وسطية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في التعامل مع الخوارج

د. أحمد عبدالحميد عبدالحق

وسطية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في التعامل مع الخوارج

 



لقد كانت فترة خلافة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بداية لمنعطف خطير في تاريخ الإسلام؛ إذ شهدت ظهور فرقتي الخوارج والشيعة بأفكارهما المنحرفة، التي ظلت آثارها السلبية ممتدة إلى اليوم، وقد عانى المسلمون تلكَ الأفكار ما عانوا؛ لأنَّ ولاة أمورهم على مر القرون السَّالفة لم يحسنوا التصرُّف مع الأسباب التي هيئت لوجود هؤلاء على الساحة، فيتلاشوا خطر انتشارها، كما أنهم في أوقات كثيرة لم يحسنوا التصرف مع مثل هؤلاء كما تصرف معهم علي - رضي الله عنه.



وهذه دراسة موجزة أحاولُ أن أبينَ فيها كيف تعامل علي - رضي الله عنه - مع هاتين الفرقتين عندما ظهرتا في عصره، وكيف توسَّط واعتدل مع أتباعهما، فلم يلن معهم لينًا يتركهم في غَوَايَتِهم ويقرهم عليها، ولم يشتد معهم اشتدادًا يخرج به عن منهج الإسلام، وكان بين ذلك سبيلاً توسطًا واعتدالاً.



ولنبدأ حديثنا بالظروف التي نشأ فيها الخوارج والشيعة:

نعلم جميعًا أن الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قُتل على أيدي المنافقين الذين أطلق عليهم السَّبئيَّة؛ لسيرهم تحت إمارة عبدالله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام؛ ليكيدَ له على الملأ، وكانت ظروف مقتل عثمان - رضي الله عنه - بهذه الكيفيَّة قد جعلته لا يتمكَّن من ترشيح أحد للخلافة بعده، كما لم تتح لأهل الشُّورى ورجال الحل والعقد الاجتماع؛ للتباحُث في أمر تعيين الخليفة الجديد، فتمَّت بيعة علي - رضي الله عنه - على عجل.



ولم يكن أحد من أصحاب الرأي ليعترض على مبايعته - رضي الله عنه - وهو الذي جاء بعد عثمان - رضي الله عنه - في الأفضلية من بين المرشحين الذين نصَّ عليهم للخلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قبيل موته، وكانوا يرون أنه أهل لها، ولكن هيمنة المنافقين والغوغاء على الأمور بالمدينة بعد قتلهم لعثمان - رضي الله عنه - وعجز علي - رضي الله عنه - عن اتِّخاذ قراراته المستقلة في ظل وجودهم، جعلت الأمور لا تمر بسلام؛ مما ألجأ كبار الصحابة وعلى رأسهم طلحة والزبير - رضي الله عنهما - إلى أن يفروا إلى خارج المدينة؛ لعلهم يستطيعون أن يحشدوا من الجنود ما يقضون به على ابن سبأ وأتباعه، ويخلصون المجتمع من فتنتهم.



وبالفعل خرج الزبير وطلحة - رضي الله عنهما - إلى البصرة ترافقهما أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وهناك تطوع الآلاف للانضمام إليهم، وتَمكَّنوا من قتل من عاد إلى البصرة من السبئيَّة، لكن عليًّا - رضي الله عنه - لما علم بخروجهم إليها، ترك المدينة مقر الخلافة وسار إليهم؛ ليُعلمهم أن حشد المسلمين والسير بهم إلى المدينة قد يكون خطره أعظم مما يتصوَّرون، وقد يُؤدي إلى سيل دماء الأبرياء في المدينة التي حُرِّم فيها سفك الدماء.



