معاملة الخوارج

أ. د. مصطفى حلمي

معاملة الخوارج

 

كان انشقاق الخوارج باعثًا لعلماء الفقه أن يعالجوا موضوع الخروج على الجماعة وأصبح يطلق على الطوائف التي تنشق من المجتمعات الإسلامية بأهل البغي مقابل أهل العدل، ووضعت شروط لكي تطلق عليهم هذه التسمية منها مخالفتهم لرأي الجماعة والانسلاخ عنها عن طريق الانفراد بمذهب يبتدعونه، فإذا لم يخرجوا بهذا المذهب عن طاعة الإمام وظلوا أفرادًا متفرقين فلا يحاربوا لأن الإمام سيتمكن بحالتهم هذه من تأديبهم وعقابهم.

 

ومنشأ هذه القاعدة ما كان بين علي والخارجين عليه، إذ أوضح لهم حقوقهم بألا يمنعهم عن مساجد الله ليذكروا فيها اسم الله، ولا يبدؤهم بقتال ولا يمنعهم الفيء ما دامت أيديهم معه[45].

 

فإن جاهروا وتظاهروا بمعتقداتهم مع اختلاطهم بباقي أهل العدل دون أن ينفصلوا في كيان خاص، فعلى الإمام أن يوضح لهم فساد ما اعتقدوا ليعودوا إلى موافقة الجماعة، ويجوز للإمام أن يؤدب من تظاهر بالفساد منهم للزجر والتخويف عن طريق التعزير دون إقامة الحد أو القتل، عملًا بقول رسول الله - صلوات الله عليه - (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس).

 

ولا يحاربوا أيضًا إذا اعتزلوا وحدهم وابتعدوا عن مخالطة الجماعة ما داموا لم يمتنعوا عن تأدية الحقوق، وظلت طاعتهم للإمام قائمة. فإذا عصوا الإمام ومنعوا ما عليهم من حقوق وانفردوا باجتباء الأموال وتنفيذ الأحكام أصبحت هذه الأموال مغتصبة والأحكام باطلة لأنهم لم ينصبوا لهم إمامًا.

 

أما إذا نصبوا لأنفسهم إمامًا لكي يتم تحصيل الأموال وتنفيذ الأحكام بأمره فيطالبوا برد هذه الأموال وتظل الأحكام نافذة.

 

ولكن حربهم في كلا الحالتين واجبة، أي سواء نصبوا لأنفسهم إمامًا أم لم يفعلوا بغرض إرجاعهم إلى الطاعة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الحجرات: 9]. وتفسير هذه الآيات على النحو التالي:

لمعنى الآية: ﴿ فإن بغت إحداهما على الأخرى) ﴾ وجهان: أحدهما: بغت بالتعدي بالقتال، والثاني: بغت بالعدول عن الصلح.

 

ومعنة قوله تعالى:﴿ حتى تفىء إلى أمر الله ﴾ فسره سعيد بن جبير بأن ترجع إلى الصلح الذي أمر الله تعالى به، وقال قتادة بن دعامة السدوسي بأنه بالرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله فيما لهم وعليهم.

 

وكذلك الآية: ﴿ فأصلحوا بينهما بالعدل ﴾ فالعدل يعني إما الحق أو كتاب الله.

 

وعلى الأمير الذي قلده الإمام لقتالهم أن ينذرهم ويعذرهم أولًا ثم يقاتلهم إذا أصروا على القتال بعد إمهالهم دون الهجوم عليهم بغتة[46].

 

وتختلف الطرق المتبعة في قتالهم عن قتال المشركين والمرتدين من ثمانية أوجه:

الأول: القصد من القتال ردهم بادئ الأمر ولا يتعمد قتلهم خلافًا لقتال المشركين والمرتدين الذين يتعمد قتلهم.

 

الثاني: يقاتلوا مقبلين ويكف عنهم مدبرين أما المشركين والمرتدين فيجوز قتالهم مقبلين ومدبرين.

 

الثالث: لا يجهز على جريحهم، كما أمر علي يوم الجمل ألا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح، وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين.

 

الرابع: ولا يقتل الأسرى أيضًا بل يفرج عمن أمن عودته للقتال ويحبس من لم يؤتمن رجوعه للقتال حتى تنتهى الحرب ثم يطلق سراحه، ولا يجوز حبسه بعدها.

 

الخامس: لا يغنم أموالهم ولا تسبى أولادهم عملًا بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها).

 

السادس: لا يستعان على قتالهم بذمي أومشرك معاهد وإن جاز هذا في قتال أهل الحرب والردة.

 

السابع: لا يجوز مهادنتهم إلى مدة أو موادعتهم على مال.

 

الثامن: لا تحرق مساكنهم ولا تقطع أشجارهم ونخيلهم لأنها دار إسلام، أما إذا هاجموا أهل العدل فإنه بجوز لأهل العدل في هذه الحالة الدفاع عن أنفسهم ما استطاعوا ولو بالقتل إذا لم يندفعوا بغيره.

 

ولكنه لا يجوز الاستمتاع بدوابهم أو استعمال سلاحهم في قتالهم.

 

وهذا الرأي يخالف ما ذهب إليه أبو حنيفة الذي أجاز الاستعانة على قتالهم بسلاحهم والاستمتاع بدوابهم ما دامت الحرب قائمة كما منع الصلاة على موتاهم على سبيل العقوبة لهم.

 

ويعارضه الماوردي فيما يتعلق بالنقطة الأولى استنادًا على حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه). كما يرى الماوردي أيضًا أنه لا عقوبة على الميت في الدنيا ولهذا يجب الصلاة عليهم لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (فرض على أمتي غسل موتاهم والصلاة عليهم)[47].