معنى قول أمير المؤمنين عمرْ إن النبي -صلى الله عليه وسلم- هَجَرْ

د. بلال فيصل البحر

معنى قول أمير المؤمنين عمرْ

إن النبي -صلى الله عليه وسلم- هَجَرْ

 

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.. وبعد:

فقد سألني بعض إخواننا من طلاب العلم ببلاد طاجيكستان عن معنى قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه (ماله أهجر) أو كما ورد في السؤال (الرجل يهجر) الواقع في خبر يوم الخميس أو الحديث الملقب عند أهل العلم بالأخبار والسير (حديث الوصية).

 

وذكر أن بعض الروافض ببلادهم غمز أمير المؤمنين عمر به وأشاع ذلك عندهم حتى داخل بعض عوام السنة من ضعفة الدين ريب منه، فطلب مني أن أحرر جواباً موجزاً يتضمن الذب عن أمير المؤمنين وردّ تعلق الطاعنين بما يوهمه ظاهر هذا اللفظ، فحررت هذه العجالة ملخصاً فيها كلام أهل العلم والإيمان وأجوبتهم عن ذلك ودفع شبهة الرافضة قاتلهم الله به.

 

وقد تكلم على هذا الحديث شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه في كتابه الذي صنفه في نقض ما جمعه ابن المطهر الحلي، فأجاد للغاية وقطع حجته إلى النهاية، فلله دره وعليه أجره وشكره.

 

وأفرد الإمام الحافظ أبو الخطاب بن دحية رحمه الله رحمة واسعة جزءاً في الكلام على مشكل هذا اللفظ أسماه (من ألقم الحجر إذ كذب وفجر وأسقط عدالة من قال من الصحابة ماله أهجر) فدفع به أوهام من يستريب، حتى قيل قطعت جهيزة قول كل خطيب.

 

وكذا صنف علامة الشام جمال الدين القاسمي تصنيفاً مفرداً في هذا المعنى أبان فيه عن وجه الصواب وقطع به علائق الارتياب، فرحمه الله وأكرم مثواه، وقد بلغنا خبر هذين المصنَفين ولم نقف عليهما.

 

وهذا حين الشروع في بيان ذلك وإيضاح تلك المسالك، وبالله التوفيق ومنه أستمد العون على التحقيق.

 

والخبر ذكره البخاري في المغازي من (كتابه) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتدّ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعه فقال: (ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي نزاع، فقالوا: ما شأنه أهَجَر استفهموه، فذهبوا يردّون عليه، فقال: (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه) وأوصاهم بثلاث، قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) وسكت عن الثالثة أو قال: فنسيتها.

 

ثم ساقه البخاري من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس وفيه: لما حصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي البيت رجال فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده) فقال بعضهم: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قوموا) قال عبيد الله: فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم.[1].

 

ووقع عنده في العلم أن عمر قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغلط، قال -صلى الله عليه وسلم-: (قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع) [2].

 

وفي الجزية منه؛ ماله أهجر! استفهموه، بنحو رواية المغازي المتقدمة.

 

وفي المرضى منه: لما حُضر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فذكر نحوه وفيه: أن عمر قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غلب عليه الوجع، وعندكم القران، حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي -صلى الله عليه وسلم- كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي -صلى الله عليه وسلم- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قوموا) قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم، ونحوه في كتاب الاعتصام[3].

 

وفي رواية لمسلم أن ابن عباس قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ائتوني بالكتب والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) فقالوا: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهجر [4].

 

وقد زعم ابن المطهر الحلي من الإمامية أن عمر قال (إن الرجل ليهجر) [5] وهو كذب عليه أو جهل ممن نسبه الى عمر فان هذا اللفظ لا أصل له ولا يوجد في شيء من دواوين السنة، ولم يقله عمر رضي الله عنه وحاشاه منه، وانما اختلقه الروافض لثلبه والطعن عليه لما يتضمنه ظاهره من الإزراء والتنقص بمقام النبوة حيث ذكره بالرجل دون النبي، وقد تبين لك من سياق الخبر أن عمر لم يقله، وأيضاً لم ينفرد به، بل قاله معه رجال من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ممن كان بالبيت وشهد الواقعة، لكنه نسب الى عمر لجلالته ولكونه ابتدأه فتابعه عليه الرجال المذكورون، كما هو ظاهر رواية عبيد الله المتقدمة.

