من مباحث المعتزلة المجافية للعقل والمخالفة للسنة

الدرر السنية

من مباحث المعتزلة المجافية للعقل والمخالِفة للسُّنة
حين يُذكَر اسم المعتزلة يتبادر إلى الذهن أنهم القوم الذين يمجدون العقل وبالتالي يربؤون به وبأنفسهم عن الخوض في مسائل لا تمتّ إلى العقل بصلة إلا أن تاريخ المعتزلة يُثبت خلاف ذلك حين تناول بعضهم بحث مسائل يجوز وصفها بأنها تافهة: من ذلك مثلًا:
1- بحثهم في مصير اليد المقطوعة لرجل مؤمن كفر بعد القطع أو لرجل كافر آمن بعد القطع  (1) ؟
2- وبحثهم في عوض البهائم وقد انقسموا إلى خمسة أقوال، منها:
أ- قول قوم: إن الله -سبحانه- يعوضها في المعاد وإنها تنعم في الجنة وتصور في أحسن الصور فيكون نعيمها لا انقطاع له.
ب- وقال جعفر بن حرب والإسكافي: قد يجوز أن تكون الحيات والعقارب وما أشبهها من الهوام والسباع تعوض في الدنيا أو في الموقف ثم تدخل جهنم فتكون عذابًا على الكافرين ولا ينالهم من ألم جهنم شيء، كما لا ينال خزنة جهنم.
3- كما نظروا في عقول هذه البهائم هل سيكلمها الله أم تبقى على حالها في الدنيا؟ وبحثوا مسألة اقتصاص الله من بعضها لبعض.
4- ونظر الخابطية أصحاب أحمد بن خابط (ت 332هـ) والحدثية (أصحاب الفضل الحدثي (ت 257هـ) في أصناف الحيوانات فأقروا أن كل صنف من الحيوانات أمة على حدة ولها رسول  (2) ؟
5- وبحثوا في عقاب الأطفال؟: فقال أكثر المعتزلة: إن الله سبحانه يؤلمهم عبرة للبالغين، ثم يعوضهم، ولولا أنه يعوضهم لكان إيلامه إياهم ظلمًا. إلا أن إجماعهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يؤلم الله -سبحانه- الأطفال في الآخرة ولا يجوز أن يعذبهم  (3) .
6- ولعل من أغرب المسائل التي أدلى فيها بعض فرق المعتزلة وهم الخابطية والحدثية برأيهم وكان رأيهم واضح الانحراف وهو إثباتهم الألوهية للمسيح  (4) هذا المعتقد الذي حرَّك جمهور المعتزلة لنفي صفات الله وجعلوا كلامه تعالى مخلوقًا حادثًا كي يقطعوا الطريق أمام المسيحيين الذين آمنوا بالأقانيم الثلاثة واتخذوا من قوله تعالى:  إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [ آل عمران : 45] حجة يعضدون بها مذهبهم المنافيَ للتوحيد.
وكما رد القرآن للمسيح وأمه اعتبارهما أكدت السنة ما جاء به القرآن وجعلت قول من قال (إن الله اتخذ ولدًا)، من الكبائر. جاء في الحديث القدسي: (. . وشتمني ابن آدم، ولم يكن ينبغي أن يشتمني . . . وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الله الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد)  (5).
7- ونظرهم في الصلاح والأصلح جعل النظّام يحد من قدرة الله حيث قال: إن الله لا يقدر أن يزيد في عذاب أهل النار ذرة، ولا أن ينقص من نعيم أهل الجنة شيئًا،  (6) وهو رأي يتنافى مع أبسط قواعد العقل والشرع التي أثبتت لله تعالى القدرة المطلقة.
أما عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمردار (ت 226هـ) فينزل بالله إلى مستوى الكذب والظلم قياسًا على حياة البشر فيجعله قادرًا على ذلك، وإن فعل كان إلهًا كاذبًا ظالمًا  (7) .
 في حين ينفي أبو الهذيل العلاف عن الله القدرة على رؤية بعض الأجزاء التي لا تتجزأ  (8) .
