القطب عند الصوفية (3)

الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله
القطب عند الصوفية (3)
 
الفرق بين قطب الأقطاب ، والقطب :
الأول قديم معنوي ، والثاني حادث حسي ..... الأول تدور به الأفلاك التي يحيط بها ، والثاني مركز نقطة وسط هذه الافلاك ، وتدور حولها الأفلاك .
ثم إنّ الثاني يستمد علمه وقدرته من قطب الأقطاب ؛ هذه بعض الفوارق ولكن كلاهما له التصرف والقدرة و .....و...... كل ما قدمناه في تعريف القطب .... 
ولقد يزعم بعض الصوفية أنه هو بذاته قطب الأقطاب ، فيتحدث عن نفسه بخصائص ذلك القطب كابن الفارض في الأبيات التي نقلناها عنه فارجع إليها ، ومثل أبي السعود بن الشبلي وابن عربي .
إذ يقول ابن عربي : (قال ابو السعود لأصحابه المؤمنين : إنّ الله أعطاني التصرف منذ خمس عشرة سنة ، وتركناه تظرفا هذا لسان إدلال ، وأما نحن فما تركناه تظرفا - وهو تركه إيثارا -وإنما تركناه لكمال المعرفة)
وإذا سألت الصوفية قائلا : أيجوز مثل هذا الكلام عن الله ؟ قالوا إنه يتحدث بلسان الجمع ......
يعنون يتحدث وهو شاعر تمام الشعور بأنه الله . تعالى الله علوّا كبيرا .... 
ويحكي الشعراني في الطبقات ما يأتي : (كان سهل بن عبد الله التستري يقول : أعرف تلامذتي من يوم : ألست بربكم ، وأعرف من كان في ذلك الموقف عن يميني ، ومن كان عن شمالي ، ولم أزل منذ ذلك اليوم أربي تلامذتي وهم في الاصلاب لم يحجبوا عني إلى وقتي هذا ... 
وكان ابن عربي يقول : أشهدني الله تعالى ما في العلى وأنا ابن ست سنين ، ونظرت في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين ، وفككت طلسم السماء وأنا ابن تسع سنين ورايت في السبع المثاني حرفا معجما حار فيه الجن والإنس ففهمته ، وحركت ما سكن وسكنت ما حرك وأنا ابن أربع عشرة سنة ) .
والنص الأول من كتاب الطبقات يفيد أن التستري قطب الأقطاب ؛ لأنه قديم منذ أخذ العهد ، ولذلك كان يتولى رعاية تلاميذه وهم في أصلابهم .... 
وهكذا كل واحد يزعم لنفسه أنه بلغ تلك المرتبة ، ومن عجب أن يتوقح الشعراني في جراته فيقول تعليقا على مثل هذا الكلام حين يحكي عن الدسوقي قوله : ( وقد كنت أنا وأولياء الله أشياخا في الأزل بين يدي قديم الأزل ، وبين يدي رسول الله ، وأن الله عزّ وجل خلقني من نور الرسول والتفت إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال : يا إبراهيم ، سر إلى مالك وقل له : يغلق النيران ، وسر إلى رضوان ، وقل له : يفتح الجنان) يقول الشعراني تعليقا على هذا ما يأتي : (وهذا الكلام في مقام الإستطالة ، تعطي الرتبة صاحبها أن ينطق بما ينطق ، وقد سبقه إلى نحو ذلك الشيخ عبد القادر الجيلاني ، فلا ينبغي مخالفته إلاّ بنص صريح) الدسوقي شيخ الأزل ، الدسوقي خلق من نور الرسول ، الدسوقي اغلق النار ،الدسوقي شاهد ربه في السماء .... كل هذا عند الشعراني جائز لا يصح لنا مخالفته إلاّ بنص صريح !! .. أرأيت أيها القاريء الكريم تلك الإستطالة الوقحة على مقام الله عزّ وجل ، وعلى مقام كتاب الله عزّ وجل ، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! ...
النص الصريح يا شعراني خمس كلمات من القرآن الحكيم قول الله للرسول صلى الله عليه وسلم - وشسع نعله بالدسوقي وأصحابه - : (ليس كمثله شيء) [آل عمران :128] ، هذا خطاب الله تعالى لسيد الخلق ، وخاتم رسله ، ولمن قال له : (وإنّك لعلى خلق عظيم) [القلم :4] ، ولمن وصفه بأنه : (بالمؤمنين رؤوف رحيم) [التوبة : 128] ، أفيقول لنا قائل بعد ذلك : حذار من مهاجمة الأقطاب ، حذار من كرامات الشعراني !! ...
حذار أيها القائلون لنا ذلك !!