 

وابن المطهر نقل هذا اللفظ عن الشهرستاني الذي عزاه الى البخاري [6] وقد تبين من تقصي طرق الحديث وألفاظه عند البخاري أنه لم يروه بهذا اللفظ مطلقاً، ولا رواه غيره من أهل العلم المعروفين بالنقل والرواية بالإسناد، ولذا تعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية بأن ما ينقله الشهرستاني وأمثاله من المصنفين في الملل والنحل عامته مما ينقله بعضهم عن بعض، وكثير من ذلك لم يحرر فيه أقوال المنقول عنهم ولم يذكر الإسناد في عامة ما ينقله، بل هو ينقل من كتب من صنف المقالات قبله مثل أبي عيسى الوراق وهو من المصنفين للرافضة المتهمين في كثير مما ينقلونه، ومثل أبي يحيي وغيرهما من الشيعة وينقل أيضاً من كتب بعض الزيدية والمعتزلة الطاعنين في كثير من الصحابة، هذا كلامه.[7].

 

وفي قول عمر هذا وجوه:

أحدها: أن معناه الهجر وهو الترك والإعراض، وهو ظاهر في الحديث فلا يلتفت الى من أنكره كالخفاجي، فإنه -صلى الله عليه وسلم- هجرهم وأعرض عنهم بسبب اختلافهم وتنازعهم عنده وهو مما لا ينبغي، فهو من الهجر بفتح الهاء، ومنه حديث أبي الدرداء: (لا يسمعون القران إلا هجراً) يريد الترك له والإعراض عنه، يقال فيه هجر وأهجر ومنه قول أسامة:

كأني أُصاديها على غير مانع
مقلِّصة قد أهجرتها فحولها[8] 

 

وقوّاه الحافظ ابن حجر تبعا للقاضي عياض بأن الصحيح في رواية لفظه عند أكثر رواة البخاري بفتح الهاء والجيم من الترك، قالوا معناه أعرض عن مقالتهم أو أعرض عنهم لاختلافهم، وذهب الحافظ إلى أنه من هجر الحياة، وهو مفارقتها، كأنهم ظنوا أنه -صلى الله عليه وسلم- فارق الحياة وهجرها لما رأوا من اشتداد الوجع بهم عليه السلام.[9].

 

ويحتمل فيه معنى ثالث وهو أنهم أرادوا بقولهم (أهجر) الاستفهام عن قضية الكتاب الذي أمر به، فالمعنى أهجر كتابة الكتاب؟ أي: هل تركه وأعرض عنه؟ ويقويه أنهم قالوا: استفهموه، أي: عن شأن الكتاب هل نأتي به لتكتبه.؟.

 

فتحصل في الهجر الذي بمعنى الترك ثلاثة معان: هجرهم أو هجر الحياة وهو مفارقتها بالموت أو هجر كتابة الكتاب أي: تركه، وهذا الثالث يقتضيه سياق الخبر.

 

الثاني: أنه من الهُجر بضم أوله، وهو أيضاً محتمل لمعان بتقدير صحة رواية الضم، أحدها: أنه القبيح من الكلام وهو باطل لا يسوغ حمل الخبر عليه بوجه من الوجوه للإجماع على تنزه النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه وعصمته منه، وكذا إن قلنا بالاحتمال الثاني أنه من الهجر بمعنى الهذيان، وقد وقع عند أحمد أن سفيان فسره بذلك[10] كما قال تعالى (مستكبرين به سامراً تهجرون) وفي قراءة نافع (تُهجرون) بالضم وهو القبيح من القول، وعلى قراءة الجمهور بالفتح بمعنى الهذيان أو كثرة الكلام بالليل أثناء السمر، وكانوا يتحدثون حول الكعبة في سمر القمر فسمي التحدث به، وعن ابن عباس وغيره: كانوا يتكلمون بهوس وسيء القول في النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي القرآن. [11].

 

والهذيان قال الحافظ: ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته، وقد جزم القاضي عياض والحافظ بضعف كلا الاحتمالين لأنه عليه السلام يستحيل وقوع ذلك منه لعصمته منه في حال صحته ومرضه لقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى) وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إني لا أقول في الغضب والرضا إلا حقاً)، وأيضاً فإن كلا الوجهين مردود بمقتضى الرواية الصحيحة التي نقلها أكثر رواة الصحيح في لفظه أنه بفتح الهمزة والهاء والجيم (أَهَجَر) ولو كان بمعنى الهذيان وقبيح الكلام كان يكون بفتح الهمزة وإسكان الهاء، قاله القاضي والحافظ. [12].

