الباطنية

الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض

 

قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيميَّة - رحمه الله - في رسالته في الرد على النصيرية:

"هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية، هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية - أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين؛ مثل: كفار التتار والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهَرون عند جُهَّال المسلمين بالتشيع، وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولا بملة من الملل، ولا بدينٍ من الأديان السالفة.

 

فإنه ليس لهم حدٌّ محدود فيما يدَّعونه من الإلحاد في أسماء الله - تعالى - وآياته وتحريف كلام الله - تعالى - ورسوله عن مواضعه؛ إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكلِّ طريق، مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائقَ يعرفونها".

 

ولهم في مُعاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة، وكُتُب مصنَّفة، فإذا كانتْ لهم مُكْنة سفكوا دماء المسلمين، كما قتلوا مرة الحجاج، وألقوهم في بئر زمزم، وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم وجندهم ما لا يُحصِي عدده إلا اللهُ - تعالى.

 

وصنَّف علماء المسلمين كتبًا في كشْف أسرارهم، وهتك أستارهم، وبينوا ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد، الذي هم به أكفر من اليهود والنصارى، ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام.

 

ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائمًا مع كل عدوٍّ للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله تعالى - النصارى على ثغور المسلمين.

 

فهؤلاء المحادون لله ورسوله كثروا بالسواحل وغيرها، فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره، فإن أحوالهم كانتْ من أعظم الأسباب في ذلك.

 

ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومُؤازرتهم، فإنَّ مرجع هؤلاء الذي كان وزيرهم وهو النصير الطوسي الذي كان وزيرًا لهم، وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هولاكو، وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكُفر المحض.

 

ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضًا، وهم إذا كانوا في بلاد المسلمين التي يكثر فيها أهل الإيمان، فقد يخفون على من لا يعرفهم، وأما إذا كثروا فإنه يعرفهم عامة الناس، فضلاً عن خاصتهم.

 

وقد اتَّفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوج منهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يجوز دفنُهم في مقابر المسلمين، ولا يُصلَّى على مَن مات منهم.

 

وأما استخدام مثل هؤلاءِ في ثغور المسلمين، أو حقولهم، أو جندهم، فإنه من الكبائر، وهم بمنزلة مَن يستخدم الذئاب لرعْي الغنم، فإنهم مِن أغش الناس للمسلمين، ولولاة أمورهم، وهم أحرصُ الناس على فساد المملكة والدولة، وهم شر من المُخَامِر الذي يكون في العسكر؛ فإن المخامِر قد يكون له غرض، إما مع أمير العسكر، وإما مع العدو، وهؤلاء مع الملة ونبيها ودينها، وملوكها وعلمائها، وعامتها وخاصتها، وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين، وعلى إفساد الجند على من ولي الأمر، وإخراجهم عن طاعته، ويحل لولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة، فلا يتركون في ثغر، ولا في غير ثغر، فإن ضررهم في الثغر أشد، وأن يستخدم بدلهم من يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام، وعلى النُّصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم مَن يغشه وإن كان مسلمًا، فكيف بمَن يغش المسلمين كلهم؟!

 

ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه، ودماؤهم وأموالهم مباحة، وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع من العلماء.

 

فلا يتركون مجتمعين، ولا يُمَكَّنُون من حمل السلاح وأن يكونوا من المقاتلة، ويلزموا شرائع الإسلام من الصلوات الخمس، وقراءة القران، ويُتْرك مَن يُعلمهم دين الإسلام، ويُحال بينهم وبين مُعلِّمهم.

 

ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات، وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد مَن لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين.

 

والصديق وسائر الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب؛ فإن جهاد هؤلاء حِفْظ لما فُتح من بلاد المسلمين، وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد مَن لَمْ يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين، وحِفْظ رأس المال مُقدَّم على الرِّبْح.

 

وأيضًا فضررُ هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك، بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر مَن يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، وضررهم في الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين المشركين وأهل الكتاب.

 

ويجب على كل مسلم أن يقومَ بذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب، فلا يحل لأحدٍ أن يكتمَ ما يعرفه من أخبارهم، بل يفشيها ويظهرها؛ ليعرف المسلمون حقيقة حالِهم، ولا يحل لأحدٍ أن ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله، فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله - تعالى - وقد قال الله - تعالى - لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ [التوبة: 73]، والمتعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان، له منَ الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله - تعالى.

 

فإنَّ المقصود بالقصْد الأول هو هدايتهم، كما قال الله - تعالى -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110]، قال أبو هريرة: تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تدخلونهم الإسلام، فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هداية العباد لصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان، فمَن هداه الله منهم سعد في الدنيا والآخرة، ومَن لَم يهتد كفَّ الله ضرره عن غيره". (انتهى باختصار).

 

قال الشيخُ العلامة عبدالقاهر بن طاهر البغدادي التميمي، المتوفَّى سنة 429 هـ في كتابه: "الفرق بين الفرق" ص169 الفصل السابع عشر من فصول هذا الكتاب في ذكر الباطنية وبيان ضررهم على جميع فرق الإسلام:

"اعلموا - أسعدكم الله - أن ضرر الباطنية على فرَق المسلمين، أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل أعظم من مضرة الدهرية، وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان؛ لأنَّ الذين ضلوا عن الدِّين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومِنا، أكثر من الذين يضلون بالدَّجَّال في وقت ظهروه؛ لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يومًا، وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر.

 

وقد حكى أصحاب المقالات أن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة منهم ميمون بن ديصان، المعروف بالقداح، وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق، وكان من الأهواز، ومنهم محمد بن الحسين الملقَّب بدندان، اجتمعوا كلهم مع ميمون بن ديصان في سجن والي العراق، فأسَّسوا في ذلك السجن مذاهب الباطنية، ثم ظهرتْ دعوتُهم بعد خلاصهم من السجن من جهة المعروف بدندان، وابتدأ بالدعوة في ناحية توز، فدخل في دينه جماعة من أكراد الجبل، مع أهل الجبل المعروف بالبدين، ثم رحل ميمون بن ديصان إلى ناحية المغرب، وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب، وزعم أنه من نسله؛ لذلك دخل في دعوتِه قومٌ مِن غلاة الرافضة والحلولية منهم ادعى أنه من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، فقبل الأغبياء ذلك منه على جهل، والمعروف أن إسماعيل بن جعفر مات ولم يعقب عند علماء الأنساب، ومؤسس دين الباطنية رجل يقال له: حمدان قرمط، لُقِّب بهذا لقرمطة في خطه أو في خطوة، وكان في ابتداء أمره أكارًا من أكرة سواد الكوفة، وإليه تنسب القرامطة، ثم ظهر بعده في الدعوة إلى البدعة أبو سعيد الجنابي، وكان من مُستجيبة حمدان، وتغلب على ناحية البحرين، ودخل في دعوته ابن سنير ثم لَمَّا تمادت الأيام بهم ظهر المعروف منهم بسعيد بن الحسين بن أحمد بن عبدالله بن ميمون بن ديصان القداح، فغَيَّر اسم نفسه ونسبه، وقال لأتباعه: أنا عبيدالله بن الحسين بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم ظهرتْ فتنته بالمغرب، وأولاده اليوم مستولون على أعمال مصر، وظهر منهم المعروف بابن زكرويه بن مهرويه الدنداني، وكان من تلامذة حمدان قرمط، وظهر مأمون أخو حمدان قرمط بأرض فارس، وقرامطة فارس يقال لهم: المأمونية لأجل ذلك.

 

ووصل أرض الدَّيْلم رجلٌ منَ الباطنية يُعرف بأبي حاتم، فاستجاب له جماعة من الديلم، منهم أسفار بن شرويه، وظهر بنيسابور داعية لهم يُعرف بالشعراني، فقتل بها في ولاية أبي بكر ابن حجاج عليها، وكان الشعراني قد دعا الحسين بن علي المروزي، وقام بدعوته محمد بن أحمد النسفي داعية أهل ما وراء النهر، وأبو يعقوب السجزي المعروف ببندادنة، وصنف النسفي لهم كتاب "المحصول"، وصنَّف لهم أبو يعقوب كتاب "أساس الدعوة"، وكتاب "تأويل الشرائع"، وكتاب "كشف الأسرار"، وقُتِل النسفي والمعروف ببندانة على ضلالتهما.

