نظرة المستشرقين للخوارج

أ. د. مصطفى حلمي

نظرة المستشرقين للخوارج

احتضن أغلب المستشرقين نظريات الخوارج ووضعوهم موضع التمجيد ورفعوا من شأنهم فأظهروا فيهم نواحي الاختلافات الجذرية بينهم وبين باقي الفرق على أنها سمة الامتياز والتفوق فإن فلهوزن يرى أن الخوارج قد انبثقوا عن طبقة القراء[48] الذين حفظوا القرآن عن ظهر قلب وجاهدوا للعمل يما حاء به لا الاقتصار على حفظه وترديده صلاة ودعاء في المساجد والبيوت لأن القرآن في نظرهم ليس موضوع دراسة نظرية وإنما أنزل من أجل العمل والتقوى. ولهذا لم ينقطعوا للتعبد فحسب محتفظين بتقواهم لأنفسهم (وإنما كانوا يعملون بإيمانهم عن طريق التوجيه وإسداء المشورة في الأمور العامة كما تقضي بذلك طبيعة الخلافة الإسلامية)[49].

 

فإن الخوارج في رأيه لم يكونوا قادة لحركات كبرى وإنما يعتبرهم مقاييس لدرجة حرارة الجماهير ومثيري حماستهم، وأنهم نادرًا ما كانوا يسبحون ضد التيار العام بل مقاييس لدرجة حرارة الجماهير. وينفى فلهوزن بشدة الرأي الذي تجدد القول به حديثًا والذي ينسب أصول الخوارج إلى السبئية لأن لقب السبئية لم يطلق إلا على غلاة الشيعة ولأن الخوارج أنفسهم كانوا ينعتون خصومهم بنعت (السبئية) للسب والتحقير. فالبحث عن منشأ الخوارج ينبغى أن يرد إلى موقعة صفين[50].

 

ويعتقد فلهوزن أن الخوارج تئم تأت في موضوع الخلافة بأمر غريب أو مستنكر لأنهم لم يكونوا فرقة ضئيلة العدد تعمل في الظلام وتتكون في شكل تنظيم سري بل كانت ظاهرة أمام الكافة وتستند في آرائها على الرأي العام الذي كانت له الغلبة في معسكر أهل العراق في موقعة صفين، وأن مبادئهم قد أغرت الكثيرين بالانضمام إليهم دون أن ينادوا هم بها. وعلى هذا فإن الخوارج إذًا (كانوا حزبًا ثوريًا صريحًا كما يدل على ذلك اسمهم، أجل كانوا حزبًا ثوريًا يعتصم بالتقوى، لم ينشأوا عن عصبية العروبة بل عن الإسلام)[51].

 

ويرتبط بمعنى التقوى عند الخوارج ما يفهمه فلهوزن عن التقوى في الإسلام التي يصفها بأنها (ذات اتجاه سياسي عام) وهى أعلى درجة عند الخوارج لأن مبدأ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كان يتحقق على يد الخوارج بمناسبة وبغير مناسبة، لأن لا سلطان على الناس إلا الله ولكي تصبح السلطة الزمنية شرعية فيجب أن تخضع خضوعًا مطلقًا للدين لأنها تحكم باسم الله، فالإمام ما هو إلا رمز معبر عن وحدة الأمة الإسلامية.

 

وفي تقسيم فلهوزن للحكومة الإسلامية إلى قطبين أحدهما سلبي لخضوعها المطلق للدين والآخر إيجابي وهو جماعة المسلمين، خلق تعارضًا بين (الدين) و(الجماعة) أي بين خضوع الإنسان لله ووجوب خضوعه لأمر الجماعة وطاعة الإمام، ويرى أن الخوارج يقفون في صف الدين بكل قوة[52].

 

وبالرغم من أن الخوارج يستحلون دماء خصومهم المسلمين ويعتبرون أن قتالهم جهادًا شأنه شأن الجهاد ضد الكفار وأن المسلمين المخالفين لهم من عامة أهل السنة والجماعة أشد كفرًا من النصارى واليهود والمجوس، ومع هذا كله فليست الخوارج في ظن فلهوزن من نوع الفوضويين فهو يدافع عنهم هاهنا بحرارة لأن حروبهم لعثمان وعلي ومعاوية لم تستهدف إلا استبدالهم بأئمة صالحين لأن صلاحية الأمور في الدنيا والآخرة من صلاحية الأئمة (فالإمام إمام في الدنيا والآخرة في الحياة وبعد الموت هذا هو المذهب السائد في الإسلام، وبقدر ما في مركز الإمام من خطورة تكون الصعوبة في اختيار من يصلح له في نظر الخوارج)[53].