 

وفيه احتمال ثالث على وجه الضم أن يكون بمعنى كثرة الكلام[13] فلعله عليه السلام كان يناجي من لا يرونه بكلام لم يفهموه عنه، ويشعر به قوله (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه)، ولذا قالوا: استفهموه.

 

وأيضاً فإن قولهم (أهجر) جملة مستقلة عما بعدها وهو قولهم (غلبه الوجع...الخ) فلا يستقيم تفسير الهجر بما يعرض من كلام المريض الذي لا يعقل بتقدير جوازه عليه، فكيف وقد تقرر أنه مستحيل في حقه عليه السلام، وهذا يبين ضعف وجه الضم، والواقع أنه عليه السلام لما دعا بالكتاب وأمرهم به فهم الصحابة أن أمره هذا أمر إرشاد وتوجيه ولا يقتضي الوجوب، وبالتالي فإن لهم الاجتهاد فيه، لأنه نظير أمرهم بأن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة، كما قاله المازري وأبو العباس القرطبي، وهو أيضاً نظير أمره في مرض موته -صلى الله عليه وسلم- بأن يصلي بالناس أبو بكر، فراجعه فيه نساؤه، كما راجعوه في الكتاب في هذه القصة، فلما راجعوه وتنازعوا في مدلول أمره هذا، هجرهم فقالوا (أهجر)، فلما رأى عمر اشتداد الوجع وغلبته عليه -صلى الله عليه وسلم- أشفق عليه كما صرح به البيهقي في (الدلائل) والنووي، [14] فقال لأهل البيت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غلبه الوجع وحسبنا كتاب الله، فتنازعوا في قول عمر، منهم من أقره عليه ومنهم من خالفه فيه، فلما كثر النزاع واللغط عنده عليه السلام، حسم مادته بأن رضي لهم رأي عمر وأقره واختاره لما رأى أنه الأصلح والأرفق بهم، ولهذا عدّ العلماء كالحافظ وغيره هذا من جملة موافقات عمر المشهورة، [15]فهو من مناقبه وفضائله، ومن عدّه من مثالبه فقد أخطأت إسته الحفرة.

 

ثم لما لم يعد لوجودهم عنده عليه السلام سبب وفائدة أمرهم بالانصراف بقوله: (قوموا)، ومما يدل على أن أمره بالكتاب ليس جازماً للوجوب وإنما هو محل اجتهاد ونظر، أنه من قبيل الأمر بالأمر بالشيء، فإن أمره بالكتاب أمر بما يقتضيه مضمونه، وقد تقرر في الأصول أن الأمر بالأمر بالشيء لا يستلزم الوجوب إلا بقرينة عند جماهير الأصوليين خلافاً لابن الحاج والعبدري، فكيف وقد قامت القرينة على عدم وجوبه، وهو أنه لو كان للوجوب ما وسعهم ترك امتثاله، بل لو كان الكتاب واجباً ما وسع النبي -صلى الله عليه وسلم- تركه، فلما تركه عُلم أنه ليس للوجوب.

 

وأيضاً فإن قوله (خير مما تدعونني إليه) دليل على أن الكتاب لم يكن واجباً عليه، ولا أمره به واجباً عليهم، لأنهم إنما كانوا يدعونه إلى كتابة الكتاب، والتخيير بين أمرين من مقتضيات عدم الوجوب، وفيه أيضاً تنبيه على صواب قول عمر ورأيه بترك الكتاب والاكتفاء بالقرآن.

 

فهذا سياق القصة، وليس فيه ما يقتضي الإزراء والتنقص بأحد من السلف لا عمر ولا غيره، لكن ما وقع منهم من الاختلاف والتنازع لم يكن مما ينبغي بحضرة الجناب النبوي كما قاله عليه السلام، ولذا عذرهم عليه إذ كان هذا المقام أعني مقام الاجتهاد لا يخلو من النزاع واللغط الملازم للطباع البشرية، والناشئ عن الاختلاف، وهذا من تمام رحمته وبالغ شفقته بأمته، وقد وقع هذا منهم بحضرته عليه السلام غير مرة فكان يحسم مادته كما حسمه في هذه الواقعة.

 

وفي لفظ (أهجر) على المعنيين المتقدمين وجه ثالث، وهو أن يكون مراد عمر ومن قاله الاستفهام الإنكاري، وقد جزم به القاضي في (الشفا) والخفاجي في (شرحه) وتقريره كما قال الخفاجي: أيصدر عنه هذيان وهو المعصوم في مرضه وصحته؟ [16] وهذا بناء على أن (أهجر) بمعنى هذى، فهو إنكار من عمر والصحابة أن يصدر من النبي -صلى الله عليه وسلم- هُجر وفحش، وأما على رواية الفتح من الهجر وهو الترك والإعراض وهو الراجح كما مر، فالمعنى أنهم أنكروا أن يكون عليه السلام هجرهم وأعرض عنهم لما علموه عنه من شفقته عليهم ورأفته بهم.