 

وذكر أصحاب التواريخ أنَّ دعوة الباطنية ظهرتْ أولاً في زمان المأمون، وانتشرتْ في زمان المعتصم، وذكروا أنه دخل في دعوتهم الأفشين صاحب جيش المعتصم، وكان مراهنًا لبابك الخرمي، وكان الخرمي مستعصيًا بناحية البدين، وكان أهل جبلة الخرمية على طريق المزدقية، فصارت الخرمية مع الباطنية يدًا واحدة، واجتمع مع بابك من أهل البدين، وممن انضم إليهم من الديلم مقدار ثلاثمائة ألف رجل، وأخرج الخليفة لقتالهم الأفشين، فظنه ناصحًا للمسلمين، وكان في سره مع بابك، وتوانى في القتال معه، ودلَّه على عورات عساكر المسلمين، وقتل الكثير منهم، ثم لحقت الأمداد بالأفشين، ولحق به محمد بن يوسف الشفري، وأبو دلف القاسم بن عيسى العجلي، ولحق به بعد ذلك قواد عبدالله بن طاهر، واشتدتْ شوكة البابكية والقرامطة على عسكر المسلمين، حتى بنوا لأنفسهم البلدة المعروفة ببرزند خوفًا من بيان البابكيين، دامت الحرب بين الفريقين سنين كثيرة إلى أن أظفر الله المسلمين بالبابكية، فأسر بابك وصلب بسر مَن رأى سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ثم أُخذ أخوه إسحاق، وصُلب ببغداد مع مازيار صاحب المحمرة بطبرستان وجرجان، ولما قتل بابك ظهر للخليفة غدر الأفشين وخيانته للمسلمين وحروبه مع بابك فأمر بقتله وصلبه، فصلب لذلك.

 

وذكر أصحاب التواريخ أنَّ الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم، ولم يجسروا على إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين، فوضع الأغمار منهم أُسسًا مَن قَبِلها منهم، صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس، وتأَوَّلُوا آيات القرآن، وسنن النبي - عليه السلام - على مُوافقة أُسسهم.

 

وبيان ذلك أن الثنَويَّة زعمَتْ أن النور والظلمة صانعان قديمان، والنور منهما فاعل الخيرات والمنافع، والظلام فاعل الشرور والمضار، وأن الأجسام ممتزجة من النور والظلمة، وكل واحد منهما مشتمل على أربع طبائع، وهي: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، والأصلان الأولان مع الطبائع الأربع مدبِّراتُ هذا العالم، وشارَكَهُم المَجُوس في اعتقاد صانعين، غير أنهم زعموا أن أحد الصانعين قديم، وهو الإله الفاعل للخيرات، والآخر شيطان محدث فاعل للشرور.

 

وذكر زعماء الباطنية في كُتُبهم أنَّ الإله خلق النفس، فالإله هو الأول، والنفس هو الثاني، وهما مدبرا هذا العالم، وسموهما: الأول والثاني، وربما سموهما: العقل والنفس، ثم قالوا: إنهما يدبِّران هذا العالم بتدابير الكواكب السبعة والطبائع الأول، وقولهم: إن الأول والثاني يدبران العالم هو بغية قول المجوس بإضافة الحوادث لصانعين؛ أحدهما: قديم، والآخر: محدث، إلا أن الباطنية عبَّرَتْ عن الصانعين بالأول والثاني، وعبَّر المجوس عنهما ببزدان وَأَهْرَمَن، فهذا هو الذي يدور في قلوب الباطنية، ووضعوا أساسًا يؤدي إليه.

 

ولم يُمْكِنْهم إظهار عبادة النيران، فاحتالوا بأن قالوا للمسلمين: ينبغي أن تجمر المساجد كلها، وأن تكون في كل مسجد مجمرة يُوضَع عليها الند والعود في كل حال، وكانت البرامكة قد زيَّنوا للرشيد أن يتخذ في جوف الكعبة مجمرة يتبخر عليها العود أبدًا، فعلم الرشيد أنهم أرادوا من ذلك عبادة النار في الكعبة، وأن تصيرَ الكعبةُ بيت نار، فكان ذلك أحد أسباب قبض الرشيد على البرامكة.

 

ثم إنَّ الباطنية لما تأوَّلَتْ أصول الدين على الشرك، احتالت أيضًا لتأويل أحكام الشريعة على وجوه تؤدِّي إلى رفع الشريعة، أو إلى مثل أحكام المجوس، والذي يدل على أن هذا مرادهم بتأويل الشريعة، أنهم قد أباحوا لأتباعهم نكاح البنات، والأخوات، وأباحوا شرب الخمر، وجميع اللذات.

 

ويؤكد ذلك أنَّ الغلام الذي ظهر منهم بالبحرين والأحساء بعد سليمان بن الحسن القرمطي سنَّ لأتباعه اللواط، وأوجب قتل الغلام الذي يمتنع على مَن أراد الفجور به، وأمر بقطع يد من أطفأ نارًا بيده، وبقطع لسان من أطفأها بنفخه، وهذا الغلام هو المعروف بابن أبي زكريا الطامي، وكان ظهوره في سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وطالتْ فتنتُه إلى أن سلَّط الله - تعالى - عليه من ذبحه على فراشه.

 

ويؤُكِّد ما قلْناه من ميل الباطنية إلى دين المجوس: أننا لا نجد على ظهر الأرض مجوسيًّا إلا وهو موادّ لهم، مُنتظر لظهورهم على الديار، يظنُّون أن المُلْك يعود إليهم بذلك، وربما استدل أغمارهم على ذلك بما يرْويه المجوس عن زرادشت أنه قال لكشتاسف: إن المُلْك يزول عن الفرس إلى الروم واليونانية، ثم يعود إلى الفرس، ثم يزول عن الفرس إلى العرب، ثم يعود إلى الفرس، وساعده "جاماسب" المنجِّم على ذلك، وزعم أن المُلْك يعود إلى العجم لتمام ألف وخمسمائة سنة، وقت ظهور زرادشت.

 

وكان في الباطنية رجل يعرف بأبي عبدالله العردي، يدَّعي علم النجوم، ويَتَعَصَّب للمجوس، وصنف كتابًا وذكر فيه أن القرن الثامن عشر من مولد محمد صلى الله عليه وسلم يوافق الألف العاشر، وهو نوبة المشتري والقوس، وقال عند ذلك يخرج إنسان يُعيد الدولة المجوسية، ويستولي على الأرض كلها، وزعم أنه يملك مدة سبع قرانات، وقالوا قد تحقق حُلم زرادشت وجاماسب في زوال ملك العجم إلى الروم واليونانية في أيام الإسكندر، ثم عاد إلى العجم بعد ثلاثمائة سنة، ثم زال بعد ذلك مُلْك العجم إلى العرب، وسيعود إلى العجم لتمام المدة التي ذكرها جاماسب، وقد وافق الوقت الذي ذكره أيام المكتفي والمقتدر، وأخْلَف الله موعودهم وما رجع المُلْك فيه إلى المجوس، وكانت القرامطة قبل هذا الميقات يتواعَدُون فيما بينهم ظهور المنتظر في القرن السابع في المثلثة النارية.