فالشعراني بلغت به الجراة أن يقول : لا تجوز مخالفة هذا ولم يرفض حتى القول : بأنها شطحات !! ... أقول ذلك لكي يعلم ضحايا الصوفية أنها ليست شطحات ، وإنما هي وثنيات يصرح بها القوم ، وهم في أقوى دوافع الشعور بما يقولون ، وهذا هو الشعراني لا ينكرها ولا يردها ، بل يدعونا إلى التصديق بها ، يدعونا إلى الإيمان بأنّ الدسوقي وغيره بلغوا مرتبة القطبانية الكبرى ، فهم يتصرّفون في الكون وأقداره واقضيته بما يشاؤون ..... فويل الصوفية من الشعراني !!
 
الإنسان الكامل :
وبعض الصوفية كابن عربي والجيلي يريدان بالقطب الإنسان الكامل ... فالقطب بمعنى الإنسان الكامل عند هذين الصوفيين اسم عام يطلق على كلّ إنسان متحقق بالكمال ، إلاّ انّ الجيلي أطلق لفظ القطب فلم يقيده بقطب الأقطاب أو غيره ، بل جعله شاملا للحقيقة المحمدية ، ولكل إنسان كامل حادث ، لأن الإنسان الحادث ما هو إلاّ الحقيقة المحمدية ، أو الإله المطلق متعينا في صورة إنسان حادث ، ولهذا يقول : (الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره ، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين ، ثمّ له تنوع في ملابس ، ويظهر في كنائس ، فيسمي به باعتبار لباس ، ولا يسمى باعتبار لباس آخر ، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد ، وكنيته أبو القاسم ، ولقبه شمس الدين ، ثمّ له باعتبار ملابس أخرى أسام ، وله في كل زمان اسم يليق بلباسه في ذلك الزمان ، فقد اجتمعت به في صورة الجبرتي .... قال الشبلي لتلميذه : أشهد أني رسول الله ، فقال : أشهد انك رسول الله) إلخ ما خرّف به .
فالإنسان الكامل هو قطب الاقطاب ، ولا يوجد إذن عند الجيلي قطب ، وقطب اقطاب ، بل كل غنسان كامل تعينت فيه الحقيقة المحمدية فهو قطب اقطاب ، وقوله تنوع في ملابس يفيد أن قطب الأقطاب يظهر في صور مختلفة ، ولكنه واحد في حقيقته متغير في ملابسه ، وقوله : يظهر في كنائس . يعني : أن قطب الاقطاب قد يظهر في صورة نصراني ، أو يهودي ، وهذا إشارة منه إلى أسطورة (وحدة الأديان) عند الصوفية سواء منها الوضعي الوثني ، أو الإلهي الحق .
من هو ذلك الإنسان الكامل ، أو من هو قطب الأقطاب مرة اخرى أيها الصوفية ؟! إنه الإله .
واسمعوا لزعيمكم الجيلي يقول : (والله هو الولي يعني الإنسان الكامل الذي) قال فيه : (ألا إنّ أولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون) يريد أن يقول : إنّ الله هو الولي فهو يظهر بيننا في صورة الأولياء - تعالى الله ، وسبحان الله ، وتقدست ذاته العظيمة - فالأولياء بهذا يكونون آلهة ، أو هم الإله الواحد عند الصوفية .
ونسائل الجيلي وعباده : إذا كان الله - جلّ الله عما يصفه به الملحدون - هو أولياؤكم وعندكم في كلّ عصر أولياء كثيرون ، فأيّ ولي هو الله ؟؟
تعاليت يا رب سبحانك عما يقول الوثنيون . أإلهكم يظهر في صورة ولي واحد منهم ؟
إن كان كذلك فقد خالفتم أنفسكم ، لأنكم تقولون : إنّ كلّ ولي هو إلهكم ، وإن كان يظهر في صورتهم جميعا في وقت واحد ، فقد جعلتم إلهكم أبعاضا متباينة ، ففي هذا ذراع آلهتكم ، وفي الآخر رجله ، وفي الثالث شاربه ، وفي الرابع ضرسه ، وفي الخامس عضو آخر ، وفي السادس غيره .... !! وهكذا أيها الوثنيون !! .
ويقول الكمشخانلي ما يأتي : (عين الله وعين العالم هو الإنسان الكامل المتحقق بحقيقته البرزخية الكبرى)
أعتقد أنه لا يوجد هنا رمز أو غيره كما يهرف الجهلاء من أدعياء العلم الأزهري ، إذ يقولون عن كلّ ما لا يفقهونه من اساطير الصوفية ؛ أو يفقهونه ويكابرون .
يقولون : هذا رمز ...
فأيّ رمز أيها المتحجرون ، ايها الناعقون بالوثنية الصماء !!
أي رمز في قول الجيلي ، وقول الكمشخانلي ؟ والقول جلي صريح .
أيها الباحثون عن الحق ، ويأيها العلماء الصادقون ، ليس كفر الصوفية في توسلهم بأوليائهم إلاّ قشرة من الشرك الأكبر الذي يطوون عليه نفوسهم ، إنهم لا يتوسلون إليهم باعتبارهم اولياء ، ولكن باعتبار أنّ كلّ ولي هو الله ، كما ترون في تصريحاتهم ، فالتوسل مسبب عن شيء وقر في نفوس هؤلاء الوثنيين من الصوفية شرحه الجيلي ، وهتك عنه القناع ، وبينه الكامشخانلي ، ومزق الستر عنه ، هو :
(أن عين الله هو الإنسان الكامل) .