وصل علي بالقرب من البصرة، وهناك التقى بطلحة والزبير - رضي الله عنهما - وبعد مناقشات ومشاورات اقتنع كلٌّ برأي الآخر، واتفقوا على أن ينصرفوا من الصباح، ويعود علي إلى المدينة مقر الخلافة، غير أن السبئية الذين رافقوه في خروجه من المدينة - على غير علم منه - أحسوا أنَّ مخططهم لإزالة الخلافة في خطر، وأنَّ استقرار الأمور لعلي - رضي الله عنه - معناه أنه سيتفرغ لهم، ويُطهِّر سائر الأمصار الإسلامية من رجزهم، فدبروا بليل مُؤامرة للوقيعة بين مَن كان مع علي من جهة، ومن كان مع الزبير وطلحة من جهة أخرى، انتهت بموقعة الجمل على غير رغبة من الطرفين.



ولم يكن خطر تلك الموقعة المشؤومة مقصورًا على مَن قتل فيها من صفوة المسلمين، وعلى رأسهم طلحة والزبير؛ وإنَّما لأنَّها أحدثت أول شرخ بين المسلمين، وكانت الشرارة الأولى لاشتعال نار الخوارج وتطرف الشيعة؛ وذلك لأنَّ عليًّا - رضي الله عنه - ما أن خرج من تلك المعركة حتَّى صار من اندسوا إلى جيشه من السبئية يطعنون فيه أيضًا، حين نهاهم عن أخذ أموال مَن قاتل من المسلمين في صف الزبير وطلحة - رضي الله عنهما - فقالوا: ما له يحل لنا دماءهم، ويحرم علينا أموالهم؟! 



ثم جاءت موقعة "صفين" التي هلك فيها من المسلمين الآلاف المؤلفة، وانتهت بالصلح؛ حقنًا لما تبقى من الدِّماء من الفريقين، وبرضا من فضلاء الصَّحابة، وعلى رأسهم علي ومعاوية - رضي الله عنهما - فاعترض على هذا الصلح أصحابُ الفتنة الذين كانوا يسعَون في الخفاء لأن يُفني المسلمون بعضهم بعضًا. 



وصاروا يرددون: لا حكم إلا لله، وأن عليًّا حكَّم الرجال، وترك كتاب الله، فتلقفها الأعراب الذين لم يكُن عندهم فقه في الدين، وانطلت عليهم الحيلة، ووقعوا في الفخ، فخرجوا على إمامهم دون بينة، وعند عودة علي - رضي الله عنه - من صفين بجيشه انفصلوا عنه، وساروا في طريق غير طريقه، ولم يكفوا خلال سيرهم عن الشتم والسب لعلي، ومن رضي معه بالصُّلح ووقف القتال، وأخذوا يقولون: يا أعداءَ الله، أدْهَنتم في أمر الله، وجاءه رجل منهم يسمى: زرعة بن البرج الطائي، فقال: يا علي، لئن لم تدع تحكيم الرِّجال لأقاتلنك، أطلب وجه الله - تعالى - فقال علي: بؤسًا لك ما أشقاك! كأني بك قتيلاً تسفي عليك الرياح! 



 ثم سار هؤلاء حتى نزلوا في مكان يُسمى حروراء، فسُموا الحرورية لذلك، وكان عددهم اثني عَشَر ألفًا، وهم أول طائفة تبنت فكر الخوارج.



وقد ولوا عليهم رجلاً يُسمى "شبث بن ربعي التميمي"، وقالوا: هو أمير القتال، وآخر يُسمى "عبدالله بن الكوا اليشكري"، وقالوا: هو أمير الصلاة، وادَّعَوْا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.



فلَمَّا سمع مَن بقوا مع علي - رضي الله عنه - بأمرهم، قالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء مَن واليت وأعداء من عاديت، وكانت تلك بداية التشيُّع، ولكنه لم يكن تشيعًا منبوذًا، ولا غلوَّ فيه، إلا أن الحرورية قابلوا هذا الفعل منهم بقولهم: استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان، بايع أهل الشام معاوية على ما أحبوا وكرهوا، وبايعتم أنتم عليًّا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى.