 

ويقويه أن الهمزة في قوله (أهجر) للسلب والإزالة، وإثبات الرواية بالهمز في أوله أصح من رواية من رواه بغير همز وعليه أكثر رواة الصحيح كما قاله الحافظ، وبه جزم القاضي في (الشفا) وأن جميع الرواة في حديث الزهري وفي حديث محمد بن سلام عن ابن عيينة على إثبات الهمز في أوله، قال: وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه وغيره من هذه الطرق، وكذا رويناه عن مسلم في حديث سفيان وغيره، قال: وقد تحمل عليه رواية من روى (هجر) على حذف ألف الاستفهام، والتقدير (أهجر) أو أن يحمل قول القائل (هجر) أو (أهجر) دهشة من قائل ذلك، وحيرة لعظيم ما شاهد من حال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وشدة وجعه، والمقام الذي اختلف فيه عليه والأمر الذي همّ بالكتاب فيه، حتى لم يضبط هذا القائل لفظه وأجرى الهُجر مجرى شدة الوجع، لا أنه اعتقد أنه يجوز عليه الهُجر، ثم ذكر رواية أبي إسحق المستملي له بلفظ (أَهُجراً) بالضم وتأولها على افتراض صحتها بأنها راجعة إلى المختلفين عنده -صلى الله عليه وسلم-، ومخاطبةٍ لهم من بعضهم، أي: جئتم باختلافكم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين يديه هُجراً ومنكراً من القول.[17].

 

ويقويه ظاهر قولهم (ماله أهجر؟ استفهموه) فإنه يقتضي أنهم لم يوجهوا الهُجر له عليه السلام ولا نسبوه إليه، وليس هو المقصود بخطابهم به، وإنما خاطب بعضهم بعضاً على طريق الإنكار.

 

وحذف همزة الاستفهام كثير في كلامهم كما قاله الخفاجي، فتكون مقدرة، ومنه قول ابن أبي ربيعة:

بدا ليَ منها معصم حين جمّرت 
وكف خضيب زُينت ببنان 
فوالله ما أدري وإن كنت دارياً 
بسبع رميتُ الجمر أم بثمان[18] 

 

فصح أن مراد عمر ومن قال ذلك إنما هو سلب الهجر عنه عليه السلام وتنزيهه منه، فهو من كمال معرفتهم بقدر النبي -صلى الله عليه وسلم- وتمام توقيرهم لجنابه، وتضمن الحديث منقبتين لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، إحداهما عامة يشركه فيها غيره وهو توقير النبي عليه السلام واعتقاد تنزيهه وعصمة الله له على كل حال، والأخرى خاصة له وهي موافقة اجتهاده لما اختاره النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته ورضيه لهم.

 

على أن الخطابي ذكر أن عمر لم يمتنع من الكتاب أصلاً، وإنما أشار على النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاكتفاء بالقرآن خشية أن يجد المنافقون سبيلاً للطعن في الكتاب بدعوى أنه إنما كتبه حال غلبة الوجع عليه. [19].

 

ومن هنا قال شيخ الإسلام في معنى قول ابن عباس (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أن يكتب الكتاب) قال: (إنه رزية أي مصيبة في حق الذين شكّوا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وطعنوا فيها) يريد الرافضة ، قال: (فإنه لو كان هناك كتاب لزال هذا الشك، فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد) قال: وابن عباس قال ذلك لما ظهر أهل الأهواء من الخوارج والروافض ونحوهم، وإلا فابن عباس كان يفتي بقول أبي بكر وعمر، ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك كتابة الكتاب باختياره، فلم يكن في ذلك نزاع، ولو استمر على إرادة الكتاب ما قدر أحد أن يمنعه، قال: ومثل هذا النزاع كان يقع في صحته عليه السلام ما هو أعظم منه، كما وقع بين أهل قباء اقتتال بالجريد والنعال فأنزل الله (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا...الآية) قال: ومن جهل الرافضة أنهم يزعمون أن الكتاب الذي كان -صلى الله عليه وسلم- همّ بكتابته هو في النص على عليّ عليه السلام، وليس في القصة ما يدل عليه بوجه، ثم يدعون أنه كان نص على خلافته نصاً جلياً قاطعاً للعذر، فإن كان قد فعل فقد أغنى عن الكتاب، وإن كان الذين سمعوا ذلك لا يطيعونه فهم أيضاً لا يطيعون الكتاب، فأي فائدة لهم في الكتاب لو كان كما زعموا.؟ [20].

