أهل السُّنة والجماعة.. آلام المخاض وبدايات النهوض

سهاد عكيلة

أهل السُّنة والجماعة.. آلام المخاض وبدايات النهوض

 

كانوا منذ فجر التاريخ الإسلامي وما زالوا... هم الأمة، كنخلة مثمرة جذورها ضاربة في أعماق الأرض...

 

إنهم أهل السُنة والجماعة[1]؛ وما هم بالمكوِّن الطائفي اللبناني، وإنما هم أهل الالتزام... الذين اتبعوا تلك "المَحجة البيضاء"؛ بها ارتفعوا وسادوا العالم... هم الذين فَهموا عن الله ورسوله؛ فأنتج فَهمهم حضارة إنما هي دُرة الحضارات...

 

كتب عمر لأبي عبيدة - رضي الله عنهما - يقول له: "إنا كنا أذَلّ قوم فأعزّنا الله بهذا الدين، فمهما نطلب العز في غيره أذلّنا الله"... لقد بلغ عزّ المسلمين وملكهم وتقدمهم في ظلّ المنهج الإسلامي مبلغاً لم تنعم به أمة، ودام قروناً... حتى وصل الأمر بالخليفة هارون الرشيد إلى أن خاطب السحابة قائلاً: "سيري أينما شئت أن تسيري سيأتيني خَراجُكِ".

 

نعم... هكذا بِتنا... وعلى ضدّه أصبحنا!!

 

لقد تحققت نبوءته - صلى الله عليه وسلم - في أمته إذ دخلت مرحلة الغثائية التي كانت مقدمة لسقوط الخلافة... ثم انفرط العِقد، وخاضت الأمة معارك استعادة الهوية، وبرز قادة مصلحون وعلماء ربانيون مجدِّدون... وهم ممن حفظ الله بهم هذا الدين: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]... وما زالت الأمة في مخاضها تقاتل على مختلف الجبهات الداخلية والخارجية...

 

ولو أردنا الوقوف على أبرز أسباب أزمنة التراجع، لواجهتنا قضايا ثلاث:

الأولى: فتنة الدنيا التي أقبلت على كثير من المسلمين إثر الفتوحات الإسلامية، ومنهم الأمراء وولاة الأمور، بل حتى من العلماء والدعاة، إلا مَن رحم الله... لدرجة أنه كان يقتتل فيها الإخوة الأشقّاء على تقاسم السلطة والأملاك... ووصل الضعف والهوان ببعضهم إلى حدّ تسليم المدن والبلاد التي ارتوت من دماء الفاتحين، والتي أشرقت بأنوار أخلاقهم وعلومهم... تسليمها طواعيةً لأعداء الأمة! ولله دَر (عائشة الحُرّة) التي نظرت إلى ولدها (أبي عبد الله الصغير) عندما سمعا معاً صهيل الخيل فوق هضبة غرناطة التي سُميت فيما بعد بـ (هضبة زَفْرة العربيّ الأخيرة) حيث نزلت على إثر تنهُّداتها دموعٌ من عينَيْ ولدها الأمير المخلوع، الذي سلّم غرناطة - آخر ممالك المسلمين في الأندلس - للإسبان النصارى... نظرت إليه وقالت: نعم، ابك كالنساء مُلكاً مُضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال"...

 

وما زالت هذه الفتنة بين المسلمين المعاصرين مستحكمة بشكل أكثر شراسة في القلوب والعقول والأرواح... حتى أصبحنا نشاهد في صفوف متديِّنين الشَّره للدنيا: زينتها أو مالها أو مناصبها!!!

 

الثانية: داء الفُرقة والتشتت... ومن نتائجه كسر شوكة المسلمين وضياع هَيْبتهم وتفرّق شملهم... لدرجة أنهم وصلوا إلى حدّ تحالف بعض المنتسبين للأمة مع الأعداء نِكايةً بأبناء ملّتهم.

 

الثالثة: التخلّف العلمي؛ فبالعلم المؤسَّس على المنهج الإسلامي: ساد أجدادُنا الفاتحون، فكان لهم السَّبْق في انتشال أوروبا من لُجَج الجهل التي تسربلنا فيها بعد ذلك... أجل، تراجعنا حيث تقدم الآخرون.

 

ولعل نظرة متأملة في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تُعيننا على فَهم واقعنا المعاصر الذي استشرفه لنا – صلى الله عليه وسلم - منذ أكثر من 14 قرن... مع تقديم توصيف تشريحي وعلاج عملي: قال - صلى الله عليه وسلم -: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكَلة إلى قصعتها".. فقال قائل: ومِن قِلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غُثاء كغثاء السيل، ولَينزعنّ الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوَهْن". قال قائل: يا رسول الله وما الوَهْن؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "حب الدنيا وكراهية الموت" رواه أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبيّ.

