى الأرض إلى أدنى الأرض كُلُّهم كُفَّار، هذا مُعتقَد داعش، ويستحلُّون الدِّماء، ويُذبِّحُون، ولا يرْقُبُون في مُؤمنٍ إلاًّ ولا ذِمَّة؛ فإنْ لم يكُنْ هؤلاء هُم الخوارج! فمَن هُم الخوارج؟! مَن هُم الخوارج؟ 
الّذين يقُولُون: كُلُّ مَن لم ير بيْعة البغداديّ فهو كافرٌ يجبُ قتلُهُ، وكُلُّ حُكَّام المُسلِمين كُفَّار! 
إنْ لم يكُن هؤلاء هُم أصلُ الخوارج؛ فلا أعلم أصلا خارِجيًّا في الأرض!
 
لذلك عليك بأهلِ العلم لا سيما الشَّباب، على الشَّباب أنْ يتعلَّموا حتَّى لا تنجرِف بهم العواطف. 
 
أمَّا ما يُظهِرُون مِن إقامة الحُدود، ومِن تعظيم الشَّعائر؛ هذا معلُومٌ مِن طبْعِ الخوارج، النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الصَّحيحيْن يقول: "يحقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صلاتِه، وصِيامَه مع صيامِه"[حديث أبي سعيد الخُدريّ رضي اللهُ عنه، البُخاريّ(6163)، مُسلم(2456)]. 
إذًا هُم يُظهِرُون تعظيم الشَّرع مِن صلاة، مِن زكاة، مِن إقامةِ حُدُود، ولكنَّهم على اعتِقادٍ فاسدٍ؛ ولذلك لا ينبغي أنْ يُغترُّ بما يُظْهِرُون مِن تعظيم الشَّرع.
 
الخوارج الأُوَل لماذا قتَلُوا أصحاب النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين أَعلن الخوارج تعظيم الشَّرع؟! قالُوا: "لا حُكمَ إلاَّ لله"، فقال عليٌّ: "كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل"[عند مُسلم (246)]. 
فأظْهَرُوا مِن تعظيم الشَّرع، ومِن إقامةِ حُدُود الشَّرع ما استحلُّوا به دِماء الصَّحابة، فكفَّرُوا الصَّحابة، وقتلُوهم، واستحلُّوا دِماءهم بتعظيم الشَّرع، وبِاسم تعظيم الشَّرع "لا حُكمَ إلاَّ لله"، فقال عليٌّ: "كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل". 
 
هذه طريقةُ الخوارج مِن قديم؛ فيجبُ الحذر والتَّنبُّه لهذا، والحرص على العلم، والارتِباط بعُلماء السُّنَّة والحديث والفُقهاء أهل الحديث والأثر حتَّى لا يقعَ الإنسان في حبائل هؤلاء الدَّجاجلة، نعم.
جزاكم اللهُ خيرًا...