 

ولا يخلو ترك الكتاب أن يكون فاضلاً أو مفضولاً، فعلى الأول لا يترك النبي -صلى الله عليه وسلم- الفاضل للمفضول إلا لمعنى كالتخفيف على الأمة والتيسير عليها بدفع مشقة التكليف وأعبائه كما في ترك كتاب الوصية هذا، وعلى الثاني فهو ظاهر في أنه ترك المفضول الذي هو الكتاب لما هو أفضل منه وهو الوصايا الثلاث، وما علمه من أنهم يتفقون على مضمون الكتاب.

 

ومن هنا قال شيخ الإسلام وغيره من العلماء إن عمر أفقه من ابن عباس حيث رأى ترك الكتاب، وترجيح قول ابن عباس على قول عمر مع إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- قول عمر وإجراء العمل عليه غلط ظاهر.

 

والظن بحبر الأمة أنه إنما قال ذلك في وقت ظهور الفتن الأهواء المحدثة أسفاً على ما وقع في الأمة من الفرقة وظناً منه أن الكتاب لو كُتب كان يكون حاسماً للخلاف قاطعاً للتفرق، ولهذا لم يقله في عهد عمر وولايته لأن زمانه لم يكن بزمان فرقة واختلاف بل كان زمان جماعة وائتلاف.

 

وقد قال الشيخ محي الدين النووي رحمه الله: (اتفق العلماء على أن قول عمر حسبنا كتاب الله من قوة فقهه ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب أموراً ربما عجزوا عنها فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا يُسدّ باب الاجتهاد من العلماء، وفي تركه -صلى الله عليه وسلم- الإنكار على عمر الإشارة إلى تصويبه، وأشار بقوله حسبنا كتاب الله إلى قوله تعالى –ما فرطنا في الكتاب من شيء-ولا يعارض ذلك قول ابن عباس إن الرزية...إلخ، لأن عمر كان أفقه منه قطعاً، ولا يقال إن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن وأعلم الناس بتفسيره، ولكنه أسف على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه لكونه أولى من الاستنباط). [21].

 

وقد حكى ابن عيينة عن أهل العلم قبله أنه -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه ثم تركه اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك كما همّ بالكتاب، [22] فلما علم أن الله تعالى سيجمع الأمة على مضمونه تركه لكونه تحصيل الحاصل، فلم يعد منه فائدة، ولهذا قال البيهقي: (لو كان ما يريد -صلى الله عليه وسلم- أن يكتب مفروضاً لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم لقوله تعالى: بلغ ما أنزل إليك من ربك). [23].

 

وإذا تقرر أن الكتاب لم يكن من البلاغ الذي أُمر به عليه السلام، سقط التعلق على عمر والطعن عليه بهذا اللفظ، بتقدير أن الهجر هو الفحش والهذيان، وبتقدير أنه أراد به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد تبين فساد هذين الأصلين فما بني عليهما فاسد، وهم يزعمون أنه إنما وصفه بالهُجر لإبطال الوصية بالكتاب، وهذا كفر صراح لأنه يقتضي إبطال النبوة، فإن من لازمه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حيل بينه وبين بلاغ بعض الشريعة، وهذا اللازم باطل بالنص والإجماع فالملزوم مثله، وليس هذا مراد ابن عباس بقوله (الرزية ما حال بينه وبين الكتاب) فإنه بتقدير أن الكتاب كان من البلاغ الواجب عليه عليه السلام، لم يقدر أحد على منعه من تبليغه كما تقدم عن شيخ الإسلام، ولكن هذا الترك النبوي للكتاب إنما وقع لأجل التنازع والاختلاف عنده كما قاله ابن عباس، فضلاً عن كون الكتاب ليس بواجب، ولو قُدر وجوبه لم يحل ترك تبليغه بمجرد النزاع والاختلاف، لكن هذا النزاع كان سبباً لترك الكتاب، وهذا الترك كان رحمة وتوسعة على الأمة في الاجتهاد كما قاله الخفاجي، [24] ولئلا يشق عليهم ما في الكتاب فلا يطيقون العمل به فيأثموا بتركه، وهذا الترك والرفع من جنس رفع ليلة القدر وتعيينها، فإنه إنما ترك لما وقع عنده من المراء فيها، فكان ترك تعيين ليلة القدر بسبب ما حصل من المراء والجدال فيها، وإن كان قد يُظن في ظاهره أن فيه فوات خير كثير، إلا أن في إخفائها من التوسعة على الأمة وعظيم النفع الحاصل لهم بتطلبها في ليالي الوتر من العشر ما لا يخفى، فترك الكتاب كذلك، فإنه لو نص على الخلفاء بعده لم توجد طرق الاجتهاد المعروفة في نصب الحاكم، فإنها إنما عرفت باجتهاد الصحابة، ألا ترى أن تعيين الحاكم أُخذ من فعل الصديق الأكبر وتصرفه في تعيين الفاروق، وتعيينه بطريق الانتخاب من جملة مُنتَخَبين أُخذ من فعل عمر في انتخاب الستة النفر من الصحابة، واجتماع أهل الحل والعقد على اختياره وتنصيبه أُخذ من فعل السلف يوم السقيفة، وقد قال عمر لما قيل له ألا تستخلف؟ فقال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يريد أبا بكر، وإلا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني يريد النبي -صلى الله عليه وسلم-) [25].

