فرق الخوارج

أ. د. مصطفى حلمي

 

فرق الخوارج

 

تتعدد وتتضارب مصادر كتب الفرق الإسلامية في تناولها لفرق الخوارج، وتختلف هذه المصادر في تقسيم فرقهم وذكر أتباعهم وما اجتمعوا عليه من عقائد وما رفعوه من شعارات، وما اختلفوا فيه من نظرهم إلى غيرهم من المسلمين.

 

ومن العسير الوقوف على معتقدات الخوارج من واقع كتبهم نفسها لحرصهم الشديد عليها، وهي نادرة إن وجدت، فالغالب أن مكتبات المسلمين عارية من مؤلفاتهم[14].

 

فالمنهج الوحيد إذًا في بحث فرق الخوارج هو الرجوع إلى كتب الفرق التي تناولتهم بالتحليل والنقد، خاصة وأنهم ألبوا عليهم جميع الفرق الإسلامية الأخرى.

 

وقد اختلف كتاب الفرق في صنوفهم فمنهم من أفرد لهم عددًا كبيرًا كالإمام الرازي الذي عدد لهم واحدا وعشرين فرقة[15]، أو ما يقرب من نصفه هذا العدد كالملطي[16]، بينما جمعهم الإمام الأشعري في أربعة فحسب[17].

 

فالملطي (377هـ- 987م)- وكتابه من أقدم المصادر للفرق الإسلامية - يجمع بين (الشراة) و (الخوارج) في الاسم ويقسمهم إلى الفرق الآتية:

الأولى: المحكمة الذين كانوا يخرجون بسيوفهم إلى الأسواق ويجمعون الناس منادين بشعارهم الشهير (لا حكم إلا لله) ثم يضربون الناس بسيوفهم فيقتلون من يلحقون به ولا يزالون يقتلون حتى يقتلوا، ولهذا خشيهم الناس.

 

وهم في دفاعهم عن هذا المبدأ (لا حكم إلا لله) يعتقدون أنه لا تحكيم في دين الله لأحد من الناس إلا بالغة ولهذا السبب لا يحكمون بينهم حكمًا، فلما حكم أبو موسى الأشعري بين علي ومعاوية، ثم قام بخلع علي، كفروهم لأنهم حسب اعتقادهم جعلوا الحكم لأبي موسى الأشعري وينبغي ألا يكون هناك حكم إلا لله تعالى... وكلهم يكفرون أصحاب المعاصي، ومن اختلف معهم في مذهبهم[18].

 

الثانية: وهم الأفارقة والعمرية أصحاب عبد الله بن الأزرق، ويرجع الشيخ الكوثري التسمية الصحيحة لهذا الشخص أي نافع بن الأزرق، وأتباع عمر بن قتادة.

 

وهؤلاء أقل الخوارج شرًا لأنهم لا يرون إهراق دماء المسلمين، ولا غنم أموالهم ولا سبي أولادهم ويعتقدون أن المعاصي كفر، ويتبرءون من عثمان وعلي إلا أنهم يتولون أبا بكر وعمر، وهم ورعون مجتهدون قوامون بالليل لعبادة الله[19].

 

الثالثة: أصحاب شبيب الخارجي الذي خرج على الحجاج بن يوسف وكان لا يقتل أحدًا ولا يشي ولا يستحل شيئًا مما حرم الله إلا ما يستحله من الحجاج وأصحابه فقط، ولكنه مع هذا كفر السلف والخلف متبرئًا من عثمان وعلي مع توليه للشيخين. وقد تفرق أصحابه بعد وفاته[20].

 

الرابعة: هم النجدية (أو النجدات) أصحاب نجدة الحروري، وهو أيضًا ممن يكفرون السلف والخلف.

 

الخامسة: وهم الإباضية أصحاب أباض بن عمرو الذين خرجوا من الكوفة فقتلوا الناس وسبوا وقتلوا الأطفال وكفروا الأمة وأشاعوا الفساد وما زال منهم اليوم بقايا بسواد الكوفة، هذا ما يذكره الملطي.

 

أما دائرة المعارف الإسلامية فقد تناولت هذه الفرقة بتفصيل أكبر وذلك لانتشار الحركة الإباضية حتى في عصورنا الحديثة.

