تألق السادة المالكية في مناظرة وإفحام الشيعة الجعفرية

د. زيد الشريف

تألق السادة المالكية في مناظرة وإفحام الشيعة الجعفرية

 

سأتحدث - بحول الله تعالى - في هذا المقال عن جهود السادة المالكية في مناظرة الشيعة؛ لأن التاريخَ سجَّل لنا أن الشيعة كانت لهم دولة في الشمال الإفريقي أسَّسوها سنة 297هـ في القيروان على يد عبيدالله الشيعي، بعد أن قَضَوْا على دولة الأغالبة، فبدؤوا ينشرون معتقدات التشيُّع بين الناس بكلِّ ما أوتوا من وسائل، وقد وصف لنا ابن عذارى المُرَّاكشي تلك الحالَ التي تم بها فرض العقيدة الشيعيَّة على البلاد السُّنِّيَّة كما هو الشأن في وقتنا المعاصر في العراق وسوريا، بحيث أمروا أن تُقلَع من المساجد والقصور والقناطر أسماءُ الذين بنوها، ويكتب عليها اسمه، وأظهر عبيدالله التشيُّعَ القبيح، وسبَّ أصحاب النبي عليه السلام وأزواجه، حاشا "علي بن أبي طالبٍ، والمِقْداد بن الأسود، وعمَّار بن ياسر، وسلمان الفارسي، وأبي ذرٍّ الغفاري" وزعم أن أصحاب النبي عليه السلام ارتدُّوا بعده غير هؤلاء الذين سميناهم، ومنع المروزي - قاضي القيروان - الفقهاءَ أن يُفتيَ أحدهم إلا بمذهبٍ زعم أنه مذهبُ جعفر بن محمد؛ البيان المغرب ج1ص159.

 

ولا شكَّ أن علماء القيروان المالكيَّة أبدوا رفضَهم لهذه المعتقدات، وصمدوا من أجل ذلك ودافعوا عن مذهب مالكٍ بقوة واستماتةٍ شديدتين؛ يقول الدباغ: فمنهم مَن مات، ومنهم مَن ضُرِب وسجن، ومع ذلك هم صابرون لا يفرُّون، ولو فرُّوا لكفَرَتِ العامَّة دَفْعةً واحدة؛ معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان؛ للدباغ ج2 ص: 197.

 

ولم تأتِ هذه المقاومة الشديدة للمالكيَّة ولأهل شمال إفريقية إلا من تعلُّقِهم الشديد والقديم بالمذهب المالكي السُّنيِّ، وكان ذلك سببًا في تثبيت السُّنَّة في هذه المنطقة، فالحمدُ لله تعالى على نِعمِه، وقد طُلب من بعض علماء المالكية الدخولُ في المذهب الجعفري الشيعي وأَخْذ البيعة، فرفضوا؛ أمثال أبي محمد عبدالله بن إسحاق المعروف بابن التبان المالكيِّ، الذي قال: "شيخٌ له ستون سنة يعرفُ حلالَ الله وحرامه، ويَردُّ على اثنتين وسبعين فرقةً، يقال له هذا؟! لو نشرت بين اثنين ما فارقتُ مذهبَ مالك"؛ ترتيب المدارك ج2 ص: 162.

 

ولن أطيلَ في الحديث عمَّا تعرَّض له علماء المالكية من اضطهاد بسبب التزامهم بالمذهب المالكي السُّنِّي، ومدى بشاعة ما ألحقه الشيعةُ بالمسلمين السنّة في بلاد الغرب الإسلامي، ولكن الذي يهمُّني من هذا المقال هو تسليطُ الضوء على الجانب الحواري التناظري الذي بزغ فيه علماءُ المالكية، وأفحموا الشيعةَ، وقضوا على شُبَههم بالحجة والبرهان، فهو جانب يَزخَرُ بكثير من المواقف السنية التي يجب علينا أن نستفيدَ منها في مُحَاجَجَة الشيعة وغيرهم.

 

لقد وقعَتْ مناظرات عدة بين السُّنَّة والشيعة في الفترة الزمنيَّة التي سيطر فيها العُبَيدِيُّون على الشمال الإفريقي، وقد تناولت هذه المناظرات مواضيعَ الخلاف بينهما، وهي مواضيعُ مازالت تُثار إلى الآن.

 

وسيظهر لنا بجلاء تألُّق السادة المالكية في إفحامهم لخصومهم الشيعة؛ وذلك من خلال اعتمادهم على قوة الحق المستمدة من القرآن الكريم، وحجية سنة المصطفى عليه السلام، والاقتداء بالصحابة الكرام، ومن خلال اعتماد الأدلة العقلية المنطقية.