 

وهذا من معاني ووجوه قوله -صلى الله عليه وسلم- (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير.. الخبر)، لكن الرافضة قوم بهت، رأس مالهم ثلب السلف والوقيعة فيهم باختلاق الكذب وتزويق الباطل، ولا حيلة مع من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة، وقد قال الإمام القاضي أبو زيد الدبوسي الحنفي:

لي حيلة فيمن ينم 
وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقول 
فحيلتي فيه قليله 

 

وأيضاً ففي الخبر أنه عليه الصلاة والسلام أوصاهم بثلاث، وهذا دليل ظاهر ينضاف إلى م اتقدم على أن أمره بالكتاب لم يكن مفترضاً واجباً، فإن الوصية بهذه الثلاثة الأشياء بدل عن كتاب الوصية الذي همّ بكتابته، ولا يجوز العدول إلى المبدل مع إمكان البدل، ومن جهة أخرى فإن الكتاب نسخ بهذه الوصايا الثلاث، وهو مخرج على قول جمهور الأصوليين بجواز النسخ قبل وقت الفعل خلافاً للمعتزلة، كما نسخ الصلوات الخمسين بخمس ليلة الإسراء، وكقوله عليه السلام للبعث المجاهدين: (إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار) ثم قال لهم عند توديعهم: (إن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما) رواه البخاري [26].

 

وقد ذكر الخفاجي أن الكتاب لا يخلو أن يكون واجباً أو أوصى به قبل مرضه أو في مرضه، والأول لا يصح لأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز، والثاني لو كان، لبلغه عليه السلام من غير طلب كتاب ونحوه، وحينئذ فإنما قال عمر ما قال لأنه علم أن الله منجزه، وأن إخفاءه في حياته أولى [27].

 

وعلى التنزل إن صح وجه الضم فيه وأن الهُجر هو الهذيان، فالمراد أنه عليه السلام تكلم بكلام لم يفهموه عنه لثقل لسانه من شدة الوجع بأبي هو وأمي ونفسي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه كان يوعك وعكاً شديداً كأشدّ ما يوعك الرجال، وكما يوعك الرجلان والثلاثة، ولهذا قالوا: استفهموه، والمرض وعوارضه جائز على الأنبياء كما قاله القاضي وشيخ الإسلام، وهم معصومون مما يعتري المرضى فيه من الهذيان والهُجر، ويكون عمر من معه إنما قالوا ما قالوه لأنه اشتبه عليهم هل كان قوله -صلى الله عليه وسلم- من شدة المرض، أو كان من أقواله المعروفة، فشكوا في ذلك إذ لم يفهموا قوله ولم يجزموا بالهُجر بتقدير أنهم خاطبوا به النبي -صلى الله عليه وسلم-، والشك جائز على الصحابة عمر وغيره، فإنه لا معصوم إلا الأنبياء صلوات الله عليهم [28].