 

وخرج منهم سليمان بن الحسن من الأحساء على هذه الدعوى، وتعرَّض للحجيج، وأسرف في القتل منهم، ثم دخل مكة، وقتل من كان في الطواف، وأغار على أستار الكعبة، وطرح القتلى في بئر زمزم، وكسر عساكر كثيرة من عساكر المسلمين، وانهزم في بعض حروبه إلى هجر، فكتب للمسلمين قصيدة يقول فيها:

 

أَغَرَّكُمُ مِنِّي رُجُوعِي إِلَى هَجَرْ 
وَعَمَّا قَلِيلٍ سَوْفَ يَأْتِيكُمُ الخَبَرْ 
إِذَا طَلَعَ المَرِّيخُ فِي أَرْضِ بَابِلِ 
وَقَارَنَهُ النَّجْمَانِ فَالحَذَرَ الحَذَرْ 
أَلَسْتُ أَنَا المَذْكُورَ فِي الكُتْبِ كُلِّهَا 
أَلَسْتُ أَنَا المَبْعُوثَ فِي سُورَةِ الزُّمَرْ 
سَأَمْلِكُ أَهْلَ الأَرْضِ شَرْقًا وَمَغْرِبًا 
إِلَى قَيْرَوَانِ الرُّومِ وَالتُّرْكِ وَالخَزَرْ 

 

وأراد بالنجمين زُحل والمشتري، وقد وجد هذا القران في سني ظهوره، ولم يملك من الأرض شيئًا غير بلدته التي خرج منها، وطمع في أن يملك سبع قرانات، وما ملك سبع سنين، بل قتل "بهيت"، رمته امرأة من سَطْحها بلبنة على رأسه فدمغته، وقتيل النساء أخس قتيل، وأهْون فقيد.

 

وفي آخر سنة ألف ومائتين وأربعين للإسكندر، تمَّ من تاريخ زرادشت ألفٌ وخمسمائة سنة، وما عاد فيها ملك الأرض إلى المجوس، بل اتَّسَع بعدها نطاق الإسلام في الأرض، وفتح الله - تعالى - للمسلمين بعدها بلاد بلاساغون، وأرض التبت، وأكثر نواحي الصين، ثم فتح لهم بعدها جميع أرض الهند من لمفات إلى قنوج، وصارتْ أرض الهند إلى سيترسيقا، بحرها من رقعة الإسلام في أيام أمين الدولة أمين الملة محمود بن سبكتكين - رحمه الله - وفي هذا رغمُ أنوف الباطنية والمجوس الجاماسبية الذين حكموا بعَوْد الملك إليهم، فذاقوا وبال أمرهم، وكان عاقبة أمانيهم بُورًا - بحمْد الله ومنِّه.

 

ثم إن الباطنية خرج منهم عُبَيْدالله بن الحسين بناحية القيروان، وخدع قومًا من كتامة، وقومًا من المصامدة، وشِرْذمة من أغنام بربر بحيل ونيرنجات، أظهرها لهم كرؤية الخيالات بالليل من خلف الرداء والإزار، وظن الأغمار أنها مُعجزة له، فتبعوه لأجلها على بدْعته، فاستولى بعضُهم على بلاد المغرب، ثم خرج المعروف منهم بأبي سعيد الحسن بن بهرام على أهل الأحساء، والقطيف، والبحرين، فأتى بأتباعه على أعدائه، وسبى نساءهم وذراريهم، وأحرق المصاحف والمساجد، ثم استولى على هجَر، وقتل رجالها، واستعبد ذراريهم ونساءهم، ثم ظهر المعروف منهم بالصناديقي باليمن، وقتل الكثير من أهلها، حتى قتل الأطفال والنساء، وانضم إليه المعروف منهم بابن الفضل في أتباعه، ثم إن الله - تعالى - سلَّط عليهما وعلى أتباعهما الأكلة والطاعون فماتوا بهما.

 

ثم خرج بالشام حفيد لميمون بن ديصان، يقال له: أبو القاسم بن مهرويه، وقال لمن تبعهما: هذا وقت ملكنا، وكان ذلك سنة تسع وثمانين ومائتين، فقصدهم سبك صاحب المعتضد، فقتلوا سبكًا في الحرب، ودخلوا مدينة الرصافة، وأحرقوا مسجدها الجامع، وقصدوا بعد ذلك دمشق، فاستقبلهم الحمامي غلام بن طيلون، وهزمهم إلى الرقة، فخرج إليهم محمد بن سليمان كاتب المكتفي في جند من أجناد المكتفي، فهزمهم وقتل منهم الألوف، فانهزم الحسن بن زكريا بن مهرويه إلى الرملة، فقبض عليه والي الرملة، فبعث به وبجماعة من أتباعه إلى المكتفي، فقتلهم ببغداد في الشارع بأشد العذاب.

 

ثم انقطعت بقتلهم شوكة القرامطة إلى سنة عشر وثلاثمائة، وظهر بعدها فتنة سليمان بن الحسن في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، فإنه كبس البصرة، وقتل أميرها سبكًا المفلحي، ونقل أموال البصرة إلى البحرين.

 

وفي سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة، وقع الحجيج في نهب لعشر بقين من المحرم، وقتل أكثر الحجيج، وسبى الحرم والذراري، ثم دخل الكوفة في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، فقتل الناس وانتهب الأموال.

 

وفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة، حارب ابن أبي الساج وأسره، وهزم أصحابه.

 

وفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، دخل مكة، وقتل من وجده في الطواف، وقيل: إنه قتل بها ثلاثة آلاف وأخرج منها سبعمائة بكر، واقتلع الحجر الأسود، وحمله إلى البحرين، ثم رد منها إلى الكوفة، ورد بعد ذلك من الكوفة إلى مكة على يد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري، في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وقصد سليمان بن الحسن بغداد في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة.

 

فلما ورد هيت رَمَته امرأة من سطحها بلبنة فقتلته، وانقطعت بعد ذلك شوكة القرامطة، وصاروا بعد قتل سليمان بن الحسن متصدِّين للحجيج من الكوفة والبصرة إلى مكة حُفاة؛ ليضمن لهم مال إلى أن غلبهم الأصفر العقيلي على بعض ديارهم.

 

وكانتْ ولاية مصر وأعمالها للإخشيدية، وانْضَمَّ بعضهم إلى ابن عبيدالله الباطني، الذي كان قد استولى على قيروان، ودخلوا مصر في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وابتنوا بها مدينة سَمَّوْها القاهرة، يسكنها أهل بدعته، وأهل مصر ثابتون على السُّنة إلى يومنا، وإن أطاعوا صاحب القاهرة في أداء خراجهم إليه.

 

وكان أبو شجاع فنا خسرو بن بويه قد تأهب لقَصْد مصر، وانتزاعها من أيدي الباطنية، وكتب على أعلامه بالسواد: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، والطائع لله أمير المؤمنين، ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، وقال قصيدة أولها:

 

أَمَا تَرَى الأَقْدَارَ لِي طَوَائِعَا 
قَوَاضِبًا بِالعِيَانِ كَالخَبَرْ 
وَيَشْهَدُ الأَنَامُ لِي بِأَنَّنِي 
ذَاكَ الَّذِي يُرْجَى وَذَاكَ المُنْتَظَرْ 
لنُصْرَةِ الإِسْلاَمِ وَالدَّاعِي إِلَى 
خَلِيفَةِ اللهِ الإِمَامِ المُفْتَخَرْ 

 

 

 فلما خرج إلى مضاربه للخروج إلى مصر، غافصه وفاجأه الأجلُ، فمضى لسبيله، فلما قضى فنا خسرو نَحْبه، طمع زعيمُ مصر في ملوك نواحي الشرق، فكاتبهم يدعوهم إلى البيعة له، فأجاب قابوس بن وشمكير عن كتابه بقوله: إني لا أذكرك إلا على المستراح، وأجابه ناصر الدولة أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور بأن كتب على ظهر كتابه إليه: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾... إلى آخر السورة، وأجابه نوح بن منصور والي خُراسان بقتل دعاته إلى بدْعته، ودخل في دعوته بعضُ ولاة الجرجانية من أرض خوارزم، فكان دخوله في دينه شُؤمًا عليه في ذهاب ملكه، وقتل أصحابه، ثم استولى يمين الدولة وأمير الملة محمود بن سُبُكتكين على أرضهم، وقتل من كان بها من دعاة الباطنية، وكان أبو علي بن سيمجور قد وافقهم في السر فذاق وبال أمره بعد ذلك، وقبض عليه والي خراسان نوح بن منصور، وبعث به إلى سبكتكين، فقتل بناحية غَزْنة.