 وقرر بعض المعتزلة أنه لا يجوز إطلاق اسم شيء على الشيء حتى يوجد ويخلق، فهذا هشام بن عمرو والفوطي يرى أن (الأشياء قبل كونها معدومة، والمعدوم ليس بشيء) وعليه لا يجوز عنده أن تكون هذه المعدومات معلومة لله تعالى  (9) .
وفي الحقيقة فإن علم الله وسع كل شيء ما خلق وما سيخلق، فقد جاء في صحيح البخاري قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((إن أحدكم يُجمَع فى بطن أمه أربعين يومًا ، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك ، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه مَلَكا بأربع كلمات ، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد)) (10) ففي هذا الحديث كما يقول شارحه ابن حَجَرٍ: (إن الله يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات لتصريح الخبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مُفصَّلة)  (11) .
8- مَنْعهم الحُكمَ بالرأي في الفتيا: ولعل من العجيب أن نرى بعض المعتزلة  (12) ، وهم ممن رفعوا لواء العقل أن يُحرِّموا الحكمَ بالرأي في الفتيا كما قالت النظامية وقد سبق أن بيّنّا مخالفة هذا الاتجاه للسُّنة مستدلين باجتهادات للرسول صلى الله عليه وسلم.
من أسباب اضمحلالهم:
الأسباب التي أودت بالمعتزلة كثيرة ومتنوعة ومنها ما يعود إلى طبيعة مذهبهم وطريقة تطبيقهم ونشرهم لنحلتهم، ومنها ما يعود إلى تعقُّب أهل السُّنة لهم بدحض شبههم وانحرافاتهم.
1- بُعدهم عن تطبيق معتقدهم في الإيمان:
لئن نادى المعتزلة بالعمل وجعلوه شرط صحة في ثبوت الإيمان، وغلوا في الوعيد فإن العديد من أعلامهم كانوا أول من مال على هذا الركن الأساسي في عقيدتهم بالهدم والإهمال. بل تجاوزوا هذا الهزء من بعض الشعائر وبلغ بهم الأمر إلى تناوُل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما لا يليق بمقامه السامي. مما لا يدع مجالًا للشك في أنهم إنما يُصدرون آراءهم عن عقائد وتراث أجنبي لا يتفق وشريعة الإسلام.
فهذا النظّام وهو أحد زعماء المعتزلة البارزين يعد من أفسق خلق الله وأجرأهم على الذنوب العظام وعلى إدمان شرب المسكر حتى أن ابن قتيبة ينسب إليه قوله: مازلت آخذ روح الزق في لطف: وأستبيح دمًا من غير مجروحِ.
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي: والزق مُطَّرح جسم بلا رُوحِ  (13) وأبو هاشم بن أبي علي الجبائي كان من ناحية يفرط في الوعيد حتى أنه لم يقبل توبة المقلع عن الذنب بعد العجز عن اقترافه، ومن ناحية أخرى كان أفسق أهل زمانه، وكان مُصرًّا على شرب الخمر حتى قيل إنه مات في سكره  (14) .
ومما يُؤثَر عنه أنه يرى أن (الطهارة غير واجبة)  (15) معللًا مذهبه هذا بقوله: (إن غيره لو طهره مع كونه صحيحًا أجزأه)، وهي محاولة مكشوفة لإفساد الشريعة وإفراغها من محتواها وهي مخالفة صريحة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((لا تقبل صلاة بلا طهور ولا صدقة من غلول))  (16) .
ومما رواه الجاحظ في كتاب (المضاحك) أن المأمون رأى يومًا ثمامة بن أشرس وهو من زعماء المعتزلة (سكران قد وقع في الطين) فقال له: ثمامة؟
قال: إي والله. قال: ألا تستحي؟ قال: لا والله.
قال: عليك لعنة الله. قال (تترى ثم تترى)  (17) .
وكان ثمامة متهاونًا في أداء الفروض آية ذلك أن خادمه قال له يومًا: قم صَلِّ فتغافل، فقال له: قد ضاق الوقت فقم وصَلِّ واسترح، فقال أنا مستريح إنْ تركتَني  (18) .