 

أفا فان فلوتن فيطلق على الخوارج (اسم الجمهوريين) لأنهم في رأيه يمثلون المبادئ الديمقراطية المتطرفة[54].

 

ويبدو أنه ممن تأثر بتمجيد المستشرقين للخوارج الأستاذ عمر أبو النصر في كتابه (الخوارج في الإسلام) إلى حد استبعاده لحديث الإمامة في قريش لأن الخوارج في رأيه أقرب إلى مسايرة الدين، فلو كان هناك نص صريح لما أنكروه ولا خالفوه. ثم ينسب إليه فضل طرق الموضوع الجديد الذي لم يكن للمسلمين به شأن من قبل وهو أنه يستطاع عزل الخليفة أو قتله إذا خالف رأي الجماعة[55].

 

ويستبعد أن يكون للخوارج يد في مقتل عثمان وإنما يرجح أن من أصبحوا خوارج في عهد علي كانوا من الثائرين على عثمان قبله[56] كما يربط بين الخوارج وبين الثوار الغربيين فيقول: (كأن الثوار الغربيين أخذوا فكرتهم منهم)[57].

 

ولا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى جهد عبير لإظهار تهافت مثل هذه الآراء، إذ سبق أن أوضحنا رد الفرق على معتقدات الخوارج ولا نعود فنكررها. ولكن نكتفي في مجال الرد على إبراز الحقيقة الواضحة وضوحًا لا لبس فيه ولا إبهام، وهي أن جميع الفرق الإسلامية قد عارضت الخوارج ووقفت منهم موقف المعارضة الشديدة في كل معتقداتهم.

 

ثم أورد بعض النماذج لرأي المسلمين فيهم قديمًا وحديثًا.

 

فقديمًا قال عنهم ابن عباس: (ليس الحرورية بأشد اجتهادًا من اليهود والنصارى وهم يضلون)[58].

 

كما كتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -  إلى يحيى بن يحيى ومن معه من الخوارج العاصية الذين خرجوا في عهده يقول لهم:

 

سلام الله عليكم. أما بعد: فإن الله عز وجل يقول: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾[النحل: 125]، وإني أذكركم أن لا تفعلوا كفعل آبائكم ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [الأنفال: 47]. فبذا تخرجون من دينكم وتسفكون الدماء، وتستحلون المحارم؟ فلو كانت ذنوب أبي بكر وعمر تخرج رعيتهما من دينهم كانت لها ذنوب فقد كان آباؤهم في جماعتهم فما جمع شركتكم على المسلمين وأنتم بضعة وأربعون رجلًا وإني أقسم بالله لو كنتم أبكارًا من ولدي وتوليتم عما دعوتكم إليه، ولم تجيبوا لدفعت دماءكم ألتمس بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة. فهذا النصح إن أجبتم وإن استغششتم فقديمًا استبغض الناصحون)[59].

 

وحديثًا يرميهم الشيخ أبو زهرة بالتعصب الذي ساد مناقشاتهم وتعصبهم في بعض الجدل وتحيزهم إلى جانب فكرة واحدة وكذبهم أحيانًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإيجاد الدليل على مزاعمهم، مع تمسكهم بظواهر القرآن دون تجاوزه إلى المقصد والمرمى[60].

 

ولا أجد بعد هذا أفضل من صوت الحق الذي لا يعدم أن يجد من يردده بعزم وثبات على لسان المستشرق ولتر. م باتون إذ يقرر في صرامة: وعندي أنه لا بقاء للإسلام إلا ببقاء السنة، ففي سلامتها سلامته وفي صونها صونه[61].

 

ولا يصرح بهذا القرار الحاسم الذي وصل إليه في كتابه عن (أحمد بن حنبل والمحنة) إلا لأنه لاحظ من خلال أبحاثه أن (الكتاب الأوروبيين كتبوا ما كتبوه عن عقائد السنة الإسلامية وقد غلب عليهم شعور النفرة منها والاستثقال لها، كما أنهم خصوا المعتزلة بأكثر مما يستحقون من إطراء وتقدير)[62].

 

فلا غرابة إذًا في أن يشمل الإطراء الخوارج أيضًا. أليسوا مخالفين لأهل السنة؟!!