القطب عند الصوفية (1)

الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله
القطب عند الصوفية (1)
 
مقدمة :
 
تسمع من الصوفية وضحاياهم من العوام قولهم : شيخنا قطب ، وكان السيد البدوي قطب الغوث في زمانه ، وكان ابن عربي قطب الأقطاب .
ترى ماذا يقصد الصوفية بهذه الكلمة الوثنية المعنى ؟ هل اتحدت عندهم مفاهيم هذه الكلمة في هذه الإستعمالات الثلاث ؟ أعني : القطب ، وقطب الغوث ، وقطب الأقطاب ؟ أو لكل كلمة مفهوما خاصا يزيد أو ينقص عن مفهوم الكلمة الأخرى ؟ هذه أسئلة نوجه بها هذا البحث إلى الفكر الباحث في أعماق وثنيات الصوفية ، وسنجيب عليها - بمشيئة الله - هنا بعد أن نوجه سؤالا آخر هو : هل يقصد عوام الصوفية من دراويش ومجاذيب وبله عين ما يقصده خواصهم من آلهة وأرباب وطواغيت بهذه الكلمة ؟ هل يفهم العوام من القطب عين ما يفهمه خواص الصوفية ؟ وهل يضيفون إليه تلك القوى القهارة الجبارة مثل ما يضيفه إليه زعماؤهم ؟
نبادر إلى الجواب عن هذا : بأنّ عوام الصوفية كخواصهم يفهمون في القطب فهما وثنيا أسطوريا يجعله في مصاف الآلهة ، وفوق الآلهة غلابا ومكرا وقهرا .
والدليل على ذلك ما يأتي :
يؤمن العوام بأنّ من أوليائهم من لهم التصرف في أقضية الوجود وأقداره ، فهذا له التصرف في عالم الملك ، وذاك له التصرف في عالم الملكوت ، وآخر له التصرف في عالم الجبروت : ألا تسمع هاتفهم المكروب يصرخ في كربته مستغيثا بقوله : مدد يا أهل التصريف ؟!
ألا تسمع منهم أسطورة المحكمة الباطنية ، تلك التي يجتمع فيها أقطابهم وأولياؤهم من الأموات ليحكموا على الأحياء بما يريدون ؟ ألا تسمع أن الدرويش فلان عصى الله في مقام الشيخ فعطبه الشيخ ؟
ألا تسمع الجميع ينادون آلهتهم أم هاشم بقولهم : مدد يا رئيسة الديوان ؟
وتسأل العوام عن القطب ، فيجيبونك : عليه حفظ الكون ، وقد يسكر القطب إذا تجلى الله عليه فيميل من سكره ، ولا ينجو الكون من ميله إلاّ إذا تولى أمره قطب آخر لا يسكر من خمرة الله !!
ويقول العوام أيضا : إنّ القطب يتغير ، ويتشكل ، وتطوى له الأرض ، فهو هنا ، وهو هناك ، لا تحده المكانية ، ولا الزمانية ، ولا تقيده الجسمية عن هتك حجب المادية ، فيستشرف ما جن وراءها من أسرار ، وما استتر خلفها من غيوب ، إنه مع البرق طيار ، ومع الريح سيار ، إنه قوة روحية منطلقة متجردة من كلّ علائق البشرية ، فلا السماء بل ولا الحجب فوقها بل ولا العرش ، بل ما كل ما في الوجود أسفله وأعلاه ، إلا ويدين لقدرته ، ويعنو لجبروته ، ومن يكابر فليذهب إلى ما حول ما يسمونه المشهد الحسيني أو ازينبي .
وليسأل هنا أحلاس الأصنام ، وسدنة الطواغيت عن القطب ، وحوله ، وطوله ، فيسمع منهم أنه هو القطب في وقته ،أو أنه رلأى القطب ، وآكله ، وشاربه ، ولقد كنت أول أمري مفتونا بالقطب فسألت أحد النقباء في قريتي عن القطب وهل رآه ؟
فقص لي النقيب العظيم أنه رآه يلبس طرطورا ، وفي فمه زمارة ، ويلبس (دلقا) .
فقلت : يا سلام !! .. والآن عرفتك يا صاحب الطرطور !!
من ذلك نفهم - مع اليقين - أن عوام الصوفية يضيفون إلى القطب نفس الخصائص التي يضيفها إليه خواصهم ، ويفهمون فيه تلك القدرة القهارة الجبارة مثل ما يفهم زعماؤهم ، ودليلنا من الواقع المحس بالسمع والبصر ، فلا يقولن لنا قائل بعد ذلك : إنّ هذا القطب الذي تكتب عنه ، هو في فهم خواص الصوفية فحسب ، أما العوام فهم برآء من هذا .
نعم ، لا يقولن لنا مكابر ذلك ، فقد أقمنا الحجة القطعية من البداهة والحس على أن العامي من الصوفية يفهم في القطب مثل ما يفهم شيخه الأكبر ، وكبريته الأحمر ! لا فارق إلا في التعبير بالمصطلحات الصوفية عن ذلك التصور الذهني الباطل ، فنفس الصورة المرتسمة في ذهن الصوفي العادي ومن لحقته عدوى الوثنية من سواد العامة ، هي نفس الصورة المرتسمة في ذهن الصوفي المطمطم ولكن يختلفان في التعبير الفني عن تلك الصورة فقط ...
 