ويومًا بعد يوم بدأ الشيطان يجنح بهم نحو الهاوية؛ إلاَّ أن عليًّا - رضي الله عنه - كان يترأف بهم، ورَغْم أن خروجهم زاد من أوجاعه؛ حيث كان يرى فيه شرخًا آخر بجسد الأمة، وهو خارج من التو من قتال أهل الشام إلاَّ أنه صبر عليهم، وتَحمَّل مِن سبِّهم وشتمهم واتهامهم له بالباطل ما تحمل، وبعث إليهم عبدالله بن عباس - رضي الله عنه - وقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك. 



فخرج إليهم عبدالله فأقبلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى راجعهم، فقال: ما نقمتم من الحكمين، وقد قال تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]، فكيف بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم؟ فقالت الخوارج: أمَّا ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم في الزاني مائة جلدة، وفي السارق القطع، فليس للعباد أن ينظروا في هذا، فقال ابن عباس: فإن الله - تعالى - يقول: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95]، فقالوا: أو تجعل الحكم في الصيد والحرث وبين المرأة وزوجها، كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدلٌ عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يُقاتلنا؟ فإن كان عدلاً فلسنا بعدول، وقد حكمتم في أمر الله الرِّجال، وقد أمضى الله حكمه في مُعاوية وأصحابه أن يُقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابًا، وجعلتم بينكم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب، مذ نزلت براءة إلا مَن أقر بالجزية.



وبينما هم يتخاصمون وعبدالله بن عباس إذ جاء علي - رضي الله عنه - فقال له: ألم أنهك عن كلامهم حتَّى آتي؟ ثم التفت إليهم، فقال: اللهم هذا مقامٌ مَن يَفْلُجُ فيه، كان أَوْلَى بالفَلْجِ يوم القيامة، ثم قال لهم: مَن زعيمكم؟ قالوا: ابن الكوا، فقال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتك يوم صفين، فقال لهم: قد اشترطت على الحكمين أن يُحييا ما أحيا القرآن ويُميتا ما أمات القرآن، فإن حَكَما بحكم القُرآن، فليس لنا أن نُخالف، وإن أبيا فنحن عن حكمهما بُرَآء.



فقالوا له: فخبرنا، أتراه عدلاً تحكيم الرِّجال في الدِّماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرِّجال، إنَّما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق، إنَّما يتكلم به الرجال، فقالوا: فخبرنا عن الأجل، لِمَ جعلته بينكم؟ قال: ليعلم الجاهل ويتثبت العالم، ولعلَّ الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، فأناب إليه أكثرهم وبقيت قِلَّه على عنادهم، فتركهم على ما هم عليه بعد أن أعذر إليهم إلى الله، ولم يُجبرهم على الدُّخول في طاعته، وقال لمن حولهم: نُحسن إليهم ونتركهم ما تركونا. 



ورغم ذلك حرصوا على استفزازه، فقد صعد المنبر يومًا؛ ليخطب الجمعة، فقاموا في جوانب المسجد، فقال علي: الله أكبر، كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل! إن سكتوا غممناهم، وإن تكلموا حاججناهم، وإنْ خرجوا علينا، قاتلناهم، فوثب إليه رجل يُسمَّى يزيد بن عاصم المحاربي، فقال: الحمد لله غَيْرَ مُوَدَّعٍ رَبُّنا ولا مُستغنًى عنه، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في الدين، إدهانٌ في أمر الله، وذل راجع بأهله إلى سخط الله، يا علي، أبالقتل تُخوِّفنا؟ أما والله، إني لأرجو أن نضربَكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلم أينا أَوْلَى بها صليًّا.



وصبر علي - رضي الله عنه - وتصبَّر أمام هذا التجرُّؤ عليه، وعلى منصب الخلافة الذي يشغله، ووصْفِه بما لا يليق، وأعاد عليهم مقولته: أما إنَّ لكم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجدَ الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيْءَ ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا.