قد يقول قائل: إنها الروح المرحة التي يتميز بها المعتزلة. فيقال: قد يكون ذلك، ولكنها تعكس حقيقة مواقفهم من الإيمان وتطبيقاته وقد بلغ الأمر بثمامة إلى التهوين من شأن بعض الشعائر، والسخرية من المسلمين وتنقص شأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد (رأى قومًا يتعادون يوم الجمعة إلى المسجد لخوفهم فوت الصلاة فقال: انظروا إلى البقر انظروا إلى الحمير).
ثم قال لرجل من إخوانه: ما صنع هذا العربي بالناس؟  (19) .
ومثل هذه العبارات التي تنضح مروقًا كثيرًا ما تطالعنا ونحن نتصفح تاريخ المعتزلة ورجالهم: فهذا عمرو بن عبيد الذي طار بلب أبي جعفر المنصور وكان يعده من أزهد الناس في زينة الحياة الدنيا حتى حزن لوفاته. ورثاه يقول: (لو كانت تبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ لم يكن لله على العباد حجة) تساوقًا مع إيمانه بنفي القدر أي نفي العلم الأزلي لله بما هو كائن.
...وكثيرًا ما يوصف أعلامهم بالفسق والفجور، فهذا أبو الفتح الأزدي يصف واصلَ بنَ عطاءٍ بأنه (رجل سوء كافر)  (20) ووصف البغدادي بعض الفِرَق بأكملها بالغلو في الكفر كالخابطية والجمارية  (21) .
2- كثرة اختلافاتهم:
ولعل مما عجل بانقراضهم كثرة اختلافاتهم، وهذا يرجع إلى تنوع مصادرهم وتضاربها وإلى تعويلهم على العقل الذي قدموه على القرآن والسُّنة وجعلوا منه رائدهم وإمامهم، وقد ثبت في محكّ الواقع أن العقول والأفهام كثيرًا ما تختلف بل إن العقل الواحد كثيرًا ما يحبذ اليوم أمرًا يكفر به غدًا ويلعنه، والخطير في اختلافاتهم أنها شملت قضايا العقيدة نفسها.
يقول ابن قتيبة في معرض تصوير ما اعترى القومَ من الانقسامات رغم صدورهم عن الرأي والنظر (وقد كان يجب مع ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحُسّاب والمُسّاح والمهندسون لأن التهم لا تدل إلا على عدد وإلا على شكل واحد، وكما لا يختلف حُذّاق الأطباء في الماء وفي نبض العروق . . فما بالهم أكثر أهل الناس اختلافًا لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين.
(فأبو الهذيل العلاف يخالف النظّام والنجار يخالفهما وهشام بن الحكم يخالفهم وكذلك ثمامة ومويس وهاشم الأوقص و . . ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين، يُدان برأيه وله عليه تبع)  (22) .
وقلما تمر بهم مسألة ولا تختلف حولها أنظارهم، حتى أن عبارة (اختلفت المعتزلة) تكاد تتصدر كل المسائل التي تناولها المعتزلة بالبحث.
وقد يبلغ الاختلاف والتنافر بينهم إلى درجة يكفر فيها بعضهم بعضًا وأكثر زعمائهم يكفرون أتباعهم المقلدين لهم  (23) .
وليس حتمًا أن يكون هذا التناقض والاختلاف بين الفِرَق والأفراد وإنما قد يصيب التناقضُ الفردَ الواحدَ منهم؛ فيرى الرأي ثم يتراجع ويتوب عنه لما يبدو له من سقمه وعقمه، فهذا أبو سهيل بشر بن المعتمر مثلًا آمن بآراء فيها مروق عن الدين وخروج عن صحابته (ثم تاب ورجع إلى أصحابه)  (24) .
وقد صورت انقسامَهم واختلافاتِهم الشديدةَ مؤلفاتُهم التي انبرى فيها كل طرف يسفه الثانيَ ويكشف عواره.
فقد ألَّف بشر بن المعتمر كتابًا في الرد على ضرار بن عمرو المعتزلي سماه (الرد على ضرار)  (25) .
ثم إن بشرًا هذا يُكفّره تلميذه المردار (عيسى بن صبيح) الملقب براهب المعتزلة بل ويُكفّر معه أبا الهذيل العلاف والنظّام وعددًا من شيوخه وقد بادله هؤلاء تكفيرًا بتكفير  (26) .