 

على أن قوله عن كتاب الوصية (لن تضلوا بعده أبداً) نظير قوله عن كتاب الله في الخبر المشهور (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبداً كتاب الله..الحديث) فإما أن يكون عمر قد سمع هذا منه عليه السلام قبل خبر الوصية يوم الخميس فتمسك به، وإما أن يكون اجتهد واستنبط الاكتفاء بالقرآن من قوله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وبكل حال فقد سعد عمر بموافقه النبي -صلى الله عليه وسلم- له، وشقي الروافض بمخالفته، ولذا ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- الكتاب لما علم أن أصحابه يجتمعون على مضمونه، وقد اجتمع الصحابة على مضمون كتاب الوصية دون ريب، فإنهم استنبطوا أن الخلافة في المهاجرين من كتاب الله، لأن الله سمى الأنصار في كتابه بالمؤمنين في قوله (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم.. الآية) وسمى المهاجرين بالصادقين فقال (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) وافترض على المؤمنين أن يكونوا تبعاً للصادقين فقال (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [29].

 

وهذا قياس اقتراني قضيته موجبة كلية مركب من مقدمتين، فكل أنصاري مؤمن، وكل مؤمن تبع للصادق، ينتج عنهما أن كل أنصاري تبع للصادق وهو المهاجر، فثبت المطلوب وهو أن الخلافة في المهاجرين بمقتضى تبعية الأنصار لهم.

 

واستنبطوا خلافة الصديق من سنته عليه السلام، فجمعوا بين الحسنيين وأغناهم الله عن كتاب الوصية، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرشدهم إلى اختيار الصديق ودلهم عليه في نصوص كثيرة ذكر البخاري طرفاً صالحاً منها في باب الاستخلاف من (كتاب الأحكام) من (صحيحه)، ولأجل ذلك ذهب كثير من أهل العلم من السلف والخلف إلى أن خلافة الصديق ثبتت بالنص، وهل كان نصاً جلياً أو خفياً، قولان هما روايتان عن أحمد، واختار الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم في كتابه الكبير الذي صنفه في الملل والنحل أنها ثبتت بالنص الجلي. [30].

 

وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن التحقيق أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دل الصحابة على استخلاف الصديق وأرشدهم إليه بهذا الكتاب الذي تركه، وبغيره من النصوص والوقائع كاستخلافه في الصلاة ونحوه، ولهذا قال بعض السلف عليّ أو غيره عن خلافة أبي بكر: (رضينا لدنيانا من رضيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لديننا) يريد إمامته في الصلاة في مرضه عليه الصلاة والسلام.

 

ومن حماقات الرافضة أنهم يزعمون أن عمر رضي الله عنه إنما عارض الكتاب لكونه ينص على ولاية علي عليه السلام، وقد تقدم أن هذا كفر لأنه يستلزم الطعن على النبوة، وأنه عليه الصلاة والسلام كتم منها شيئاً، فضلاً عن كونه يقتضي الطعن في علي نفسه، لأنه فرط في حقه في الخلافة وقصر في أخذه وانتزاعه بالقوة، إما خوفاً أو تفريطاً في إنفاذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمره، وفي مثل هذا المقام يتمثل بقول أبي فراس:

وقال أصيحابي الفرار أو الردى
فقلت هما أمران أحلاهما مرُّ 

 

ولهذا قيل إنه لا يتبع مذهب الرافضة إلا أحمق، كما قال العلامة صالح المقبلي:

وما الرفض إلا مذهب لم يقل به 
سوى أحمق قد صح ذا في التجارب 

 

ومن طريف ما سمعناه أن بعض عشاير العيساويين بالعراق اجتمعوا لبعض شأنهم، وكان في بعض بطونهم من انتحل مذهب الرافضة ، وأنهم اختلفوا إلى حدّ الافتراق، فقال الرافضة منهم: أنتم تبغضون علياً عليه السلام ولا تحبونه! فانتدب من سنتهم رجل مسن من أعيانهم وقال: أيّ عليّ تريدون؟ عليّنا أم عليّكم؟ فعجبوا لمقالته وقالوا: وأي فرق بينهما؟ فقال: عليّنا أسد الله الغالب فارس المشارق والمغارب، وعليّكم الجبان الذي فرط في حقه بالخلافة، وكُسر ضلع امرأته فجبن ولم يثأر لها، وجيء به مكرهاً ليبايع بالقهر، وزوّج ابنته من عمر غصباً، فأبلسوا ولم يحر أحد منهم جواباً.

 

أنبأني بهذه الحكاية الحاج عبد الهادي العيساوي رحمه الله، وكان ممن حضر عند الشيخ العلامة عبد العزيز السالم الشافعي رحمه الله، صاحب المدرسة العلمية الدينية المشهورة بالفلوجة الباسلة، وكان حضر الواقعة وأنها كانت في مجلس الشيخ حسناوي شيخ مشايخ البوعيسى. والله أعلم.

