جدال الخوارج

أ. د. مصطفى حلمي

جدال الخوارج

 

تحفل المصادر بالجدال والحجاج الفكري بين علي والخوارج، مما يعطي في مضمونها صورة واضحة عن المعتقدات التي اعتنقها هؤلاء الخارجون عليه، ويعوضنا بعض الشيء عن التماس آرائهم من كتبهم نفسها.

 

لقد أعلنوا شعارهم (لا حكم إلا لله) ولكن عليًا لم يرتج عليه لسماعه هذا الشعار فهو العالم بكتاب الله الذي يعرف جيدًا أنه لم يحد عنه بقبوله التحكيم، فقال: (كلمة حق أريد بها باطل).

 

وطلب منهم أن يقارعوا بالحجج فيسمع منهم ويرد عليهم ففي زعمهم أنهم نقموا عليه خصالًا عديدة، وهي أنه محا اسمه من إمرة المؤمنين يوم كتب إلى معاوية ولم يضربهم - أي الخوارج - بالسيف حين نكوصهم عنه يوم صفين وكان واجبه أن يفعل ذلك ليرجعوا إلى الله، وحكم الحكمين، وزعم أنه وصى فضيع الوصية. ورد عليهم علي مدافعًا عن نفسه في كل ما وجه إليه.

 

أما نزع اسمه من إمرة المؤمنين فكان لرسول الله صلوات عليه أسوة حسنة لأنه قبل أن يتخلى عن (محمد رسول الله) إلى (محمد بن عبد الله) لأن المشركين في صلح الحديبية لم يقبلوا إلا هذا وحجتهم في رفضهم أنهم لو آمنوا أنه رسول الله ما حاربوه، وقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: (إن اسمي واسم أبي لا يذهبان بنبوتي وأمري).

 

ورد على دعواهم بامتناعه عن قتلهم يوم صفين، فاحتج بالآية الكريمة:﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195]، فعزف عن محاربتهم لكثرة عددهم ولقلة أعوانه.

 

وتحكيمه الرجال أيضًا له من آيات الله أسانيد، فإن الله حكم في إردب يباع بربع درهم بقوله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ ﴾[المائدة: 95]، فلو استرشد الحكمان بما جاء بكتاب الله (لما وسعني الخروج من حكمهما)[34].

 

 

وقد ردد كتاب الفرق الإسلامية مثل حجج علي وزادوا فيها يما أدخلوه من الشروح والتفسيرات لإبطال معتقدات الخوارج كلها.

 

فالملطي يتساءل: من أين قلتم- لا حكم إلا لله؟ وقد حكم الله الناس في كتابه في غير موضع إذ قال عز وجل في جزاء الصيد[35]: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [المائدة: 95]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا ﴾ [النساء: 128].

 

وقال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 35]. وقال: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 10] وأيضًا:﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59] ، وقال: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾[النساء: 83].

 

فهذه هي الآيات العديدة التي جعل فيها القرآن أحكامًا كثيرة إلى وجوه الناس للنظر فيما لم ينزل بيانه من عند الله.

 

وكيف أحلوا إهراق دماء المسلمين؟ مع أنه لا يحل دم المؤمن إلا لأسباب ثلاثة: إما زنًا بعد إحصان، أو ارتداد بعد ايمان، أو قتل النفس عمدًا، فجهلهم إذًا هو الذي أدى بهم إلى إطلاق الحكم على أهل القبلة بالقتل[36].

 

والخوارج في جمعهم بين تكفير عثمان وعلي يستندون على حجة واحدة هي الحكم بغير ما حكم الله فيقولون: (لأن عليًا حكم الحكمين وخلع نفسه عن إمرة المؤمنين وحكم في دين الله فكفر وعثمان ولي رقاب المؤمنين ولاة جور فحكموا بغير ما حكم الله فكفر)[37].

 

والرد عليهم في هذه المسألة يتناول باختصار:

أولًا: أن الله تعالى قد جعل في كثير من الدين الحكم إلى الأفراد لتطبيق ما جاء بالقرآن الكريم كما تبين آنفًا.