 

وأول مثال على هذا ما نُقِل عن أبي محمد عبدالله بن إسحاق المعروف بابن التبَّان المالكي ت371هـ، الذي وقعت له مناظرات مع الشيعة في مجلس عبدالله المحتال - صاحب القيروان - وقد أحضر له من علماء الشيعة مَن يناظره؛ وهما أبو طالب وأبو عبدالله الشيعيَّان، ومن المواضيع التي ناقشهم فيها: "التفضيل بين أبي بكر وعلي رضي الله عنهما" وبدأت المناظرة بسؤال عبدالله الشيعي ابنَ التبان عن من الأفضلُ أبو بكر أم علي؟ وقال له: أيكونُ أبو بكر أفضل من خمسةٍ جبريلُ عليه السلام سادسهم؟ ويقصد حديث الكِساء المشهور الذي أورده عددٌ من مصادر السنة؛ كصحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أهل بيت النبيِّ عليه السلام، وفيه أن عائشة رضي الله عنها قالت خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم غداةً وعليه مِرْطٌ مُرحَّل من شعر أسود، فجاء الحسنُ بنُ علي فأدخله، ثم جاء الحُسينُ فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثُم جاء عليٌّ فأدخله، ثم قال: ((﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33])).

 

فأجابه أبو محمد: أيكونُ عليٌّ أفضلَ من اثنين اللهُ ثالثهما؟ - ويقصد لما كان أبو بكر رضي الله عنه والنبيُّ عليه السلام في الغار - إني أقول لك ما بين اللَّوْحين؛ ويعني: القرآنَ الكريم"؛ ترتيب المدارك ج2 ص: 161.

 

وقد استقرَّ رأي علماء المالكية على تفضيل أبي بكر على علي رضي الله عنهما، ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حسين الضبي المالكي ت 297 هـ، الذي يقول: "كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقيمُ الحدود بين يدَيْ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويعينه على أموره، فلو لم يكن عنده إمامَ هدًى مستحقًّا للتَّقْدمة ما فعل ما فعل"؛ المعالم ج2 ص: 262.

 

وقد تعرَّض أبو إسحاق الضبي بموقفه هذا إلى التعذيبِ والقتل من طرف أبي العبَّاس الشيعي.

 

وقد تناقش ابن التبَّان معهم كذلك في التفضيل بين عائشةَ زوجِ النبي عليه السلام وفاطمةَ ابنتِه، فاستدلَّ ابن التبَّان بدليل نقليٍّ يفيد أن نساءه عليه السلام أفضل من سائر نساء العالمين، والدليل هو قوله تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ [الأحزاب: 32]، لكن أحدَ دعاة الشيعة أورد عليه دليلًا عقليًّا؛ مُفاده: أيما أفضل: امرأةٌ أبوها رسول الله عليه السلام، وأمُّها خديجة الكبرى، وزوجها عليُّ بن أبي طالب عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولداها الحسنُ والحسين سيدا شباب أهل الجنة، أو امرأة أمُّها أمُّ رُومَان، وأبوها عبدُالله بنُ أبي قُحافَة؟ وكان الردُّ من ابن التبَّان ردًّا عقليًّا كذلك بقوله: أيهما أفضل عندك: امرأة إذا طلَّقها زوجها أو مات عنها، تزوجها عشرون زوجًا؟ أم امرأة إذا مات عنها زوجُها أو طلَّقها لم تحلَّ لأحدٍ؟؛ المعالم ج3 ص: 92 - 93.

 

وعالم مالكي آخر بدورِه ردَّ على الشيعة، وجهر بمواقفِه السُّنيَّة؛ وهو أبو سعيد ابن أخي هشام الربعي المالكي ت373هـ؛ معالم الإيمان ج3 ص: 99.

 

ففي حوارات علميَّة دارت بينَه وبين أحمد بن القاضي النعمان وقاضي الشيعة المعروف بأبي سعيد حول الموقف ممن يقذِفُ عائشة رضي الله عنها؛ لأن المالكيَّة حكموا على مَن يَقذِفُها بالزنا بأنه كافر، وذلك بالدليل العقلي والنقلي، والشيعة لا يقولون ذلك، وإنما يستدلون على عدم كفر قاذفِها بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة ﴾ [النور: 4]، ويستدلون بجَلْد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَ الإفك ثمانين جلدة، ويعيبون على المالكيَّة عدم أخذهم بالقرآن ولا بما فعل النبي عليه السلام! إلا أن جوابَ أبي سعيد كان الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ [النور: 26]، وقال: ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ [النور: 26]، فجلد مَن قذفها قبل البراءة بالقرآن، وبعد القرآن مَن قذفها فقد ردَّ القرآن، ومن رد حرفًا من القرآن فقد وجب قتلُه بإجماع؛ معالم الإيمان ج3 ص: 99.