ولقد قال لي أخ ذات مرة : ألا فلنهدم القبور .
قلت : اتهدم القبور التي على الارض ، أم القبور التي في قلوب الصوفية وكتبهم ؟!!
وإنا فيما نكشف به عن دخائل الصوفية إنما نريد تطهير عقائد ألئك البسطاء المخدوعين من عباد الصوفية ، ونهتك القناع عما خفي وراء هذه الوجوه ، من حقيقة الخنزير ومعنى الرجس ، وطاغوت الوثنية ، حتى لا يبقى لهم عذر ، وحتى نضيء لهم الطريق ، فيبصرون أية هاوية سحيقة يسوقهم زعماؤهم إليها ؛ هذه غاية، وغاية أخرى أن يعلم آلهة الصوفية أن وثنيتهم لم تعد خافية على أحد ، وأن مجوسيتهم في رجسها ودنسها أصبح يكشف عنها الكثيرون ، ومنهم صاحب هذا المقال ، فلعلنا بهذا نقطع عليهم الطريق ، اللهم إجعلنا من قطّاع الطريق على الصوفية .
وما البهائية التي يعيب عليها الصوفية إلا صورة مصغرة من الصوفية .
فالبهائية تزعم أن الله ظهر في صورة البهاء ، وهل يقول الصوفية غير هذا ؟! . بل إنّ الصوفية شرّ من البهائية ، فالبهائية حصرت الإله في شخص البهاء ، أما الصوفية فتقول بظهوره في صورة كلّ ولي .
ومن العجب الذي لا ينتهي أثره أن يكون في لائحة مشيخة الطرق الصوفية هذه المادة (الباب الخامس : في أمور عمومية
المادة الثانية : يبعد عن الطرق الصوفية : أولا : كلّ من اتصف بعقائد مخالفة للشرع الإسلامي كالقول بالحلول والإتحاد ... )
يا عجبا يا قوم ! هل ابن عربي لم يقل بذلك ؟ هل ابن الفارض لم يقل بذلك ؟ هل الشعراني لم يقل بالمعصية والكفر في كتابه ، بل ما لي أذهب بعيدا ، هل مجموع الأوراد لم يقل باكثر من ذلك ، أليس في دلائل الخيرات - على قدسيتها عندكم - ما يخالف الشرع الإسلامي ؟!
وقد كشفنا القناع عن بعض ما فيها من المقالات التي نشرناها بالهدي النبوي الغرّاء في أول أبحاثنا تحت عنوان : (طواغيت) ولعلّ الله يوفقنا من فضله فنطبعها .
إنّ دعواكم في هذا كدعوى ابن الفارض في تائيته بعد قوله بالإتحاد والوحدة وأنه الذات الإلهية : (أنزه عن دعوى الحلول عقيدتي) ما ذلك إلاّ قناع تتسترون به كلما هتك عنكم الستر ، أروني وردا أو حزبا من أحزابكم ليس فيه ما يخالف الشرع الإسلامي ، فتحديد ورد خاص ورد خاص لوقت خاص تعبدا فيه مخالفة للشرع الإسلامي .
هأنذا أناديكم وأتحداكم في أورادكم الحاضرة ، وأخزابكم التي ترتلونها الآن .
فهيا إذا شئتم نضالا فكريا ، وحجاجا عقليا ... 
إنا أيها الصوفية سنظل - بعون الله وقوته ومشيئته - نضرب بمعاول الحق طواغيتكم القبورية ، والكتبية والعقيدية التي تسكن إليها نفوسكم حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .
وأقول للشاتمين بلا حجة الثائرين عليّ للثورة لا للحق : تعالوا ، تعالوا ، ارسلوا بردودكم ، ارسلوا بحججكم ، وسانشرها لكم بعد إذن أصحاب هذه المجلة المؤمنين .
ـن تقولوت عني : أنت ضال مضل ، ملحد زنديق ، فدليل العجز والكربة المكروبة التي حاقت بكم .
تثبتوا بالحجة وبالبرهان من القرآن والسنة ضلالي فيما أقول ، وزندقتي فيما أكشف به عن وثنيتكم .
أما أنا فأقول عنكم ما أقول مستمدا حجتي من كتاب الله وسنة رسوله ، مؤيدا ما اقول بكتبكم وأورادكم وأحزابكم ، فهيا أيها الأقطاب والأوتاد والنجباء والنقباء والخلفاء ، وتا الله لن ترهبنا قوتكم ، ولا طواغيتكم ، أما المشفقون علي ، فأقول لهم : (إنّ الله معنا) اللهم نصرك واللهم عونك ، واللهم إنّك أنت العلي الكبير ، فاهدنا إلى ما تحبه وترضاه .