وسن - رضي الله عنه - بذلك سنة مُعاملة الخارجين على الدَّولة من أبناء المسلمين، تلك السنة التي ينبغي أنْ يتحاكم إليها كلُّ حاكم مسلم، ولا يَجنح إلى الهوى، ولا ينتصر لنفسه الأَمَّارة بالسوء إذا كان يَرجو الله واليوم الآخر.



ولو نظر هؤلاء الحرورية أو الخوارج لأنفسهِم، لتركوا عليًّا كما تركهم يعتنقون ما شاؤوا من الأفكار، ولكن أَبَى شيطانُهم إلاَّ أن يَؤُزَّهم على أن يُجبروا عليها الآخرين، فلَقِيَ بعضهم بعضًا، واجتمعوا في منزل عبدالله بن وهب الراسبي، فخطبهم فزهدهم في الدُّنيا - كما زعم - وأمرهم بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، الذي ليس في نظرهم سوى إجبار الناس على اعتناق أفكارهم، ومُقاتلة المخالفين لهم من المؤمنين. 



ثم قال لهم: اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن، مُنكرين لهذه البدع المضلَّة - يقصد أمر الصلح الذي تم بين أهل الشام والعراق - ثم اجتمعوا في منزل رجل يُسمى شريح بن أوفى العبسي، فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله، فإنَّكم أهل الحق، فقال شريح: نخرج إلى المدائن، فننزلها ونأخذها بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا. 



ولا أدري بأي حق يفعلون ذلك؟! وأي دين هذا الذي يأمرهم بأن يُخرجوا سكان المدائن من بيوتها ليسكنوها هم وأتباعهم؟! لا أدري، ولو كان أهل المدائن مشركين - كما زعموا - ما جاز أن يسلبوا منهم أموالهم، ويخرجوهم من ديارهم. 



ثم قال بعضهم لبعض: لو خرجتم مُجتمعين، عَلِمَ عليٌّ بأمركم، ولكن اخرجوا وحدانًا مستخفين، فأما المدائن، فإنَّ بها من يمنعكم، ولكن سيروا حتَّى ننزل جسر النهروان. 



وسار الأشقياء حتَّى نزلوا جسر النَّهروان، ومن هناك كاتب عبدالله بن وهب باقي أتباعه بالبصرة، يعلمهم بما اجتمعوا عليه، ويَحثُّهم على اللحاق به، فأجابوه بموافقتهم، وقضوا ليلة اليوم الذي غادروا فيه البصرة في العبادة والتهجُّد، وهذا ما زاد من فتنتهم بين الناس، وجعلهم يتحيرون في أمرهم، ولسان حالهم يقول: إنَّ أناسًا يَجتهدون في العبادة هذا الاجتهاد، كيف لا يكونون على الحق؟! وهذا من تلبيس إبليس عليهم وعلى غيرهم؛ لأنَّ الإسلام فطرة وسطية، مَن تجاوزها بالتقصير أو التَّفريط، حاد عنها، ومن تجاوزها بالغلو والإفراط، حاد عنها كذلك. 



وصدق فيهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كمروق السَّهم من الرميَّة، ينظر إلى نصله، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رِصَافِه، فلا يوجد فيه شيء...))؛ رواه البخاري.



وعلم علي - رضي الله عنه - بأمر تسلُّلهم وخروجهم إلى النَّهروان، فأرسل إليهم من يذكرهم الله، ويدعوهم إلى الطاعة، فأبوا، ولم يغير سياسته معهم القائمة على ألاَّ يبدأهم بالقتال إلا إذا بدؤوه، وظلَّ على ذلك، حتَّى بلغه أنَّ بعضَهم رَأَوْا رجلاً يسير بامرأته، فدعوه وقالوا له: مَن أنت؟ قال: أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم، فقالوا: لا رَوْعَ عليك، حدثنا عن أبيك حديثًا سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنفعنا به، فقال: حدثني أبي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل، كما يموت فيها بدنه، يُمسي فيها مؤمنًا ويصبح كافرًا، ويصبح كافرًا ويمسي مؤمنًا)).



فقالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرًا، فقالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ فقال: إنه كان محقًّا في أولها وفي آخرها، فقالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ فقال: إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقيًا على دينه، وأنفذ بصيرة.



فقالوا: إنك تتبع الهوى، وتوالي الرِّجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قِتلةً ما قتلناها أحدًا، فأخذوه وكتفوه، ثم أقبلوا به وبامرأته، وهي حُبلى في أيام الحمل الأخيرة، حتى نزلوا تحت نخل مواقير، فسقطت منه رطبة، فأخذها أحدُهم فتركها في فيه، فقال آخر: أخذتها بغير حِلِّها وبغير ثمن، فألقاها، ثم مر بهم خنزير لأهل الذِّمة، فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فلَقِيَ صاحب الخنزير، فأرضاه.



فلما رأى ذلك منهم عبدالله بن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى، فما عليَّ منكم من بأس، إني مُسلم ما أحدثت في الإسلام حدثًا، ولقد أَمَّنتموني، قلتم: لا رَوْعَ عليك. 



لكن مَن أَبَوا أن يأكلوا تَمرة من التمر المتساقط المباح وَرَعًا، ومَن أدَّوا دية الخنزير، قاموا بقتل الرجل المسلم الأعزل؛ حيث أضجعوه فذبحوه حتَّى سال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة ألا تتقون الله؟! فبقروا بطنها. 



إنه تلبيس إبليس؛ لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم: ((طوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه))؛ (مسند أحمد بن حنبل جزء 2، صفحة 84 ). 



بلغ عليًّا - رضي الله عنه - ما فعلوه بعبدالله بن خباب، وأنَّهم قتلوا ثلاثَ نسوة من طَيِّئ، وقتلوا امرأة أخرى تُسمى أم سنان الصيداوية، وأنَّهم صاروا يعترضون الناس، فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدي؛ ليأتيهم وينظر ما بلغه عنهم، ويكتب به إليه ولا يكتمه، فلَمَّا دنا منهم يُسائلهم عن سبب قطعهم للطريق على المؤمنين، قتلوه.



فلم يكن أمام علي - رضي الله عنه - إذًا بعد أن أعلنوا عليه الحرب، ورَوَّعوا الآمنين إلا أن يسير إليهم؛ ليقتلع شوكتهم. 



وأؤكد أن عليًّا - رضي الله عنه - لم يبدأهم بقتال لآراء تبنَّوها، ولا لفكر خاطئ اعتنقوه، وإن بدا في هذا الفكر خروج عليه، وإنَّما قاتلهم؛ لأنهم عاثوا في الأرض فسادًا، وروعوا الآمنين، وآوَوُا المارقين، وأعلنوا عليه الحرب، وأنَّه قد أعذر إليهم بمكاتبتهم ومراسلتهم، ومحاورتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن.



وبناء على ذلك؛ لا يجوز لأيِّ حاكم مسلم أن يقاتل، أو يحاكم من رعيته من يتبنى أفكارًا غير الأفكار التي تتبناها الدَّولة، وإن كانت أفكارًا شططًا؛ إلاَّ أن يعيثوا في الأرض فسادًا، ويظهر منهم اعتداء على الرعية، وبعد أنْ يعذر إليهم، ويستنفذ معهم كل أساليب التقويم السلمية، وإلا كان زائغًا عن الحق، يعالج خطأ بخطأ.



