الديموقراطية حيلة ماسونية وجحر ضب أجنبي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله .. أما بعد:-

فمن الملاحظ أن كثيراً من الناس يحاولون اختزال جميع مشاكل الأمة و مصائبها المتنوعة في مشكلة واحدة فقط، ألا وهي استبداد الحكام واستئثارهم بالسلطة و المال، مما حدا بهم إلى إهمال الجوانب الأخرى وحصر اهتمامهم في هذه القضية دون النظر في أسبابها الحقيقية، و بالتالي عموا عن الطرق الناجعة لعلاجها والتي أرشدنا إليها الشرع المطهر.

وهم في ذلك متأثرون شعروا أو لم يشعروا بالمناهج الغربية المادية اللادينية التي شخصت مشاكلها القديمة بهذا التشخيص و وضعت لها حلولا لم تنطلق من معطيات الوحي المنزل، و لا من التفكير العقلي المتجرد، وإنما كانت ، كما هو معروف في تاريخ أوروبا، ردود أفعال متطرفة لما كان عليه واقعهم قبل الثورة الفرنسية و ما تلاها من ثورات، حيث كان ملوكهم يستبدون بالسلطة و المال ويظلمون الناس ظلماً عظيماً بمساعدة الطبقة الأرستقراطية المترفة من جهة، و الكنيسة الكاثوليكية الفاسدة من جهة أخرى.

لقد أدى ذلك الواقع الأليم إلى حدوث احتقان كبير في نفوس الشعوب الأوروبية آنذاك قاد إلى البحث عن المخرج من الظلم و الاستبداد فكان أن نشأت نظريات جديدة وفلسفات إلحادية وعلمانية لادينية بقيت حبيسة الكتب و المنتديات فترة من الزمن إلى أن ثار الأوروبيون على الظلم و الاستبداد في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وتمكنوا من القضاء على الحكم الملكي في فرنسا ثم في غيرها، وهاهنا فتح المجال للنظام السياسي الجديد الذي تبناه الثائرون ليحل محل النظام السابق، ألا وهو "النظام الديموقراطي" الذي رفع شعار الماسونية: "الحرية ، الإخاء، المساواة".

وبناء على هذا زالت كل الفوارق الطبقية و العرقية و الدينية بين الناس، وصار الولاء و البراء على حسب الانتماء الوطني، وهذا ما أراده اليهود الماسونيون الذين كانوا وراء هذه الثورات وشعاراتها، وذلك ليتخلصوا من الاضطهاد الذي كان مفروضاً عليهم قبل ذلك بسبب الكنيسة الكاثوليكية و رجال الدين النصارى، و الذي كان يضايقهم و يعوق كثيراً من حركتهم.

لقد نجح اليهود في الوصول لأهدافهم أو كثير منها عن طريق دعمهم لموسوعة ديدرو و غيرها من المؤلفات التي تطعن في الدين حيث كانوا يسخرون أموالهم و طاقاتهم في سبيل ذلك، وتمكنوا من إبعاد الجماهير الأوروبية عن الكنيسة و سيطرتها الروحية و الفكرية، مستغلين ظلمها و استبدادها و فسادها و دعمها للملوك الفاسدين.

وهذا ما يحاولون تكراره في بلاد المسلمين بنفس الخطوات تقريباً، فهم عن طريق عملائهم يحاولون تشويه صورة الإسلام و صورة علماء الإسلام مستغلين ظلم حكام المسلمين المدعوم بفتاوى بعض العلماء، وفي نفس الوقت يطعنون في نظام الحكم في الإسلام و يحاولون تلميع الديموقراطية وإظهارها في صورة المنقذ الذي يزعمون أنه سيخرج الأمة مما هي فيه من تخلف ورجعية على حد تعبيرهم.



وللأسف الشديد اغتر بهذا كثير من أبناء المسلمين، وعظمت المصيبة عندما بدأ بعض العلماء و الدعاة يسوغونها و يدعون إليها مدعين أنها مجرد آلية عصرية لتطبيق مبدأ الشورى التي يفرضها الإسلام، ناسين أو متناسين الفروق الجوهرية بينها و بين مبدأ الشورى الإسلامي الذي له ضوابطه المعروفة في الكتاب و السنة و التي لا تراعيها الديموقراطية بل تعتبرها منافية لأصولها!

وفي محاولة عجيبة لتمرير هذا المشروع دعوا إلى "ديموقراطية بمرجعية إسلامية"!! تلبيساً على العوران و العميان، فكيف تجتمع الديموقراطية التي تجعل الحكم للشعب بالإسلام الذي يجعل الحكم لله وحده؟!