القطب :
وما هو ؟ نحب هنا أن نتكلّم عن القطب في مفهومه المطلق ن ثمّ نتكلّم بعد عن قطب الغوث ، وعن قطب الأقطاب .
يقول الصوفية تعريفا للقطب :(هو عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في كلّ زمان ، أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعم، وزنه يتبع علمه، وعلمه يتبع علم الحق، وعلم الحق يتبع الماهيات الغير المجعولة، فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل، وهو على قلب إسرافيل من حيث حصته الملكية الحامل مادة الحياة والإحساس لا من حيث إنسانيته، وحكم جبرائيل فيه كحكم النفس الناطقة في النشأة الإنسانية، وحكم ميكائيل فيه كحكم القوة الجاذبة فيها، وحكم عزرائيل فيه كحكم القوة الدافعة فيها)
هذا هو نص ما يعرف به الصوفية قطبهم في مفهومه المطلق ، ولكي نستوعب جميع ما يفهم فيه الصوفية من قوى قادرة ؛ ننقل ايضا هذا التعريف : (هو المنعوت بالتخلق والتحقق بمعاني جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة ، وهو مرآة الحق تعالى ، ومجلى النعوت المقدسة ، ومحل المظاهر الإلهية ، وصاحب الوقت ، وعين الزمان ، وصاحب علم سر القدر ، وله علم دهر الدهور ، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء ، لأنه محفوظ في خزائن الغيرة ملتحف بأردية الصون ، لا تعتريه شبهة في دينه ، ولا يخطر له خاطر يناقض مقامه ، كثير النكاح راغب فيه ، محب للنساء ، يوفي الطبيعة حقها ، يضع الموازين ، ويتصرف على المقدار المعين الموقت له ، لا يحكم عليه الوقت) ، وإنه (لا يتمكن القطب أن يقوم في القطابة إلاّ بعد أن يحصّل معاني الحروف التي في أوائل السور المقطعة مثل : (الم) و(المص) ونحوها ، فإذا أوقفه الله تعالى على حقائقها ومعانيها تعينت له الخلافة وكان أهلا لها ) ، فهو المهيمن على كل كائن ، وبه يحيى كلّ موجود ، وبما يشاء يسير ناموس الحياة ، الكون العلوي بما فيه ومن فيه يستمد من القطب الحياة ، والكون الأسفل بما احتواه يحيا لأن القطب بالحياة يمده ، ويفيضها عليه ، وهو الذي تنطبق عليه أسماء الإله كلها ، لأنه متحقق بمعانيها ، موجود فيه كلّ خصائصها ، وهو الذي يعلم القدر وسره ، ويطلع على محلّ كلّ غيب ، وعلمه أبدي أزلي لا نهاية له ، بيده الميزان الأعظم يزن به للخلائق أقدارهم وأعمارهم وأرزاقهم ن ومت من سر غيبي ، أو غيب مستتر في خفايا القدر ، أو الوجود بمعنييه إلاّ والقطب مطلع عليه ، عليم بكلّ خفاياه ) !!
هذا بعض شرح لما مضى من تعريف الصوفية للقطب ، وأعتقد أني فيما شرحت لك أيها القاريء الكريم لم أحط إلاّ ببعض ما يعنيه الصوفية ن إنّ شرحي لك كسراج على طريق الليل المظلم ن فاقرء بنفسك هذه التعريفات التي قلناها لك بدقة وأمانة كما يشهد الله ، ثم تفهم معانيها الظاهرة والخفية ، إنك ستلمح ، بل ستبصر جدا ، أنّ قطب الصوفية هو الإله في جسد بشري ن أو بمعنى أدق ، هو الإله في احد تعيناته أو تنزلاته ، فهل قال النصارى في عيسى و اليهود في عزير جزءا من الف مما نسبه ألئك المناجيس إلى قطبهم ؟ ومع ذلك كله يوجد من يقول لي مشفقا : حذار يا بني من عدائك للصوفية ، ألئك المتحققون بالحق - كما يدّعون زورا وبهتانا -!!
أيها المشفقون علي ! أشفقوا أنتم على أنفسكم من ظنكم هذا بالصوفية !! وإلاّ فبينوا لي معنى ما يريده الصوفية بما نقلته عنهم ؟ بل إني أنادي الصوفية بصوت مدو في كلّ بقعة من بقاع الأرض ابتليت بشركهم وأرجاسهم : خبّروني ماذا تكون الوثنية إذا لم تكن هذه العقيدة في دنسها وفجورها وجرءتها البالغة على الله وهي عقيدة زعمائهم فيما يسمونه القطب .
 