وأعود إلى علي - رضي الله عنه - فأقول: إنَّه جهز جيشه لما رأى - كما ذكر من قبل - أنَّ كل سبل المعالجة السلميَّة لم تفلح معهم، وعبر جسرَ الفُرات إليهم، وقبل أنْ يبدأهم بقتال أرسل مَن يقول لهم: ادفعوا إلينا قَتَلَةَ إخواننا منكم، أقتلهم بهم - قصاصًا كما نص كتاب الله الذي يدَّعون أنهم يتحاكمون إليه - ثم أنا تارككم وكافٍّ عنكم، فلعل اللهَ يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خيرٍ مما أنتم عليه من أمرِكم، فقالوا: كلُّنا قتلهم، وكلُّنا مستحلٌّ لدمائكم ودمائهم، فأعاد إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فقال لهم: عباد الله، أخرجوا إلينا طلبتنا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعُودوا بنا إلى قتال عدوِّنا وعدوكم، فإنَّكم ركبتم عظيمًا من الأمر، تشهدون علينا بالشِّرك، وتسفكون دماء المسلمين.



فقال لهم رجل منهم يسمى "عبدالله بن شجرة السلمي": إنَّ الحق قد أضاء لنا، فلسنا مبايعيكم، أو تأتونا بمثل عمر، فقال قيس: ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ فقالوا: لا، فقال قيس: نشَدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها، فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم.



ثم ذهب إليهم أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - فخطبهم وقال: عبادَ الله، إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنَّا عليها، أليست بيننا وبينكم فرقة؟ فعلامَ تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لو تابعناكم اليومَ، حكمتم غدًا، فقال أبو أيوب: فإنِّي أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام؛ مَخافة ما يأتي في القابل.



ولم يكتف علي - رضي الله عنه - بذلك، وإنَّما ذهب إليهم بنفسه، وقال لهم: أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المِرَاء واللجاجة، وصدَّها عن الحق الهوى، وطمع بها النَّزَقُ - الخفة والطيش - وأصبحت في الخطب العظيم، إنِّي نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأُمَّة غدًا صَرعى بأثناء هذا الوادي، وبأهضام هذا الغائط بغير بينة من ربِّكم ولا بُرهان مبين.



فلم يجد عندهم سوى العبارة التي ألقى بها الشيطانُ في روعِهم، وهي: "إنا حكَّمنا فلما حكَّمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين وقد تُبنا، فإن تبت، فنحن معك ومنك، وإن أبيت فإنَّا منابذوك على سواء".



فقال علي - رضي الله عنه -: أصابكم حاصب، ولا بَقِيَ منكم وابر، أبَعْدَ إيماني برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهِجْرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكُفر؟! لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين!



ثم انصرف - رضي الله عنه - عنهم وهو عازم على قتالهم، وقد بدأ بطمأنة مَن معه؛ كي لا يَرهبوهم، فقال لهم: والله، لا يُقتل منكم عشرة، ولا يَسلم منهم عشرة.



وتقدم فعبَّأ جنوده، وكانوا في حدود سبعمائة أو ثمانمائة مُقاتل، وأعطى أبا أيوب الأنصاري رايةَ الأمان، فناداهم أبو أيوب، فقال: مَن جاء تحت هذه الرَّاية، فهو آمن، ومن لم يَقتُلْ ولم يستعرض، ومن انصرفَ منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة، فهو آمن، لا حاجةَ لنا بعد أن نصيبَ قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم.



وتلك - لعمر الله - أسمى آيات التحرِّي والتورُّع عن الوقوع في دماء الأبرياء، والتي لم تصل إليها البشرية إلى الآن، رَغْم ما قطعته من أشواط في مجال حُقُوق الإنسان، وما سنت من قوانين ودساتير حديثة.



وفلحت سياسة علي - رضي الله عنه - هذه في تشجيع مجموعة منهم، كان من الممكن أن يُقتلوا على المعصية، فيكون مصيرهم إلى النار - والعياذ بالله - فقد وقف رجل يسمى: "فروة بن نوفل الأشجعي"، وقال: والله، ما أدري على أيِّ شيء نقاتل عليًّا؟! فانصرف في خمسمائة فارس إلى مكانٍ يُسمى الدسكرة، وخرجت طائفة أخرى مُتفرِّقين فنزلوا الكوفة، وانضم إلى علي - رضي الله عنه - منهم نحو مائة رجل.