 ولعباد بن سليمان الضمري، وهو من أصحاب هشام الفوطي كتاب يسمى (الأبواب) نقضه أبو هاشم الجبائي، وقال عنه أبو الحسين الملطي (ملأ الأرض كتبًا وخلافًا وخرج عن حديث الاعتزال إلى الكفر والزندقة)  (27) .
وكتب ابن الراوندي (ت 298هـ) الذي نكص عن الاعتزال بعد أن كان من متكلمي المعتزلة وانغمس في الإلحاد والزندقة كتابًا سماه (فضيحة المعتزلة) نقضه أبو الحسين بن الخياط (ت 300هـ) بكتاب سماه (الانتصار)  (28) .
هذا فضلًا عما ألَّفه أهل الجماعة في بيان زيغ المعتزلة جميعهم وفساد نحلتهم.
3- آراؤهم المنافية للإسلام:
إنّ تأثُّر عدد من رجال الاعتزال بالآراء والمذاهب الفلسفية والدينية القديمة جعلهم يصدعون بآراء تتجافى وعقيدة الإسلام البسيطة الواضحة، فقد نفوا القدر فسموا القدرية، ونفوا صفات الله فسموا النفاة، قالوا بخلق القرآن ونفوا رؤية الباري يوم القيامة، بل شك بعضهم في المحسوسات  (29) كلها على غرار ما كان ينادي به (بيرون) والفلاسفة الشكاك اليونان . . ونادى آخرون بما كان يعتقده المجوس من علو النار بطباعها على كل شيء  (30) . . وآمن بعضهم بالطفرة وهي انتقال الجسم من مكان رقم 1 إلى مكان رقم 3 أو رقم 10 من غير مرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر  (31) .
وتأثرهم بالفلسفة والمذاهب الملحدة جعلهم يقدمون العقل على الشرع رغم ما أنكره بعضهم من اجتهاد الرأي في الأحكام.
وأحدثت مواقفهم هذه أزمة حادة بينهم وبين مصدر الشريعة الإسلامية خاصةً الحديثَ حيث حكَّموا الهوى فردوا ما يتعارض وآراءهم من الأحاديث، وهو أمر لا يجوز أن يمر دون موقف صارم يَقِفُه رجال الإسلام المتمسكون بالقرآن والسُّنة بعيدًا عن كل تأثير أجنبي.
والذي زاد الطينَ بلةً هو استخدام المعتزلة للعنف لفرض آرائهم، فقد استغل بعض المعتزلة ممن وصل إلى قلوب بعض الخلفاء العباسيين كالقاضي أحمد بن أبي دؤاد الذي عاصر ثلاثة منهم هم المأمون والمعتصم والواثق، وكان له في قلب كل منهم مكان وسلطان، حتى أن المأمون كان قد أوصى أخاه المعتصم بملازمة ابن أبي دؤاد فقد استغل نفوذه لديهم حتى أنه حمل الواثق على أن يرسل إلى القضاة في سائر البلاد ليمتحنوا الناس في القرآن. وأمرهم ألا يقبلوا شهادة من لم يقبل بالتوحيد  (32) .
ولم يتورعوا عن اغتيال المخالفين لهم في الرأي، فقد كان (عباد بن سليمان يرى قتل الغيلة في مخالفيه إذا لم يخف شيئًا)  (33) ، كما كانوا يرون الثورة والاستيلاء على الحكم بالقوة لفرض آرائهم، فهم يقولون: (إذا كنا جماعة، وكان الغالب عندنا أنا نكفي مخالفينا عقدنا للإمام، ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه، وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد وفي قولنا في القدر، وإلا قتلناهم) (34) .
وهذا مخالف للشريعة التي تحرِّم سفك الدماء. يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم : ((. . فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام))  (35) .