 

وكان أبو القاسم الحسن بن علي الملقَّب بدانشمند داعية أبي علي سيمجور إلى مذهب الباطنية، وظفر به بكتوزون صاحب جيش السامانية بنيسابور فقتله، ودفن في مكان لا يُعْرف.

 

وكان أميرك الطوسي والي ناحية التاروذية قد دخل في دعوة الباطنية، فأُسر وحُمل إلى غَزْنة وقتل بها في الليلة التي قتل فيها أبو علي بن سيمجور، وكان أهل مولتان من أرض الهند داخلين في دعوة الباطنية، فقصدهم محمود - رحمه الله - في عسكره، وقتل منهم الألوف، وقطع أيدي ألف منهم، وباد بذلك نُصرَاء الباطنية من تلك الناحية، ومن هذا بان شؤم الباطنية على منتحليها، فليعتبر بذلك المعتبرون.

 

وقد اختلف المتكلمون في بيان أغراض الباطنية في دعوتها إلى بدعتها، فذهب أكثرهم إلى أن غرض الباطنية الدعوة إلى دين المجوس بالتأويلات التي يتأولون عليها القرآن والسنة، واستدلوا على ذلك بأن زعيمهم الأول ميمون بن ديصان كان مجوسيًّا من سبي الأهواز، ودعا ابنه عُبيدالله بن ميمون الناسَ إلى دين أبيه، واستدلوا أيضًا بأن داعيهم المعروف بالبزدوي قال في كتابه المعروف بـ"المحصول": إن المُبْدِع الأول أبدع النفس، ثم إن الأول والثاني مدبران للعالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأربع، وهذا في التحقيق معنى قول المجوس: إن يَزْدَان خلق أهرمن، وإنه مع أهرمن مدبِّران للعالم، غير أن يزدان فاعل الخيرات، وأهرمن فاعل الشرور.

 

ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئين الذين هم بحرَّان، واستدل على ذلك بأن حمدان قرمط داعية الباطنية بعد ميمون بن ديصان كان من الصابئة الحرانية، واستدل أيضًا بأن صابئة حران يكتمون أديانهم ولا يظهرونها إلا لمن كان معهم، والباطنية أيضًا لا يظهرون دينهم إلا لمن كان منهم بعد إحلافهم إياه على ألا يذكر أسرارهم لغيرهم.

 

قال عبدالقاهر: الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة، يقولون بقِدَم العالم، ويُنكرون الرسل والشرائع كلها لميلها إلى استباحة كل ما يميل إليه الطبع.

 

والدليل على أنهم كما ذكرناه ما قرأته في كتابهم المترجم: "السياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأعظم"، وهي رسالة عبيدالله بن الحسن القيرواني إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي، أوصاه فيها بأن قال له:

 ادع الناس بأن تتقرَّب إليهم بما يميلون إليه، وأوهم كل واحد منهم بأنك منهم، فمن آنست منه رشدًا فاكشف له الغطاء، وإذا ظفرت بالفلسفي، فاحتفظ به، فعلى الفلاسفة معولنا، وإنا وإياهم مجمعون على ردِّ نواميس الأنبياء، وعلى القول بقدَم العالم لولا ما يخالفنا فيه بعضهم من أن للعالم مدبرًا لا نعرفه.

 

وذكر في هذا الكتاب إبطال القول بالمعاد والعقاب، وذكر فيها أن الجنة نعيم الدنيا، وأن العذاب إنما هو اشتغال أصحاب الشرائع بالصلاة والصيام والحج والجهاد.

 

وقال أيضًا في هذه الرسالة: إن أهل الشرائع يعبدون إلهًا لا يعرفونه، ولا يحصلون منه إلا على اسم بلا جسم.

 

وقال فيها أيضًا: أَكْرِمِ الدهرية فإنهم منَّا ونحن منهم، وفي هذا تحقيق نسبة الباطنية إلى الدهرية، والذي يؤكد هذا أن المجوس يدَّعون نبوة زرادشت ونزول الوحي عليه من الله - تعالى - وأن الصابئين يدعون نبوة هرمس، وواليس، وذروثيوس، وأفلاطن، وجماعة من الفلاسفة، وسائر أصحاب الشرائع، كل صنف منهم مُقرُّون بنزول الوحي من السماء على الذين أقروا بنبوتهم، ويقولون: إنَّ ذلك الوحي شامل للأمر والنهي والخبر عن عاقبة بعد الموت، وعن ثواب وعقاب، وجنة ونار، يكون فيها الجزاء عن الأعمال السالفة.

 

والباطنية يرفضون المعجزات، وينكرون نزول الملائكة من السماء بالوحي والأمر والنهي، بل ينكرون أن يكون في السماء ملَك، وإنما يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، ويتأولون الشياطين على مخالفيهم، والأبالسة على مخالفيهم.

 

ويزعمون أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة، فساسوا العامة بالنواميس والحيل؛ طلبًا للزعامة بدعوى النبوة والإمامة، وكل واحد منهم صاحب دور مسبع، إذا انقضى دور سبعه تبعهم في دور آخر، وإذا ذكروا النبي والوحي قالوا: إن النبي هو الناطق، والوحي أساسه الفاتق، وإلى الفاتق تأويل نطق الناطق على ما تراه يميل إليه هواه، فمن صار إلى تأويله الباطن فهو من الملائكة البررة، ومن عمل بالظاهر فهو من الشياطين الكفرة.

 

ثم تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلاً يورث تضليلاً، فزعموا أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته وإدمان خدمته، والمراد بالصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام دون الإمساك عن الطعام، والزنَى عندهم إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق.

 

وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99]، وحملوا اليقين على معرفة التأويل.

 

وقد قال القيرواني في رسالته إلى سليمان بن الحسن: إني أوصيك بتشكيك الناس في القرآن والتوراة والزبور والإنجيل، وبدعواتهم إلى إبطال الشرائع، وإلى إبطال المعاد والنشور من القبور، وإبطال الملائكة في السماء، وإبطال الجن في الأرض، وأوصيك بأن تدعوهم إلى القول بأنه كان قبل آدم بشَر كثير، فإن ذلك عَوْن لك على القول بقِدَم العالم.

 

وفي هذا تحقيق دعوانا على الباطنية أنهم دهرية، يقولون بقدَم العالم، ويجحدون الصانع، ويدل على دعوانا عليهم القول بإبطال الشرائع: أن القيرواني قال أيضًا في رسالته إلى سليمان بن الحسن: وينبغي أن تحيط علمًا بمخاريق الأنبياء، ومناقضاتهم في أقوالهم، كعيسى بن مريم قال لليهود: لا أرفع شريعة موسى، ثم رفعها بتحريم الأحد بدلاً من السبت، وأباح العمل في السبت، وأبدل قبلة موسى بخلاف جهتها، ولهذا قتلَتْه اليهود لما اختلفت كلمته.

 

ثم قال له: ولا تكنْ كصاحب الأمة المنكوسة حين سألوه عن الروح، قال: الرُّوح من أمر ربي، لما لم يعلم الجواب، ولم يحضره جواب المسألة، ولا تكن كموسى في دعواه التي لم يكن له عليها برهان سوى المخرقة بحسن الحيلة والشعبذة، ولما لم يجد المحقق في زمانه عنده برهانًا؛ قال: ﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي ﴾ [الشعراء: 29]، وقال لقومه: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]؛ لأنه كان صاحب الزمان في وقته.