 

ولا شكَّ أن المُتَّهِم لعائشة رضي الله عنها بالفاحشة بدليل اللُّزوم واقع في اتِّهام القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم برَّأ عائشة رضي الله عنها من تهمة الزنا التي اتُّهِمت بها في حادثة الإفك المعروفة، والذي يُصرُّ على اتِّهامها بذلك فهو مُكذِّب لما جاء في القرآن الكريم، والذي كذَّب ما في القرآن فحكمه معروف شرعًا.

 

وسجَّلت كتبُ التراجم عالمًا مالكيًّا آخر برع في مناظرة الشيعة، واستطاع إفحامهم وتبيين بطلانِ جميعِ شبههم، وهذا العالم هو أبو عثمان سعيدُ بن محمد بن صبيغ الغسَّاني المعروف بابن الحداد ت302هـ، له عدة تآليف؛ منها: "إيضاح المشكل"، و"المقالات" رد فيها على أهل المذاهب أجمعين، و"الاستيعاب"، و"عصمة النبيين"؛ رياض النفوس للمالكي ج2 ص: 57.

 

وامتاز هذا العالم بحسٍّ تناظري كبير فاق به أقرانه؛ مكَّنه من الدخول في مناظرات عدة مع الشيعة، فقد كان محطَّ أنظارهم، ولم يكن يتوانى في القدوم عليهم؛ حتى يبيِّن لهم الحق، ويرشدهم إلى سواء السبيل.

 

ومن المناظرات التي دارت معهم تلك التي كانت حول الموقف ممن يتهم الصحابة الكرام بالارتداد؛ وهذه يدندن حولها الشيعة؛ ليُبرِّروا تكفيرهم للصحابة الكرام، ويستدلون على هذا ببعض الشبه الواهية؛ ومنها تلك التي أوردها أبو عبدالله الشيعي على ابن الحدَّاد؛ وهي قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران: 144]، قال: أفلا تستلزم انقلاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب ابن الحدَّاد بدليل لُغويٍّ مُقنع لا يسعُ المخالف إلا الإذعان له؛ وهو أن المعنى: أفإن مات أو قتل أفتنقِلبون على أعقابكم؛ لأن معنى "أَفَإِنْ مَاتَ" استفهامٌ، ومعنى انْقَلَبْتُمْ" أفتنقلبون؟ والاستفهامان إذا جاءا في قصة واحدة اجتُزئ بأحدهما عن الآخر، وهذا الاستفهام إنما هو في معنى التقرير بألَّا تنقلبوا على أعقابكم.

 

فقال له أبو عبدالله: فهل تَجد في كتاب الله عز وجل نظيرًا يكون من هذا دليلًا؟ فقال ابن الحداد: نعم، قول الله عز وجل: ﴿ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴾ [الأنبياء: 34]؛ أي: إنك إن متَّ فهم لا يخلدون، فلما التقى استفهامان أجزأ ذكرُ أحدهما عن الآخر، فكان لفظ الاستفهام من ذلك مراد به التقرير: بأنهم لا يخلدون.

 

وحاورهم كذلك في موضوع ولاية علي رضي الله عنه، والشيعة دائمًا يستدلون بحديث: ((مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه)) على أن الناس يجبُ أن يكونوا تَبعًا لعليٍّ رضي الله عنه في كل شيء، وهو الكلام الذي أورده أبو عبدالله الشيعي على ابن الحدَّاد؛ فأجابه ابن الحداد بأن مولاي بالمعنى الذي أنا به مولاه، ومعنى مولاي: على الولاية في الدين لا مولى عَتاقةٍ، وذلك أن المولى في كلام العرب: الوليُّ، وابن العم، والمعتَق، والمنعم عليه، قال الله عز وجل في ابن العم حكاية عن زكريا عليه السلام: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ﴾ [مريم: 5]، يريدُ به العصبة، وقال في ولاية الدين: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 11]؛ أي: لا وليَّ لهم، وقال في المؤمنين: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [المائدة: 51]، فعليٌّ مولى المؤمنين بأنه وليهم، وهم مواليه بأنهم أولياؤه، فهو مولاي بالمعنى الذي أنا مولاه.

 

وبيَّن ابن سعيد موقف علماء المالكية من علي رضي الله عنه، والذي يتجلى في الترضِّي عليه وعلى أهل بيت النبي عليه السلام، بل قال أبو عثمان: على مبغضِ عليٍّ لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، وكيف أبغض عليًّا وقد سمعت سحنون بن سعيد وهو إمام أهل المدينة بالمغرب يقول: عليُّ بن أبي طالب إمامي في الدين أهتدي بهَدْيه، وأستنُّ بسنته، وأقتفي أثره.