 

فإن هذه الحركة وجدت في بلاد العرب وفي عمان بنوع خاص تربة خصبة حتى أصبحت بتوالي الزمن المذهب السائد هناك وهي تتفق بوجه عام مع عقائد السنة باعترافهم بالقرآن والسنة كمصدر للعلوم الدينية ولا يختلفون إلا بالقول بالرأي- لا الإجماع والقياس- وهو ما يوضح أكثر الأصل الخارجي لهم[21].

 

وقد تفرق فهل كثير من الإباضية في صحراء تونس والجزائر ويعيشون في جماعات حتى الآن ويتصل بعضهم ببعض مع حرصهم الشديد وتمسكهم بالحماس المتأجج ولهم صلات أيضًا مع الإباضيين في عمان وزنجبار.

 

ثم انقسم الأباضيون الأفريقيون ثلاثة أقسام سياسية ودينية على السواء: النكارية، والخلفية، والنفاثية[22].

 

السادسة: الصفرية وهم أتباع المهلب بن أبي صفرة، ويرجع الشيخ الكوثري تصحيح الاسم إلى زياد بن الأصفر، وقد خرجوا أيضًا على الحجاج، ولكنهم لم يؤذوا الناس ولم يكفروا الأمة ولم يقوموا بشيء من قول الفرق التي تقدم ذكرها.

 

السابعة: الحرورية الذين يكفرون الأمة متولين الشيخين ويتبرءون من السنتين (عثمان وعلي) ويسبون ويستحلون الأموال والفرو، ويستمدون الأحكام من القرآن فحسب غير قائلين بالسنة أصلًا.

 

الثامنة: الحمزية نسبة إلى حمزة الخارجي، وهم يشبهون الحرورية في معتقداتهم غير أنهم لا يستحلون أخذ مال أحد إلا بالقتل فإن لم يجدوا أصحاب المال لم يأخذوا من المال شيئًا. فإذا ظهر صاحبه قتلوه واستحلوا المال حينئذ![23].

 

التاسعة: الصلتية وهم أصحاب الصلت بن عثمان، ويشتركون مع الفرقتين السابقتين في شريعتهما، وهم أكثر الخوارج شرًا وأكثرهم فسادًا لأنهم يقتلون غيرهم من المسلمين ويستحلون الأموال في جميع الأحوال.

 

العاشرة: وهم الشراة الذين يكفرون أصحاب المعاصي في الأفعال الصغيرة والكبيرة متبرئين من عثمان وعلي متولين الشيخين.

 

وهم فرقة معتدلة كما تدل عليه معتقداتهم. فهم لا يستحلون أموال المسلمين ولا سبي نسائهم ولا يخالفون أحكام الدين سواء كان مصدرها القرآن أو السنة كما أنهم أصحاب كتب تتضمن مذهبهم ولهم علماء وفقهاء ومروءة ظاهرة والعصاة عندهم كفار نعمة لا كفار شرك.

 

ويقول الملطي أيضًا: (وقد ظهر فيهم اليوم مذاهب المعتزلة فمنهم من ترك مذهبه وقال بالاعتزال)[24].

 

ويعرف الشهرستاني (548هـ- 1153م) الخوارج بمعنى أعم فهم عنده كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة، ولا يحصرهم بالذين خرجوا على علي فحسب بل تشمل هذه الفرقة (سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان) ويلحق بهم المرجئة فيما يتعلق بمسائل الإمامة لأنهم وافقوا الخوارج في هذه المسائل. مع أن المرجئة عنده (صنف آخر تكلموا في الإيمان والعمل)[25].

 

وأول من خرج على علي وأشدهم خروجا عليه وكذلك مرورًا من الدين هم الأشعث بن قيس، ومسعود بن فداك التميمي، وزيد بن حصين الطائي الذين هددوا عليًا بأنه إن لم يأمر الأشتر النخعي بإنهاء القتال فإنهم سيفعلون كما فعلوا بعثمان.

 

وهم الذي دفعوه دفعًا إلى قبول التحكيم في بداية الأمر، وحملوا على بعث أبي موسى الأشعري وكان علي يرغب في إبقاء عبد الله بن عباس، ثم عادوا في النهاية فخطأوه قائلين: (لم حكمت الرجال؟ لا حكم إلا لله).

 

وكبار فرقهم ستة كما يعددها الشهرستاني: وهم: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والإباضية، والثعالبي، أما الباقون فمن فروع هؤلاء).

 

ويرى أن المحكمة الأول هم المقصودون بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم وصوم أحدكم في جنب صيامهم، ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم).