 

ثم قال في آخر رسالته: وما العجب من شيء كالعجب من رجل يدَّعي العقل، ثم يكون له أخت أو بنت حسناء، وليست له زوجة في حسنها، فيحرمها على نفسه، وينكحها من أجنبي، ولو عقل الجاهل لعلم أنه أحق بأخته وبنته من الأجنبي، وما وجه ذلك إلا أن صاحبهم حرَّم عليهم الطيبات، وخوفهم بغائب لا يعقل، وهو الإله الذي يزعمونه، وأخبرهم بكون ما لا يرونه أبدًا؛ من البعث من القبور والحساب، والجنة والنار، حتى استعبدهم بذلك عاجلاً، وجعلهم له في حياته ولذريته بعد وفاته خولاً، واستباح بذلك أموالهم بقوله: ﴿ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ [الشورى: 23]، فكان أمره معهم نقدًا، وأمرهم معه نسيئة، وقد استعجل منهم بذل أرواحهم وأموالهم على انتظار موعود لا يكون، وهل الجنة إلا هذه الدنيا ونعيمها؟ وهل النار وعذابها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنصب في الصلاة والصيام والجهاد والحج؟

  

 ثم قال لسليمان بن الحسن في هذه الرسالة: وأنت وإخوانك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس، وفي هذه الدنيا ورثتم نعيمها ولذاتها المحرَّمة على الجاهلين المتمسكين بشرائع أصحاب النواميس، فهنيئًا لكم ما نِلْتم من الراحة عن أمرهم، وفي هذا الذي ذكرناه دلالة على أن غرَض الباطنية القول بمذاهب الدهرية، واستباحة المحرمات، وترك العبادات.

 

ثم إن الباطنية لهم في اصطياد الأغتام، ودعوتهم إلى بدعتهم حيل على مراتب؛ سموها: التفرس، والتأنيس، والتشكيك، والتعليق، والربط، والتدليس، والتأسيس، والمواثيق بالأَيْمان والعهود، وآخرها الخلع والسلخ.

 

فأما التفرُّس فإنهم قالوا: إن من شَرْط الداعي إلى بدعتهم أن يكون قويًّا على التلبيس، وعارفًا بوجوه تأويل الظواهر ليردها إلى الباطن، ويكون مع ذلك مميزًا بين من يطمع فيه وفي إغوائه، وبين من لا مطمع فيه.

 

ولهذا قالوا في وصاياهم للدعاة إلى بدعتهم: لا تتكلموا في بيت فيه سراج، يعنون بالسراج من يعرف علم الكلام، ووجوه النظر والمقاييس، وقالوا أيضًا لدعاتهم: لا تطرحوا بذركم في أرض سبخة، وأرادوا بذلك منع دعاتهم عن إظهار بدعتهم عند من لا تؤثر فيهم بدعتهم، كما لا يؤثر البذر في الأرض السبخة شيئًا، وسموا قلوب أتباعهم الأغتام أرضًا زاكية؛ لأنها تقبل بدعتهم، وهذا المثل بالعكس أولى، وذلك أن القلوب الزاكية هي القابلة للدين القويم، والصراط المستقيم، وهي التي لا تصدأ بِشُبَه أهل الضلال، كالذهب الإبريز الذي لا يصدأ في الماء، ولا يبلى في التراب، ولا ينقص في النار، والأرض السبخة كقلوب الباطنية، وسائر الزنادقة، الذين لا يزجرهم عقل، ولا يردهم شرع، فهم أرجاس أنجاس، أموات غير أحياء: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 44]، قد قسم لهم الحظ في الرزق من قسم رزق الخنازير في مراعيها، وأباح طعمة العنب في براريها؛ ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23].

 

وقالوا أيضًا: إن من شرط الداعي إلى مذهبهم أن يكون عارفًا بالوجوه التي تُدْعَى بها الأصناف، فليستْ دعوة الأصناف من وجه واحد، بل لكل صنف من الناس وجه يدعى منه إلى مذهب الباطن.

 

فمن راه الداعي مائلاً إلى العبادات حمله على الزهد والعبادة، ثم سأله عن معاني العبادات، وعِلل الفرائض، وشَكَّكه فيها، ومن رآه ذا مجون وخلاعة قال له: العبادة بلهٌ وحماقة، وإنما الفطنة في نيل اللذات، وتمثل له بقول الشاعر:

 

مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ هَمًّا 
وَفَازَ بِاللَّذَّةِ الجَسُورِ 

 

  

ومَن رآه شاكًّا في دينه أو في المعاد والثواب والعقاب، صرَح له بنفي ذلك، وحمله على استباحة المحرَّمات، واستروح معه إلى قول الشاعر الماجن:

 

أَأَتْرُكُ لَذَّةَ الصَّهْبَاءِ صِرْفًا 
لِمَا وَعَدُوهُ مِنْ لَحْمٍ وَخَمْرٍ 
حَيَاةٌ ثُمَّ مَوْتٌ ثُمَّ نَشْرٌ 
حَدِيثُ خُرَافَةٍ يَا أُمَّ عَمْرِو 

 

ومن رآه مِن غلاة الرافضة - كالسبئية، والبيانية، والمغيرية، والمنصورية، والخطابية - لم يحتج معه إلى تأويل الآيات والأخبار؛ لأنهم يتأولونها معهم على وفق ضلالتهم.

 

ومن رآه من الرافضة زيديًّا أو إماميًّا، أو مائلاً إلى الطعْن في أخبار الصحابة، دخل عليه من جهة شتم الصحابة، وزين له بُغْض بني تَيْم؛ لأن أبا بكر منهم، وبُعض بني عدي؛ لأن عمر بن الخطاب كان منهم، وحثه على بُغض بني أمية؛ لأنه كان منهم عثمان ومعاوية، وربما استروح الباطني في عصرنا هذا إلى قول إسماعيل بن عباد:

 

دُخُولُ النَّارِ فِي حُبِّ الوَصِيِّ 
وفي تَفْضِيلِ أَوْلاَدِ النَّبِيِّ 
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَنَّاتِ عَدْنٍ 
أُخَلِّدُهَا بِتَيْمٍ أَوْ عَدِيِّ 

 

قال عبدالقاهر: قد أجبنا هذا القائل بقولنا فيه:

 

أَتَطْمَعُ أَنْتَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ 
وأَنْتَ عَدُوُّ تَيْمٍ أَوْ عَدِيِّ 
وَهُمْ تَرَكُوكَ أَشْقَى مِنْ ثَمُودٍ 
وَهُمْ تَرَكُوكَ أَفْضَحَ مِنْ دَعِيِّ 
وَفِي نَارِ الجَحِيمِ غَدًا سَتَصْلَى 
إِذَا عَادَاكَ صِدِّيقُ النَّبِيِّ 

 

ومَن رآه الداعي مائلاً إلى أبي بكر وعمر مَدَحهما عنده، وقال: لهما حظ في تأويل الشريعة، ولهذا استصحب النبيُّ أبا بكر إلى الغار، ثم إلى المدينة، وأفضى إليه في الغار تأويل شريعته، فإذا سأله الموالي لأبي بكر وعمر عن التأويل المذكور لأبي بكر وعمر، أخذ عليه العهود والمواثيق في كتمان ما يظهره له، ثم ذكر له على التدْريج بعضَ التأويلات، فإن قبلها منه أظهر الباقي، وإن لم يقبل منه التأويل الأول ربطه في الباقي وكتمه عنه، وشك الغرُّ من أجل ذلك في أركان الشريعة.

 

والذين يروج عليهم مذهبُ الباطنية أصناف:

أحدها: العامة الذين قلَّتْ بصائرهم بأصول العلم والنظر؛ كالنبط، والأكراد، وأولاد المجوس.

 

والصنف الثاني: الشعوبية، الذين يرَوْن تفضيل العجم على العرب، ويتمنون عَوْد الملك إلى العجم.