إنك إما أن تأخذ بحكم الإسلام الذي هو حكم الله، وإما أن تأخذ بحكم الناس الذي هو حكم الجاهلية. أما أن تطالب بالأخذ بهما معاً فكأنك تقول: نريد حكم الجاهلية بمرجعية إسلامية، فهل يستقيم هذا؟!

وإذا كان حكم الإسلام يؤخذ من الكتاب و السنة وإجماع أهل العلم ثم بالاسترشاد باجتهاد العلماء المؤهلين للاجتهاد في النوازل ولا يعتبر فيه رأي الناس المخالف لذلك ولو كثروا، فكيف يجتمع هذا مع مبدأ يجعل رأي الأغلبية الجاهلة مقدماً على رأي العلماء المجتهدين؟!

والله لا يجتمعان حتى يعود اللبن في الضرع، و حتى يلج الجمل في سم الخياط.

إن الديموقراطية تتنافى مع المرجعية الإسلامية تنافياً تاماً، و الإسلام ليس بحاجة إلى حلول مستوردة من هنا وهناك، و العجيب أن واحداً ممن يدعو إلى الجمع بينهما قد كان له مؤلف قديم بعنوان : "الحلول المستوردة و كيف جنت على أمتنا" ! فنسأل الله الثبات و العافية.

وإنما أتي هؤلاء و غيرهم من ظنهم أنه لا بديل للديموقراطية إلا الاستبداد الذي عانى المسلمون و غيرهم من مغبته دهوراً، وقد كان كثير منهم يقرون بالاختلاف بين نظام الإسلام في الحكم و بين الديموقراطية إلا أنهم كانوا يزعمون أن الديموقراطية أقرب النظم إلى الإسلام، وهؤلاء كانوا يتكلمون من منطلق ضعف و كأنهم لما عجزوا عن تطبيق الإسلام كما هو رأوا أن الواقعية تفرض على المسلمين أن يقبلوا بأنصاف الحلول! وبعبارة أخرى : قبلوا بالمداهنة في دين الله { ودُّوا لو تُدهِنُ فَيُدْهنون }، و لاشك أن هذا مخالف لما أمر الله به رسوله و المؤمنين من اتباع الإسلام كله و عدم التخلي عن شيء منه أو التنازل كما قال تعالى : { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } فهؤلاء تركوا بعض ما أمرهم الله به ووقعوا فيما حذر الله منه ونهى عنه و لا حول و لا قوة إلا بالله.

وهاهنا يسأل كثير من الناس : ما البديل؟

والجواب أن البديل هو التمسك بالإسلام كما هو والمطالبة بتحكيم شريعة الله كما هي من غير زيادة و لا نقص و لا تحريف و لا تبديل، والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعوة إلى الله على بصيرة ومناصحة ولاة الأمور وقول الحق و لو كلفنا ذلك أرواحنا ودماءنا وأموالنا، فهذا من أعظم الجهاد كما ثبت في الأحاديث، وهو من الجهاد المأمور به شرعاً، فبعض الناس يتركون الجهاد المأمور به شرعاً و يسلكون طرقاً غير مشروعة يظنون أنها أحسن عاقبة من الطرق الشرعية و هذا من الضلال المبين و من إساءة الظن بالله و رسوله و بنصوص الكتاب و السنة و طريقة سلف الأمة وأئمتها ومن إحسان الظن بمن نهانا الله عن إحسان الظن بهم وأمرنا بالحذر منهم و مخالفة أهوائهم.

لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أئمة الجور وأمرنا بطاعتهم في المعروف و أن لا ننزع يداً من طاعة مالم نر كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، وأمرنا بالصبر على جورهم و لو استأثروا علينا بالدنيا ولو ضربوا ظهورنا وأخذوا أموالنا، بل و لو كانوا ولاة غير شرعيين (وإن تأمر عليكم عبد) ما داموا يقودوننا بكتاب الله، وما ذلك إلا لعلمه وهو المعصوم المؤيد بالوحي أن الفساد الحاصل بالخروج على ولاة الجور و منازعتهم الأمر أضعاف أضعاف الفساد الحاصل بالصبر على جورهم مع القيام بما أوجب الله علينا من الدعوة إلى الله و النصيحة و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أن الناس يتركون ما أمر الله به و يلجؤون إلى ما نهى الله عنه و يتبعون أهواءهم وما تمليه عليهم شياطين الإنس و الجن ويتبعون سنن من كان قبلهم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم، والله المستعان.