 

ومن المسائل التي تناقشوا حولها مسألة إثبات القياس، وذلك لما سأل أبو عبدالله الشيعي ابنَ الحدَّاد عن مصدر إثبات القياس، فأجابه بآيةٍ من القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ [المائدة: 95]، وقال: الصَّيْدُ معلومة عينُه، والجزاء الذي أمرنا أن نمثله بالصيد المعلومة عينُه ليس بمنصوصٍ، فعلمنا بذلك أن الله تعالى إنما أمرنا أن نمثل ما لم ينصَّ ذكر عينه بالقياس والاجتهاد، ومنه قول الله عز وجل: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ [المائدة: 95]، فلم يَكِلْه إلى حاكمٍ واحد حتى جعلهما اثنين؛ ليقيسا ويجتهدا.

 

ثم بعد ذلك أراد أبو عبدالله الشيعي أن يختبرَ ابن الحدَّاد ويتيقَّن من موقفه السابق فسأله عن مصدر حدِّ السكر؟ فأجاب: إنما حُدَّ قياسًا على حد القاذف؛ لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فوجب عليه ما يؤول أمره إليه وهو حد القاذف؛ رياض النفوس؛ للمالكي ج2 ص: 58 إلى 96.

 

ومن عقائد الشيعة ادِّعاؤهم عصمة الإمام المبلِّغ عن الله، وأن في عباده أسرارًا وأحكامًا، والعقل لا يستقلُّ بإدراكها، فلا يعرف ذلك إلا من قِبَل إمام معصوم.

 

وكان من علماء المالكيَّة الذين تناظروا مع الشيعة في هذه المسألة ما وقفت عليه في كتاب "العواصم من القواصم"؛ للقاضي أبي بكر بن العربي ت 543هـ، وأورد فيه عن نفسه مناظرةً مع شيخ الإمامية بعكَّا؛ وهو أبو الفتح العكي، فسأله: أماتَ الإمام المبلِّغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلَّد؟ فقال له: مات - وليس هذا بمذهبه ولكنه تستّر- فقال ابن العربي: هل خلفه أحدٌ؟ فقال: خلفه وصيُّه علي، قال ابن العربي: فهل قضى بالحق وأنفذه؟ قال: لم يتمكَّن لغلبة المعاند، قال ابن العربي: فهل أنفذه حين قدر؟ قال: منعَتْه التقيَّة ولم تفارقه إلى الموت، إلا أنها كانت تَقْوَى تارةً، وتضعف أخرى، فلم يمكن إلا المداراة؛ لئلَّا تنفتحَ عليه أبواب الاختلال، قال ابن العربي: وهذه المداراة حقٌّ أم لا؟ فقال: باطل، أباحتْه الضرورة، قال ابن العربي: فأين العصمة؟ إنما تغني مع القدرة، فمن بعدَه إلى الآن وجدوا القدرة أم لا؟ قال: لا، قال ابن العربي: فالدين مهمل، والحق مجهول مخمل؟ قال: سيظهر، قال ابن العربي: بمن؟ قال: بالإمام المنتظر، قال ابن العربي: لعلَّه الدجال! فما بقي أحد إلا ضحك؛ ص: 45 إلى ص: 53.

 

ونفهم من هذا الحوار أن أبا الفتح العكي الإماميَّ يعتبر أن عليًّا رضي الله عنه هو الإمام المعصوم المبلغ عن الله تعالى، وأنه لم يقضِ بالحق؛ لأن المخالف له - وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما - منعاه من ذلك، وحتى عندما تمكَّن من السلطة بعد وفاة عثمان رضي الله عنه لم يقدر أن ينفذ الحقَّ؛ لأن التقيَّة منعَتْه من ذلك، فكان يلجأ إلى المداراة رغم أنها باطل، ولكن أُبيحت للضرورة؛ إلا أن ابن العربي ألزم أبا الفتح العكي الحجةَ عندما ردَّ عليه بأن الإمام المعصوم يجب أن يتعالى عن الوقوع في الباطل بأي حال من الأحوال ولو كانت الضرورة كبيرة؛ لأنه معصوم؛ ومقتضى العصمة الابتعادُ عن الباطل والمحرم، فلم يَجِد العكي لهذا جوابًا.

 

من خلال هذه الأمثلة وغيرها نستفيد أن علماءنا المالكية خاضوا مع الشيعة نقاشًا طويلًا، إلا أنهم التزموا بالمبادئ السنية الحقَّة، وثبتوا عليها، ولم تغيرهم المغريات، ولا حتى الضغوطات التي تعرَّضوا لها؛ بل قدموا في سبيل ذلك أنفسهم ومُهَجهم، وكانت النتيجة أن حافظوا على عقيدة أهل السنة وثبتوها في شمال إفريقيا، وصانوا الناس من مغبَّة الانسياق وراء العقائد الشيعية الخطيرة، ولولاهم - بعد الله تعالى - لكان المغرب بلدًا شيعيًّا، فجزاهم الله عنا وعن الإسلام والسنة خيرًا.