 

والصنف الثالث: أغنام بني ربيعة، من أجل غيظهم على مُضَر لخروج النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ولهذا قال عبدالله بن حازم السلمي في خطبته بخراسان: إن ربيعة لم تزل غضابًا على الله مُذ بعث نبيه من مُضر، ومن أجل حسَد ربيعة لمضر بايعت بنو حنيفة مسيلمة الكذاب؛ طمَعًا في أن يكون في بني ربيعة نبي، كما كان في مضر نبي، فإذا استأنس الأعجميُّ الغر، أو الربعي الحاسد المبغض يقول الباطني له: قومك أحقُّ بالملك من مضر، فيسأله عن السبب في عَوْد الملك إلى قومه، فإذا سأله عن ذلك قال له: إن الشريعة المضرية لها نهاية، وقد دنا انقضاؤها، وبعد انقضائها يعود الملك إليكم، ثم ذكر له تأويل إنكار شريعة الإسلام على التدريج، فإذا قَبِل ذلك منه صار ملحدًا صريحًا، واستثقل العبادات، واستطاب استحلال المحرمات، فهذا بيان درجه التفرُّس منهم.

 

ودرجة التأنيس قريبة من درجة التفرس عندهم، وهي: تزيين ما عليه الإنسان من مذهبه في عينه، ثم سؤاله بعد ذلك عن تأويل ما هو عليه، وتشكيكه إياه في أصول دينه، فإذا سأله المدعوُّ عن ذلك، قال: عِلْم ذلك عند الإمام، ووصل بذلك منه إلى درجة التشكيك، حتى صار المدعو إلى اعتقاد أن المراد بالظواهر والسنن غير مقتضاها في اللغة، وهان عليه بذلك ارتكاب المحظورات، وترْك العبادات.

 

والرَّبْط عندهم: تعليق نفس المدعو بطلَب تأويل أركان الشريعة، فإما أن يقبل منهم تأويلها على وجه يؤول إلى رفعها، وإما أن يبقى على الشك والحيرة فيها.

 

ودرجة التدليس منهم قولهم للغر الجاهل بأصول النظر والاستدلال: إن الظواهر عذاب، وباطنها فيه الرحمة، وذكر له قوله في القرآن: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ [الحديد: 13]، فإذا سألهم الغرُّ عن تأويل باطن الباب قالوا: جرتْ سنة الله - تعالى - في أخذ العهد والميثاق على رسله، ولذلك قال: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب: 7]، وذكروا له قوله: ﴿ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: 91]، فإذا حلف الغر لهم بالأَيْمان المغلَّظة وبالطلاق والعتق وتسبيل الأموال، فقد رَبَطُوه بها، وذكروا له من تأويل الظواهر ما يؤدِّي إلى رفعها بزعمهم، فإن قَبِل الأحمقُ ذلك منهم دخل في دين الزنادقة باطنًا، واستتر بالإسلام ظاهرًا.

 

وإن نفر الحالف عن اعتقاد تأويلات الباطنية الزنادقة، كتَمَها عليهم؛ لأنه حلف لهم على كتمان ما أظهروه له من أسرارهم، وإذا قبلها منهم فقد حلفوه وسلخوه عن دين الإسلام، وقالوا حينئذٍ: إن الظاهر كالقشر، والباطن كاللب، واللب خير من القشْر.

 

قال عبدالقاهر: حكى لي بعضُ مَن كان دخل في دعوة الباطنية، ثم وفَّقه الله - تعالى - لرُشْده، وهداه إلى حل أيمانهم، أنهم لما وثِقُوا منه بأيمانه، قالوا له: إن المسلمين بالأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وكل من ادعى النبوة كانوا أصحاب نواميس ومخاريق أحبوا الزعامة على العامة، فخدعوهم بنيرنجات، واستعبدوهم بشرائعهم.

 

قال هذا الحاكي لي: ثم ناقض الذي كشف لي هذا السر، بأن قال له: ينبغي أن تعلم أن محمد بن إسماعيل بن جعفر هو الذي نادى موسى بن عمران من الشجرة، فقال له: ﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ [طه: 12]، قال فقلت: سخنت عينك تدعوني إلى الكفر بالرب القديم الخالق للعالم، ثم تدعوني مع ذلك إلى الإقرار بربوبية إنسان مخلوق، وتزعم أنه كان قبل ولادته إلهًا مرسلاً لموسى؟ فإن كان موسى عندك ممخرقًا، فالذي زعمتَ أنه أرسله أكذب، فقال لي: إنك لا تفلح أبدًا، وندم على إفشاء أسراره إليَّ، وتبْتُ مِن بدعتهم؛ فهذا بيانُ وجه حيلهم على أتباعهم.

 

وأما أَيمانهم، فإن داعيَهُم يقول للحالف: جعلتَ على نفسك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله، وما أخذ الله - تعالى - على النبيين من عهدٍ وميثاقٍ أنك تستر ما تسمعه مني، وما تعلمه مِن أمري، ومن أمر الإمام الذي هو صاحبُ زمانك، وأمر أشياعه وأتباعه في هذا البلد وفي سائر البلدان، وأمر المطيعين له من الذكور والإناث، فلا تظهر من ذلك قليلاً ولا كثيرًا، ولا تظهر شيئًا يدلُّ عليه من كتابة أو إشارة، إلا ما أذنَ لك فيه الإمامُ صاحب الزمان، أو أذن لك في إظهار المأذونُ له في دعوته، فتعمل في ذلك حينئذٍ بمقدار ما يؤذن لك فيه، وقد جعلت على نفسك الوفاء بذلك، وألزمته نفسك في حالتي الرضا والغضب، والرغبة والرهبة، قال: نعم، فإذا قال: نعم، قال له: وجعلت على نفسك أن تمنعني وجميعَ من أسميه لك مما تمنع منه نفسك بعهد الله وميثاقه عليك وذمته وذمة رُسُله، وتَنْصحهم نُصحًا ظاهرًا وباطنًا، وألاَّ تخون الإمام وأولياءه، وأهل دعوته في أنفسهم ولا في أموالهم، وأنك لا تتأوَّل في هذه الأيمان تأويلاً لا تعتقد ما يحلها، وأنك إن فعلتَ شيئًا من ذلك فأنت بريءٌ من الله ورسله وملائكته، ومِن جميع ما أنزل الله - تعالى - من كتبه، وأنك إن خالفت في شيء مما ذكرناه لك، فلله عليك أن تحج إلى بيته مائة حجة ماشيًا نذرًا واجبًا، وكل ما تملكه في الوقت الذي أنت فيه صدقة على الفقراء والمساكين، وكل مملوك يكون في ملكك يوم تخالف فيه أو بعده يكون حرًّا، وكل امرأة لك الآن أو يوم مخالفتك أو تتزوجها بعد ذلك، تكون طالقًا منك ثلاث طلقات، والله - تعالى - الشاهدُ على نيتك، وعقد ضميرك فيما حلفت فيه، فإذا قال: نعم، قال له: كفى بالله شهيدًا بيننا وبينك، فإذا حلف لغِرُّ بهذه الأيمان ظنَّ أنه لا يمكن حلها، ولم يعلم الغِرُّ أنه ليس لأيمانه عندهم مقدار ولا حُرمة، وأنهم لا يرون فيها ولا في حلها إثمًا ولا كفارة، ولا عارًا ولا عقابًا في الآخرة.

 

وكيف يكون لليمين بالله وبكتبه ورسله عندهم حرمة، وهم لا يقرُّون بإله قديم، بل لا يُقِرُّون بحدُوث العالم، ولا يُثبتون كتابًا منَزَّلاً من السماء، ولا رسولاً ينزل عليه الوحْيُ من السماء؟! وكيف يكون لأيمان المسلمين عندهم حرمة، ومن دينهم أن الله الرحمن الرحيم إنما هو زعيمهم الذي يدعون إليه؟! ومَن مال منهم إلى دين المجوس زعم أن الإله نور بإزائه شيطان قد غلبه ونازعه في ملكه، وكيف يكون لنذر الحج والعمرة عندهم مقدار، وهم لا يَرَوْن للكعبة مقدارًا، ويسخرون بمن يحج ويعتمر؟! وكيف يكون للطائف عندهم حرمة، وهم يستحلون كل امرأة تَتَزَوَّج من غير عقد؟! فهذا بيان حكم الأيمان عندهم.