4- مقاومتهم فكريًّا: وقد تولى أهل السُّنة والجماعة أيضًا مقاومة المعتزلة فكريًّا وذلك بتأليف المصنفات التي تكشف ما وقعوا فيه من خروج عن الشرع وعن إجماع المسلمين وإبراز ما وقعوا فيه من تناقض وخَطَلٍ، حتى يُوقِفوا المسلمين على حقيقة أمرهم فيتجنبوهم. وقد جعلت الأحقاد بعض أهل السُّنة يغالي في تبشيع المعتزلة وتفكيرهم، فهذا ابن قتيبة يؤلف تأويل مختلف الحديث ليرد على الشبه والضلالات التي ارتمى فيها المعتزلة. فهو وإن ذكر في مقدمة كتابه (وأرجو أن لا يطلع ذو النهى مني على تعمد لتمويه، ولا إيثار لهوى ولا ظلم لخصم)  (36) فإنه بلغ الحديث الإقناع في تصوير ظلم المعتزلة وضلالهم.
كما أن عبد القاهر البغدادي في كتابه (الفَرْق بين الفِرَق) أسرف في تكفير المعتزلة واستباحة دمائهم وأموالهم  (37) . وقد ألَّف إلى جانب (الفَرْق بين الفِرَق) كتابًا سماه (الحرب على ابن حرب) نقض فيه أصول وفصول كتاب جعفر بن حرب الحافل بالضلالات  (38) .
ولأبي الحسن الأشعري الذي عاش ردحًا طويلًا من عمره معتزليًّا حتى بلغ مرتبة الإمامة فيهم ألَّف في كشف فضائح المعتزلة (الإبانة في أصول الديانة) لما فتح الله بصيرته وأوقفه على حقيقة أمرهم. كما كتب مقالات الإسلاميين، وقد تناول فيها أصول المعتزلة بالنقض والطعن وقد مات وهو يلعن المعتزلة؛ لأنه كان شديد الكره لهم والنقمة عليهم  (39) .
وألف ابن حزم الفصل والشهرستاني الملل والنحل، وأبو الفرج بن الجوزي مناقب الإمام أحمد بن حنبل، وهي مؤلفات تثبت جميعها تمسُّك أهل السُّنة بالشريعة الصحيحة الخالية عن الهوى كما تصور زيغ المعتزلة عن السبيل ووقوعهم في المحظور نتيجة تأثرهم بالتيارات الداخلية وعدائهم لأصول الشريعة.
وقد أتت جهود التوعية التي قام بها الأئمة الأوائل لتنفير الجماهير المسلمة من المعتزلة وآرائهم كلها حتى صار اسم الاعتزال مرادفًا للابتداع والخروج عن الشرع الذي يوجب الترك والتجنب.
فهذا محمد الباقر ينعى على أخيه زيد بن علي بن الحسين السبط أخْذَه لمذهب المعتزلة عن واصل بن عطاء (40) .
وحين سئل قاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب الإمام أبي حنيفة عن المعتزلة قال: هم الزنادقة.
ورد الشافعي قبول شهادة المعتزلة وأهل الأهواء أسوة بمالك وفقهاء أهل المدينة  (41) .
ويصف ابن عبد البر المعتزلة بأنهم أهل البدع، ويقول عن كتبهم إنها كتب أهل الأهواء والبدع  (42) .
وحين يذكر القاضي عبد الجبار عند بعض النقاد يصفه بالثقة في حديثه إلا أنه يستدرك بقوله (لكنه داعٍ إلى البدعة)  (43) .
ويصف السيوطي أحدهم بأنه فقيه إلا أنه مهجور القول عند الأئمة لميله إلى الاعتزال  (44) .
وهكذا فقد صار المعتزلة حتى أيام الفحول منهم عنوانًا على المروق عن الدين والبعد عن الشريعة، وقد انعكس هذا حتى على رؤى العلماء والصالحين: فهذا ثابت البناني وعاصم الأحول يريان عمرو بن عبيد في المنام وهو يحك آية من المصحف مدعيًا إبدالها بخير منها فلم يستطع  (45) .
وفي هذه الرؤيا إشارة إلى تحريف المعتزلة لما جاء صريحًا في القرآن كالرؤية وغيرها. وقال حماد (أبو سلمة): (رأيت كأن الناس يصلون يوم الجمعة إلى القبلة وهو مدبر عنها، فعلمت أنه على بدعة، فتركت الرواية عنه  (46) .
كما أن إسماعيل بن مسلمة القعنبي رآه في ثلاث ليال متتالية في النار  (47) كما رآه محمد بن عبد الله الأنصاري في النوم قد مُسِخَ قردًا.