 
نقلا عن كتاب (مجموع مقالات العلامة عبد الرحمن الوكيل رحمه الله) جمع وترتيب وعناية شعبان عبد المجيد محمد بن عوض بن عبد الغني المصري
دار سبيل المؤمنين للنشر والتوزيع ص 159 -165
 
..................................................
(1) (11/1368 ه)
(2) أما السيدة زينب رضي الله عنها فهي بريئة من هؤلاء براءة جدها العظيم صلى الله عليه وسلم من عابديه وبراءة التوحيد من الشرك ن والطهر من الخبث .
(3) يعطينا الدباغ في كتابه الإبريز (ص 2/ج2) صورة من ديوانهم هذا فيقول : (الديوان يكون بغار حراء فيجلس الغوث خارج الغار ومكة خلف كتفه الأيمن، والمدينة أمام ركبته اليسرى وأربعة أقطاب عن يمينه وهم مالكيه – على مذهب مالك – وثلاثة أقطاب عن يساره واحد من كل مذهب من المذاهب الثلاثة، والوكيل أمامه ويسمى قاضي الديوان، ومع الوكيل يتكلم الغوث والتصرف للأقطاب السبعة على أمر الغوث، وكل واحد من الأقطاب السبعة تحته عدد مخصوص يتصرفون تحته، ويحضره بعض الكمل من الأموات ويكونون في الصفوف الأولى مع الأحياء) ثمّ يقول في (ص 9/ج2) : (وقد يحضر سيد الوجود في غيبة الغوث فيحصل لأهل الديوان من الخوف والجزع من حيث إنهم يجهلون العاقبة في حضوره ما يخرجهم عن جناسهم حتى إنه لو طال ذلك أياماً كثيرة لانهدمت العوالم ، ويحضر مع سيد الوجود أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين ن وأمهما فاطمة الزهراء ، وتجلس مولاتنا فاطمة أمامهن ، ويتكلمون في قضاء الله تعالى ، ولهن التصرف في العوالم كلها) هذه صورة من ديوان الصوفية لست محتاجا ولا غيري إلى بيان ما فيها من إيغال في الوثنية الصماء ، غير أني أقول لعبّاد أم هاشم : أدركوا الدباغ فإنه نزع رئاسة الديوان من آلهتكم !! ......... برّأ الله الرسول واصحابه منكم .
(4) انظر ص (7) من كتاب الإبريز ج (2) للدباغ تراه يحدثك عن نفسه بهذه الخصائص وفي ص (73) أيضا من هذا الجزء أيضا إذ يقول : (إني ارى السموات السبع والأرضين السبع والعرش داخلة في وسطي وذاتي كذت ما فوق العرش من السبعين حجابا ؛ وفي كلّ حجاب سبعون ألف ملك ، وبين كلّ حجاب وحجاب سبعون ألف ملك ، وكلّ ذلك معمور بالملائكة ، كلّ هذه المخلوقات لا يقع في فكرهم شيء فضلا عن جوارحهم إلاّ بإذن رجل رحمه الله)
(5) أما ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين رضي الله عنه فهو بريء مما يعبدونه ، كافر بمن يؤلهونه كما كفر جده وابوه وعيسى من قبلهم بمن اتخذوهم ألهة من دون الله .
(6) انظر مادة (قطب) في كتاب التعريفات للجرجاني ، فعنه نقلنا هذا التعريف
(7) الفتوحات المكية لابن عربي في الباب السبعين والمائتين
(8) الفتوحات المكية في الباب الخامس والخمسين والمائتين ، وانظر أيضا في النصين كتاب اليواقيت والجواهر للهيكل الشيطاني الشعراني (ج 2/ص 79)