 

فأما حكم الأَيْمان عند المسلمين، فإنا نقول: كل يمين يحلف بها الحالفُ ابتداء بطَوْع نفسه فهو على نِيَّته، وكل يمين يحلف بها عند قاضٍ أو سلطان يحلِّفه؛ لينظر فيها، فإن كانتْ يمينًا في دعوى لمدع شيئًا على الحالف المنكر، وكان المدعي ظالمًا للمدعى عليه، فيمين الحالف على نيته، وإنْ كان المدعي محقًّا، والمنكر ظالمًا للمدعي، فيمين المنكر على نية القاضي أو السلطان الذي أحلفه، ويكون الحالفُ حانثًا في يمينه.

 

وإذا صحَّتْ هذه المقدمة، فالباحث عن دين الباطنية إذا قصَد إظهار بدعتهم للناس، أو أراد النَّقْض عليهم، فهو معْذُور في يمينه، وتكون يمينه على نيته، فإذا استثنى بقلبه مشيئة الله - تعالى - فيها لم ينعقد عليه أَيْمَانه، ولم يحنث فيها بإظهاره أسرارَ الباطنية للناس، ولم تطلق نساؤُه، ولا تعتق مماليكه، ولا تلزمه صدقة بذلك، وليس زعيم الباطنية عند المسلمين إمامًا، ومن أظهر سره لم يظهر سر إمام، وإنما أظهر سر كافر زنديق، وقد جاء في ذكر الحديث المأثور: ((اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس))، فهذا بيان حيلتهم على الأغمار بالأيمان.

 

فأما احتيالهم على الأغمار بالتشكيك، فمِن جهة أنهم يسألونهم عن مسائل من أحكام الشريعة، يوهمونهم فيها خلاف معانيها الظاهرة، وربما سألوهم عن مسائل في المحسوسات يوهمون أن فيها علومًا لا يُحيط بها إلا زعيمهم، فمِن مسائلهم قول الداعي منهم للغِر: لم صار للإنسان إذنان ولسان واحد؟ ولِمَ صار للرجل ذَكَر واحد وخصيتان؟ ولم صارت الأعصاب متَّصلة بالدماغ، والأوردة متصلة بالكبِد، والشرايين متصلة بالقلب؟ ولِمَ صار الإنسانُ مخصوصًا بنبات الشعر على جفنيه الأعلى والأسفل، وسائر الحيوانات ينبت الشعر على جفنه الأعلى دون الأسفل؟ ولِمَ صَارَ ثدي الإنسان على صدره، وثدي البهائم على بطونها؟ ولماذا لم يكن للفرس غدد ولا كرش ولا كعب؟ وما الفرق بين الحيوان الذي يبيض ولا يلد، والذي يلد ولا يبيض؟ وبماذا يميز بين السمكة النهرية والسمكة البحرية؟ ونحو هذا كثير يوهمون أن العلم بذلك عند زعيمهم.

 

ومن مسائلهم في القرآن سؤالهم عن معاني حروف الهجاء في أوائل السور؛ كقوله: (الم)، و(حم)، و(طس)، و(يس)، و(طه)، و(كهيعص)، وربما قالوا: ما معنى كلِّ حرف من حروف الهجاء؟ ولِمَ صارت حروف الهجاء تسعة وعشرين حرفًا؟ ولم أعجم بعضها بالنقط وخلا بعضها من النقط؟ ولِمَ جازَ وصل بعضها بما بعدها بحرف؟ وربما قالوا للغر: ما معنى قوله: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 17]، ولم جعل الله - تعالى - أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة؟ وما معنى قوله: ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ [المدثر: 30]؟ وما فائدة هذا العدد؟ وربما سألوا عن آيات أوهموا فيها التناقُض، وزعموا أنه لا يعرف تأويلها إلا زعيمهم؛ كقوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ﴾ [الرحمن: 39]، مع قوله في موضع آخر: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِين ﴾ [الحجر: 92].

 

ومنها مسائلهم في أحكام الفقه؛ كقولهم: لم صارت صلاة الصبح ركعتين، والظهر أربعًا، والمغرب ثلاثًا؟ ولم صار في كل ركعة ركوع واحد وسجدتان؟ ولم كان الوضوء على أربعة، والتيمم على عضوين؟ ولم وجب الغُسْل منَ المنيِّ؟ وهو عند أكثر المسلمين طاهر، ولم يجب الغسل من البَوْل مع نجاسته عند الجميع؟ ولم أعادت الحائض ما تركت من الصيام، ولَمْ تعد ما تركت من الصلاة؟ ولم كانت العقوبة في السرقة بقطع اليد، وفي الزنى بالجلد؟ وهلا قُطِع الفرج الذي به زنى في الزنى، كما قطعت اليدُ التي بها سرق في السرقة؟ فإذا سمع الغر منهم هذه الأشياء، ورجع إليهم في تأويلها، قالوا له: علمها عند إمامنا، وعند المأذون له في كشْف أسرارنا، فإذا تقرر عند الغر أن إمامهم أو ما دونه هو العالم بتأويله، اعتقد أن المراد بظواهر القرآن والسنة غير ظاهرها، فأخرجوه بهذه الحيلة عن العمل بأحكام الشريعة، فإذا اعتاد ترك العبادة، واستحل المحرمات، كشفوا له القناع، وقالوا له: لو كان لنا إله قديم غني عن كل شيء، لم يكن له فائدة في ركوع العباد وسجودهم، ولا في طوافهم حول بيت من حجر، ولا في سعي بين جبلَيْن، فإذا قبل منهم ذلك، فقد انسلخ عن توحيد ربه، وصار جاحدًا له زنديقًا.

 

قال عبدالقاهر: والكلامُ عليهم في مسائلهم التي يسألون عنها عند قصدهم إلى تشكيك الأغمار في أصول الدين من وجهين:

أحدهما: أن يقال لهم: إنكم لا تخلون من أحد أمرين: إما أن تقرُّوا بحدوث العالم، وتثبتوا له صانعًا قديمًا، عالمًا حكيمًا، يكون له تكليف عباده ما شاء، كيف شاء، وإما أن تنكروا ذلك، وتقولوا بقِدَمِ العالم، ونفْي الصانع، فإن اعتقدتم قدمَ العالم، ونفْي الصانع، فلا معنى لقولكم: لِمَ فرض الله كذا؟ ولم حرم كذا؟ ولم خلق كذا؟ ولم جعل كذا على مقدار كذا؟ وإذا لم تقروا بأنه فرض شيئًا أو حرمه، أو خلق شيئًا أو قدره، ويصير الكلام بيننا وبينكم كالكلام بيننا وبين الدهرية في حدوث العالم، وإن أقررتم بحدوث العالم وتوحيد صانعه، وأجزتم له تكليف عباده ما شاء من الأعمال، كان جواز ذلك جوابًا لكم عن قولكم: لِمَ فرض، ولم حرم كذا، لإقراركم بجواز ذلك منه إن أقررتم به، وبجواز تكليفه، وكذلك سؤالهم عن خاصية المحسوسات يبطل إن أقروا بصانع أحدثها، وإن أنكروا الصانع فلا معنى لقولهم: لِمَ خلق الله ذلك؟ مع إنكارهم أن يكون لذلك صانع قديم.

 

والوجه الثاني من الكلام عليهم فيما سألوا عنه من عجائب خلْق الحيوان، أن يقال لهم: كيف يكون زعماء الباطنية مخصوصين بمعرفة علل ذلك، وقد ذكرته الأطباء والفلاسفة في كتبهم، وصنَّفَ أرسطاطاليس في طبائع الحيوان كتابًا؟ وما ذكرت الفلاسفة من هذا النوع شيئًا إلا مسروقًا من حكماء العرب الذين كانوا قبل زمان الفلاسفة من العرب القحطانية، والجرهمية، والطسمية، وسائر الأصناف الحميرية، وقد ذكر العرب في أشعارها وأمثالها جميع طبائع الحيوان، ولم يكن في زمانها باطني ولا زعيم للباطنية.