 

ثانيًا: أن ولاية عثمان وعلي للمسلمين حق، وهما في الأصل كذلك بإجماع لا اختلاف فيه فإذا تجاهل الخوارج هذه الحقيقة فقد تجاهلوا الإجماع وردوه، لأن هذا الإجماع على إيمانهما وولايتهما قد ثبت لهم من قبل ولا يزيل إيمانهما وولايتهما إلا إجماع آخر يثبت العكس، وينفي عنهما ما انعقد عليه الإجماع الأول.

 

ثالثًا: أما إذا ادعى الخوارج أن عثمان وعلي كانا حقًا مؤمنين وليين للمؤمنين بالإجماع ثم كفرا فالقول مردود بما أصبح عليه حال الخوارج أنفسهم، لأنه ينطبق عليهم ما روى النبي - صلى الله عليه وسلم - بإجماع الأمة أنهم مارقة.

 

ولأن نص الحديث المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صريح في مروقهم من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وواقع أحوالهم فيما بعد تحققت بما جاء بهذا الحديث.

 

فقد أهرقوا دماء المسلمين وكفروا السلف والخلف واستحلوا ما حرمه الله عليهم، كل هذه الأفعال تشهد عليهم بأهم خرجوا من الدين[38].

 

هذا فيما يتعلق بمعتقدات الخوارج في تكفيرهم الخليفتين الثالث والرابع، أما عن تفسيرهم للآيات القرآنية التي يتسلحون بها في تكفير من يرتكب الكبائر فإنهم يقيسون على قول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ [المائدة: 5]. وقوله عز وجل:﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]، وقال:﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ﴾ [التغابن: 2].

 

وبهذا فلم يجعل الله منزلة ثالثة تقع وسطًا بين الكفر والإيمان، (ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك والإيمان رأس الأعمال، وأول الفرائض في عمل ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله وإيمانه، ومن حبط عمله فهو بلا إيمان والذي لا إيمان له مشرك كافر)[39].

 

والرد الذي يدفع به الملطى هذه التفسيرات يميل به إلى رأي المعتزلة، فهو يعتبر الخوارج قد أخطأوا القياس في هذه المسألة لأن الله تعالى بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 4]، فوضع الفاسق في منزلة بين الإيمان والكفر فلم يقرن - عز وجل - الفسق بالكفر بل نص على فسقهم فحسب. كما لم يقل أنهم بالرغم من فسقهم مؤمنون كما رأت المرجئة.

 

ومن أخطاء الخوارج أيضًا عدم التفرقة بين الكبائر والصغائر من الأفعال بينما فرق الله تعالى بقوله: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31]، فالخوارج إذًا إن (حاولوا حجة في تكفير الأمة لم يجدوا، وإن جعلوا الذنوب كلها كبائر لم يجدوا إلى الحجة سبيلًا من عقل ولا سمع)[40].

 

وقد دأب أهل السنة والجماعة على تفنيد هذه التفسيرات التي يعتمد عليها الخوارج في عرض أرائهم، ولهذا فقد ذكر لنا إمام من أئمتهم وهو الإمام أبو المعين النسفي (متوفى 508هـ- 1114م) حججًا أخرى يدفع بها أقوالهم.

 

ويورد أولًا أقوالهم من نصوص الآيات القرآنية مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ﴾ [النساء: 14]، وخلود العاصي في النار يرجع إلى خروجه عن الإيمان. أو نص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن)، أو قوله- صلى الله عليه وسلم -: (الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين).

 

وحجج النسفي في الرد يستمدها من نص الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ [التحريم: 8] فالتو بة النصوح لا تكون إلا من الكبيرة.

 

كما يستمد حججًا أخرى من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - كقوله: (صلوا خلف كل بر وفاجر)، فلو خرج المؤمن من الإيمان لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة خلفه. أما تفسير الحديث (لا يزني الزاني إلخ...) فإنه: (إخراج للكلام مخرج العادة لأن الظاهر والغالب في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدم الزنا).