ولم يبقَ مع عبدالله بن وهب زعيمهم سوى ألف وثمانمائة من أربعة آلاف مُقاتل كانوا معه.



أرأيتم - معشر القراء الكرام - كيف استطاع علي - رضي الله عنه - برفقه ولينه صرْف هؤلاء عن غَيِّهم؟! وكثير من الشباب الآن الذين كانوا وما زالوا يحملون أفكارًا خاطئة، تبيحُ لهم الخروج على مُجتمعاتهم، من المُمكن إقناعهم بالحُسنى واللين والرِّفق والرحمة؛ حتَّى يتخلوا عنها، بدلاً من البطش بهم، والقسوة عليهم، قسوة لا تزيدهم إلا عنادًا ويأسًا من الحياة.



وأؤكد أنَّ عليًّا - رضي الله عنه - بعد جُهُوده المضنية في إقناعهم بالحسنى، ونجاحه في صرف الكثيرين منهم عن مُقاتلته، لم يكن البادئ بمقاتلة المُصرِّين على عنادهم منهم، وإنَّما تريَّث بهم بعد أن زحفوا إليه، وقال لأصحابه: كُفُّوا عنهم حتَّى يبدؤوكم، فالتزم أتباعه بأوامره حتى تنادوا - أي: بقية الخوارج -: الرواح إلى الجنة، وحملوا على الناس حملة جعلت خيلَ علي - رضي الله عنه - تفترق فرقتين: فرقة نحو الميمنة، وفرقة نحو الميسرة، وعندها لم يكُن من القتال بُدٌّ، فاستقبلت الرُّماة وجوهَهم بالنَّبل، ثم عطفت عليهم خيل علي - رضي الله عنه - من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرِّجال بالرِّماح والسيوف، فما لبثوا أن أناموهم، فأهلكوا في ساعة، فكأنْ قيل لهم: موتوا فماتوا، كما أخبر الرواة.



ولا عجبَ أن يحقق علي - رضي الله عنه - عليهم هذا النَّصر السريع؛ لأنَّهم بغوا، والبغي مرتعه وخيم، كما أن مَن قاتلوهم مع علي - رضي الله عنه - لم يشكُّوا في وجوب قتلهم بعدما رأَوا من إعذار علي - رضي الله عنه - إليهم، فقاتلوهم قتالَ الأبطال الرَّاجين مثوبة الله - سبحانه وتعالى.



وبعد انتهاء المعركة مَرَّ بهم علي - رضي الله عنه - وهم صَرعى، فقال: بؤسًا لكم! لقد ضرَّكم مَن غَرَّكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، مَن غرَّهم؟ قال: الشيطانُ وأنفسٌ أمَّارة بالسوء غرتهم بالأماني، وزيَّنت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون.



ثم جاء - رضي الله عنه - إلى ما كان في عسكرهم من شيء، فأخذ السِّلاح، فقسمه بين مَن قاتلوا معه، وأمَّا الأموال والمتاع والإماء والعبيد، فإنه ردَّها على أهلِهم.



إنَّهم بغاة نعم، وفي قتالهم صيانة للمجتمع من شُرُورهم؛ لكن لا تجوز مصادرة أموالهم، ولا نهبها، ولا إتلافها؛ لأنَّ هذه الأموال هي من حقِّ ورثتهم من أبنائهم وأهليهم، الذين لا ذنبَ لهم فيما ارتكبه ذووهم؛ والله - سبحانه وتعالى - يقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].

 

وما رأيناه على مرِّ التاريخ مِن نهبٍ لأموال أمثال هؤلاء، ومُعاقبة ذويهم؛ بهدف ترويع الآخرين من الاقتداء بهم في خُرُوجهم على المجتمع - لم يزدْهم إلاَّ حقدًا على المجتمع وتربصهم به الدوائرَ؛ حتَّى إذا وجدوا فُرصة لمعاودة الخروج على الحاكم، خرجوا وعاثوا في الأرض فسادًا.



فليكن لنا في التاريخ عبرة