 

وقال أبو محمد بن حزم في كتابه: "الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل" ج2 ص114 -115:

وقد تسمَّى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق الإسلام على أنه ليس مسلمًا؛ مثل: طوائف من الخوارج غلوا، فقالوا: إن الصلاة ركعة بالغداة، وركعة بالعشي فقط، وآخرون استحلوا نكاح بنات البنين، وبنات البنات، وبنات بني الإخوة، وبنات بني الأخوات، وقالوا: إن سورة يوسف ليستْ من القرآن، وآخرون منهم قالوا: يُحَد الزاني والسارق، ثم يستتابون من الكفر، فإن تابوا وإلا قتلوا، وطوائف كانوا من المعتزلة ثم غلوا، فقالوا بتناسخ الأرواح، وآخرون منهم قالوا: إن شحم الخنزير ودماغه حلال، وطوائف من المرجئة قالوا: إن إبليس لم يسأل الله قط النظرة، ولا أقر بأن خلقه من نار، وخلق آدم من تراب، وآخرون قالوا: إن النبوة تكتسب بالعمل الأصلح، وآخرون كانوا من أهل السنة، فغلوا فقالوا: قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء ومن الملائكة - عليهم السلام - وإن مَن عرف الله حق معرفته، فقد سقطت عنهم الأعمال والشرائع، وقال بعضهم بحلول الباري - تعالى - في أجسام خلقه؛ كالحلاج وغيره.

 

وطوائف كانوا منَ الشيعة، ثم غلوا فقال بعضهم بإلهية علي بن أبي طالب - عليه السلام - والأئمة بعده، ومنهم مَن قال بنبوته وبتناسخ الأرواح، كالسيد الحميري الشاعر وغيره.

 

وقالت طائفة منهم بإلهية أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، وقالتْ طائفة بنبوة المغيرة بن أبي سعيد مولى بني بجلة، وبنبوة أبي منصور العجلي، وبزيع الحايك، وبيان بن سمعان التميمي وغيرهم.

 

وقال آخرون منهم برجعة علي إلى الدنيا، وامتنعوا من القول بظاهر القرآن، وقالوا: إن لظاهره تأويلات؛ فمنها أن قالوا: السماء محمد، والأرض أصحابه، وإن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة؛ إنها هي فلانة - يعني أم المؤمنين - رضي الله عنها - وقالوا: العدل والإحسان هو علي، والجبت والطاغوت فلان وفلان - يعنون أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما.

 

وقالوا: الصلاة هي دعاء الإمام، والزكاة هي ما يعطي الإمام، والحج القصد إلى الإمام، وفيهم خناقون ورضاخون، وكل هذه الفرق لا تتعلق بحجة أصلاً، وليس بأيديهم إلا دعوى الإلهام والقحة والمُجاهرة بالكذب، ولا يلتفتون إلى مناظرة، ويكفي من الرد عليهم أن يقال لهم: ما الفرق بينكم وبين مَن ادعى أنه ألهم بطلان قولكم؟ ولا سبيل إلى الانفكاك من هذا، وأيضًا فإن جميع فرق الإسلام متبرئة منهم، مكفرة لهم، مجمعون على أنهم على غير الإسلام - نعوذ بالله من الخذلان".

 

قال أبو محمد بن حزم:

والأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام: أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسهم؛ حتى إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى؛ ففي كل ذلك يظهر الله - سبحانه وتعالى - الحق، وكان من قائمتهم ستقادة وأستاسيس والمقنع وبابك وغيرهم، وقبل هؤلاء رام ذلك عمار الملقب بخداش وأبو مسلم السراج، فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشناع ظلْم علي رضي الله عنه ثم سلكوا بهم مسالك شتى، حتى أخرجوهم عن الإسلام، فقوم منهم أدخلوهم إلى القول بأن رجلاً ينتظر يدعى "المهدي" عنده حقيقة الدين؛ إذ لا يجوز أن يؤخذ الدين من هؤلاء الكفار، إذ نسبوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكفر.

 

وقوم خرجوا إلى نبوة من ادعوا له النبوة، وقوم سلكوا بهم المسلك الذي ذكرنا من القول بالحلول وسقوط الشرائع، وآخرون تلاعبوا فأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم وليلة، وآخرون قالوا: بل هي سبع عشرة صلاة في كل صلاة خمس عشرة ركعة، وهذا قول عبدالله بن عمرو بن الحارث الكندي قبل أن يصير خارجيًّا صفريًّا.

 

وقد سلك هذا المسلك أيضًا عبدالله بن سبأ الحميري اليهودي؛ فإنه - لعنه الله - أظهر الإسلام لكيد أهله، فهو كان أصل إثارة الناس على عثمان رضي الله عنه وأحرق علي بن أبي طالب رضي الله عنه منهم طوائف أعلنوا له بالألوهية.

 

ومن هذه الأصول الملعونة حدثت الإسماعيلية والقرامطة، وهما طائفتان مجاهرتان بترك الإسلام جملة، قائلتان بالمجوسية المحضة، ثم مذهب مزدك الموبذ الذي كان على عهد أنوشروان بن قيماز ملك الفرس، وكان يقول بوجوب تساوي الناس في النساء والأموال.

 

وقال الشيخ عبدالقاهر البغدادي:

"والصحيح عندنا أن اسم ملة الإسلام واقع على كل مَن أقر بحدوث العالم، وتوحيد صانعه وقدمه، وأنه عادل حكيم، مع نفي التشبيه والتعطيل عنه، وأقر - مع ذلك - بنبوة جميع أنبيائه، وبصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته إلى الكافة، وبتأييد شريعته، وبأن كل ما جاء به حق، وبأن القرآن منبع أحكام شريعته، وبوُجُوب الصلوات الخمس إلى الكعبة، وبوجوب الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت على الجملة.

 

فكل مَن أقَرَّ بذلك فهو داخل في أهل ملة الإسلام، وينظر فيه بعد ذلك: فإن لم يخلط إيمانه ببدعة شنعاء تؤدي إلى الكفر، فهو الموحد السني، وإن ضم إلى ذلك بدعة شنعاء نُظر: فإن كان على بدعة الباطنية، أو البيانية، أو المغيرية، أو المنصورية، أو الجناحية، أو السبئية، أو الخطابية من الرافضة، أو كان على دين الحلولية، أو على دين أصحاب التناسخ، أو على دين الميمونية، أو اليزيدية من الخوارج، أو على دين الخابطية، أو الحمارية من القدرية، أو كان ممن يحرم شيئًا مما نص القرآن على إباحته باسمه، أو أباح ما حرَّم القرآن باسمه، فليس هو من جملة أمة الإسلام.

 

وإن كانتْ بدعتُه من جنس بدع الرافضة والزيدية، أو الرافضة الإمامية، أو من بدع أكثر الخوارج، أو من جنس بدع المعتزلة، أو من جنس بدع النجارية، أو الجهمية، أو الضرَّاريّة، أو المجسمة من الأمة، كان من جملة أمة الإسلام في بعض الأحكام، وهو أن يدفن في مقابر المسلمين، ويدفع إليه سهمه من الغنيمة إنْ غزا مع المسلمين، ولا يمنع من دخول مساجد المسلمين، ومن الصلاة فيها، ويخرج في بعض الأحكام عن حكم أمة الإسلام، وذلك أنه لا تجوز الصلاة عليه، ولا الصلاة خلفه، ولا تحل ذبيحته، ولا تحل المرأة منهم للسني، ولا يصح نكاح السنية من أحدٍ منهم.

 

والفرق المنتسبة إلى الإسلام في الظاهر مع خروجها عن جملة الأمة عشرون فرقة هذه ترجمتها:

"سبئية، وبيانية، وحربية، ومغيرية، ومنصورية، وجناحية، وخطابية، وغرابية، ومفوضية، وحلولية، وأصحاب التناسخ، وخابطية، وحمارية، ومُقَنعية، ورزامية، ويزيدية، وميمونية، وباطنية، وحلاجية، وعذافرية، وأصحاب إباحة، وربما انشعبت الفرقة الواحدة من هذه الفرق أصنافًا كثيرة".