 

ومعنى الحديث الثاني الذي يستند إليه الخوارج (الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الدين). ترك الصلاة عن اعتقاد فقط لأنه فعلًا يصير بذلك كافرًا[41].

 

أما ابن حزم في رده على إنكار الخوارج للتحكيم فإنه يذكر أن عليًا لم يحكم قط رجلًا في دين الله وحاشاه من ذلك وإنما هو قد حكم كلام الله - عز وجل - بعد أن اتفق الفريقان على الدعوة إلى حكم القرآن الكريم. وقد قال تعالى: ﴿ إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [النساء: 59].

 

ولما كان من المستحيل أن يتناظر الفريقان بكامل أفرادهما فقد تم اختيار الحكمين كل منهما عن الفريق الذي يمثله مدليًا بحجج المعسكر الذي ينوب عنه أبو موسى الأشعري عن أهل العراق وعمرو بن العاص عن أهل الشام. فلم يخطئ علي إذًا في قبوله التحكيم للرجوع إلى ما أوجبه القرآن.

 

فإنكار الخوارج للتحكيم، تكفيرهم علي، نتيجة لهذا يرجع إلى أنهم كانوا أعرابًا قرءوا القرآن حقًا، لكنهم لم يتفقهوا في السنن الثابتة عن الرسول - صلوات الله عليه، ولم يكن منهم أحد من الفقهاء المعروفين في ذلك الوقت لتبصيرهم بما خفي عنهم من دقائق الفقه أمثال أصحاب ابن مسعود أو عمر وعلي وعائشة، وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وسلمان وزيد، وابن عباس، وابن عمر. فلا غرو أن (يكفر بعضهم بعضًا عند أقل نازلة تنزل بهم من دقائق الفتيا وصغارها فظهر ضعف القوم وقوة جهلهم)[42].

 

ومما يكشف عن جهلهم أيضًا أنهم كانوا قريبي العهد ببيعة السقيفة حيث بايع الأنصار أبا بكر، وإذعانهم بذلك مع باقي المهاجرين لإمرة قريش، وقد نقل إليهم خبر اجتماع السقيفة من نقل إليهم القرآن والسنة النبوية أي أصحاب ثقات فكيف ينكرون على علي إمرة المسلمين، قد قرأوا أيضًا قول الله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾[الحديد: 10]، وقوله تعالى:﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ [الفتح: 29]، ولكن الجهل أعمى بصائرهم وأضلهم الشيطان فحلوا بيعة علي وأعرضوا عن هؤلاء الصحابة الكبار الذين قصدهم الله بهذه الآيات أمثال سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وغيرهم ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل كما تركوا أيضًا الصحابة الذين أنفقوا بعد الفتح.

 

إنهم تركوا هؤلاء جميعًا الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18]، كما وصفهم بأنهم الأشداء على الكفار الرحماء بينهم الركع السجد، والمثنى عليهم في التوراة والإنجيل، والذي شهد الله تعالى عليهم بأن باطنهم في الخير كظاهرهم بنص هذه الآية. إنهم تركوا هؤلاء جميعًا ليبايعوا عبدالله بن وهب الراسي الذي لا سابقة له ولا صحبة ولا فقه ولا شهد الله له بخير قط.

 

وعلي قد بويع بواسطة المسلمين على أثر مقتل عثمان، وحتى إذا كان الذي بايعه واحد من المسلمين فصاعدًا فإنه يصبح بذلك إمامًا يجب طاعته فإنه (الإمام بحقه وما ظهر منه قط إلا العدل والجد والبر والتقوى)[43].

 

ويضيف ابن حزم إلى هذا كله في كتاب (المفاضلة بين الصحابة) أن من حكم الله تعالى أن يجعل الحكم لغيره. وصح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (وإذا حاصرت أهل حصن فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك)، وصح قوله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)[44].