 

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضًا: (سيخرج من ضئضئي هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) وهم الذين أولهم ذو الخويصرة وآخرهم ذو الثدية[26].

 

كما يؤيد ابن حزم انتماء الخوارج إلى ذي الخويصرة هذا[27].

 

أما البغدادي (429هـ- 1037م) في كتابه (الفرق بين الفرق) فيقسم الخوارج إلى عشرين فرقة أهمها يسميها بالأسماء التالية:

المحكمة الأولى، الأزارقة، النجدات، الصفرية، العجاردة، (وقد افترقت العجاردة فيما بينها فرقًا كثيرة) أبرزها اليزيدية أتباع يزيد بن أنيس التي خرجت عن فرق الإسلام لاعتقادها بأن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان بني يبعث من العجم[28].

 

ويبدو أن كثرة تشعب هذه الفرق قد أتى من الخلط بين معتقداتهم التي اعتنقوا وبين ما كان يطلق عليهم من أسماء مع اتفاق المعتقدات فيما بين فرقهم المختلفة. فمما يجعلني أميلُ إلى هذا الاعتقاد أن الإمام أبا الحسن الأشعري قد جمع فرق الخوارج في أربعة فقط وهم: الأزارقة والأباضية والصفرية والنجدية، واعتبر أن كل الأصناف سوى هذه الفرق تفرعوا من الصفرية.

 

فمن ألقابهم أنهم خوارج، وحرورية، وشراة، ومارقة، ومحكمة.

 

والسبب في إطلاق هذه المسميات عليهم أنهم خرجوا على علي بن أبي طالب ولإنكارهم الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص وقولهم لا حكم إلا لله، وبسبب نزولهم بحروراء في أول أمرهم، وكلهم قالوا شربنا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها الجنة.

 

وهم يرضون بهذه الألقاب ما عدا المارقة فهو اللقب الوحيد الذي يرفضونه لأن معناه مروقهم من دين الإسلام كما يمرق السهم من الرمية[29].

 

ويرتبط باللقب الأخير ما ألصق بهم من معنى المروق من الدين استنادًا إلى ما روي عن تقسيم الغنائم في غزوة حنين حيث آثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفرًا ترغيبًا وتأليفًا لقلوبهم في الإسلام، فانبرى له رجل يدعى ذو الخويصرة، فصاح بالرسول: اعدل يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل؟) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه: (إنه يخرج من ضئضئي هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، إنه سيقتلهم قتل عاد إن أدركهم).

 

ويفسر صاحب البحث عن هذه الواقعة[30] أن الضمير في يقتلهم يرجع إلى علي، ويعلل ذلك بأنه لم ينوه النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه بالذات لمصلحة يعرفها، وأن مثل هذه الأحاديث التي تكلم بها فهي من مغيبات الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

 

أما المستشرق فلهوزن فإنه يورد نص الحديث ليؤسس نتيجة مغايرة، إذ سأل عمر ابن الخطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ ليسمح له بقتله، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا، دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النعل فلا يوجد شيء ثم في السوق فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم)[31].

 

وقد اعتبر فلهوزن أن القصة عن هذا السلفي القديم للجوارح قصة أسطورية ونحا نحوه الدكتور عبد الرحمن بدوي إذ اعتبر ذا الخويصرة شخصًا مجهولًا تمامًا[32].

 

ولكن السيد الخطيب الهادي، تأسيسها على رأيه السابق، يرى أن مبدأ لا حكم إلا لله وكلمة اعدل يا محمد، هما الأساس لمبدأ الخوارج وعقيدتهم[33].

 

ولا يدخل في نطاق بحثنا تحقيق هذا الأصل للخوارج تاريخيًا، ولكن الجدير بالتأمل هو النزعة التي تظهر لأول وهلة عند فلهوزن بما تحمله من دلالة لنظريات المستشرقين بوجه عام، هذه النزعة التي تمجد كل رأي يخالف أهل السنة والجماعة، وتبحث وتنقب دون يأس أو كلل عن المخالفين لأهل السنة لإبرازها وخدمتها وعرضها على أوسع نطاق.

 

وسيظهر لنا هذا واضحًا عند تناولنا لرأي فلهوزن عن الخوارج بالتفصيل- الذي سنعود إليه مرة أخرى- لنبين كيف أنه رفع شأنه فوق المرتبة التي يستحقونها بما أسبغه عليهم من صفات وما نسبه إليهم من أعمال.