 

فالغثائية هي مرحلة التراجع الحضاري... وهي داء منشؤه خلل نفسي وسلوكي واجتماعي أصبح ظاهرة في الأمة...

 

فأعداء الداخل والخارج أغراهم بالمسلمين فُقدانُهم لأهم شروط الاستخلاف ألا وهو العبادة بمختلف أبعادها، قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55].

 

كما أغراهم تفرُّقهم... الأمر الذي سهّل مهمتهم فعمدوا إلى تقطيع أوصال الوطن الإسلامي... وشُغل كل بلد بشؤونه بعيداً عن هموم الأمة، وداخل البلد الواحد انقسم المسلمون مجموعاتٍ وأفراداً، وكلٌّ له مشروعه وبرنامجه ومصالحه...

 

وعليه، فقد غابت المرجعية العالمية التي تقود أهل الحق وتُوجّههم وتدافع عن حقوقهم وتصدّ أي عدوان عليهم... كما غابت المرجعية الموحّدة في العديد من البلدان ذات الطوائف المتعددة مثل: لبنان، سوريا، العراق... مما مكّن أعداء الداخل والخارج من استضعافهم وتهميشهم واستلاب مكانتهم والهيمنة على دوائر صُنع القرار عندهم، ودَفَع بهم لاستنبات تلك الطُفَيْليات وتغذيتها وتضخيمها لتكون شَوكة في خاصرة الإسلام؛ ولم يؤتَ أهل الإسلام طيلة فترات حكمهم إلا من قِبَل هؤلاء.

 

والنتيجة... أوضاع مُزرية اقتصادية واجتماعية وسياسية يعاني منها أهل السُّنة، في لبنان خاصة، اعتداء على مكانة وهيبة العلماء وكذا الشباب الملتزم، ضَعف شديد في المؤسسة الدينية التي يُفترض بها القيام على مصالحهم الدينية، اختزال "السُّنة" - بالمفهوم الطائفي الضيِّق - بعائلات أنفقت عقوداً في بناء أمجادها الشخصية!

 

غير أن قناعات جديدة بدأت تتشكل لدى أهل السُّنة مع انطلاق ثورات الربيع العربي... التي قادها شبابهم وتَبِعهم مفكروهم ثم علماؤهم... ضد الطغيان والظلم والفساد... ضد العنصرية وسياسات القمع والتفقير والتجهيل والتهميش المتعمّد...

 

ففي لبنان، وفي خطوة غير مسبوقة، اجتمع شمل العلماء لأول مرة في التاريخ الحديث ضمن إطار هيئة علماء المسلمين، فضلاً عن التعاون والتنسيق المستمرّين في الأمور العامة بين الجماعات العاملة على الساحة الإسلامية.

 

وفي سوريا، الثورة إسلامية خالصة... يدفع أبناء السُّنة فيها فاتورة ثورتهم الباهظة... مقابل بضاعة مرتفعة الثمن: الحرية.

 

والانتفاضة العراقية انطلقت متأسية بثورة الشام المباركة؛ ضد الظلم وانتهاك الحُرُمات والأعراض... بانتظار تشكيل جبهة إسلامية صافية الراية موحَّدة تلمّ شتات قيادات أهل الحق على امتداد وجودهم في محافظات العراق.

 

إذاً، هذا الحراك الشعبي العام في مختلف بلدان المسلمين إنما هو بدايات النهوض الحضاري على طريق التمكين بإذن الله... ولكي تكون له فعاليته ونتائجه العملية، لا بد من مقوِّمات تتوفر بالعلماء والشباب والنساء:

فللعلماء دورهم المهم في التسلّح بالحكمة والوعي بالواقع وبمتطلباته، وبالتالي، عليهم واجب التوعية وتوجيه الشباب وقيادتهم لتحقيق مصالح الأمة.

 

وللشباب دورهم بما عندهم من فاعلية ودينامية وحماسة "منضبطة" بضوابط "الشرع" و"المصلحة" في إحداث التغيير المنشود متسلحين بالوعي والإيمان والعلم، منضوين في أُطر عمل جماعي؛ فالأعمال الفردية التي تأتي عفو الخاطر ووليدة اللحظة ضررها أكبر من نفعها.

 

وللمرأة دور خطير جداً في تثبيت تلك المعاني في جيل الشباب وهم أبنائها وإخوانها و... وفي توعية بنات جنسها... وفي العمل على إعادة قَوْلبة شخصيتها وفق ما تقتضيه متطلّبات هذه المرحلة.

 



[1] يرجع تاريخ إطلاق هذا اللفظ إلى صدر الإسلام؛ فقد أخرج اللالكائيّ بسنده عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران: 106]: "فأما الذين ابيضّت وجوههم: فأهل السُّنة والجماعة وأولو العلم، وأما الذين اسودّت وجوههم: فأهل البدعة والضلالة" اللالكائي "شرح أصول السُّنة" 72:1، وابن كثير "التفسير"