 

فائدة في قتال الروافض: ذكر أبو زيد الدباغ في ترجمة الحافظ أبي العرب بن تميم من (تاريخ علماء القيروان) له: قال أبو الحسن بن سعيد الخراط الفقيه: لما بلغني أن الفقهاء قد تجمعوا في الجامع في تدبير الخروج إلى المهدية في أيام أبي يزيد، بكرت إلى الجامع فأصبت أبا العرب بن تميم وأبا الفضل الممسي وربيع القطان وأبا إسحاق السبائي ومروان بن نصر وغيرهم جلوساً عند المنبر فتكلموا في الخروج على بني عبيد يريد الفاطميين الروافض، فاختلفوا وتناظروا حتى قال أبو العرب بن تميم: اسكتوا! فسكت الناس فقال: حدثني عيسى بن مسكين عن محمد بن عبد الله الجرجاني بإسناده إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يكون في آخر الزمان قوم يقال لهم الرافضة فإذا أدركتموهم فاقتلوهم فإنهم كفار) فلما أتم الحديث كبر الناس وعلت أصواتهم في الجامع حتى ارتجّ المسجد ثم خرجوا لقتال بني عبيد.

 

قال: وهذا يدلك على كمال عدالته وصحة نقله ولولا ذلك ما اتفقوا بعد الاختلاف على الخروج على من ذكر، ولم يتخلف من الفقهاء والصلحاء أحد. قال أبو بكر المالكي: وقيل لأبي الحسن بن الخلاف: ما الذي أعاق أبا ميسرة عما فعل أصحابه؟ قال ذهاب بصره ولكنه أخرج ابنه محمداً، وقال: أدخلني الله في شفاعة أسود رمى على هؤلاء القوم صخراً، وشهق الشيخ أبو الحسن بالبكاء. وقيل لأبي الحسن: إن أبا سعيد ابن أخي هاشم لم يخرج؟ قال: قد شهر أبو سعيد السيف وحمله على عاتقه مصلتاً، وهذا غاية في أنه يقول بقول الشيوخ في الخروج عليهم، فقال له بعض من حضر: كان أبو سعيد يذكر أن الجبن منعه من حضور الحرب، ولما خرج أبو العرب لقتال من ذكر سمع الناس منه كتابي (الإمامة) لمحمد بن سحنون، فكان يقول: والله لسماع هذين الكتابين علي أفضل من كل ما كتبت. اهـ. [31].

 

والحديث الذي احتج به أبو العرب الصقلي حسن في أقل أحواله، وقد بينت ذلك في جزء مفرد طبع في دار المحدثين بالقاهرة بعنوان (ذم الرافضة ) وأن من حكم عليه بالوضع كشيخ الإسلام ابن تيمية في أول (الرد على الرافضة ) لم يصب، فإن له طرقاً كثيرة بعضها خفيف الضعف، منها في (زوائد المسند) وغيره، وقد حسنه بعض العلماء كالهيثمي والأعظمي وغيرهما، وضعف بعض طرقه بعضهم فحسب كالألباني في تعليقه على (كتاب السنة) لابن أبي عاصم، وغيره. واحتج به بعض الأئمة في مصنفاتهم كحرب الكرماني في (مسائله عن أحمد) وغيره، وبالله التوفيق.

 

على أن ضعفه يتقوى من جهة العمل به، كما في قصة عمل فقهاء القيروان به، ولا نعلم أحداً من أهل العلم في تاريخ الأمة تخلف عن قتال الروافض إذا استباحوا ديار الإسلام وأظهروا بدعتهم وسفكوا الدم الحرام، إلا حيث ظهرت بدعة التقريب المشؤومة في هذه الأعصار، وقد أجمع علماء الوقت أيام الناصر صلاح الدين على قتال الفاطميين بمصر بل امتنع الناصر عن قتال النصارى عند استباحتهم عكا وقال (لا أقاتل الكفار وخلفي الروافض)، ويتقوى أيضاً هذا الخبر بعمل علي عليه السلام فإنه حرقهم بالنار، والله أعلم.

 

وذكر ابن الجوزي في (تاريخه) أن الإمام العابد الفقيه الحافظ أبا بكر النابلسي رحمه الله كان يرى قتال الروافض ويحض عليه، فقبض عليه وأخذ فقالوا له: بلغنا أنك تقول: لو كان للرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي بتسعة منها في الروافض وواحد في الروم، فقال: لم أقل ذلك - فظنوا أنه رجع عن مقالته- إنما قلت: لو كان للرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي بها كلها فيكم، فإنكم غيرتم الملة وقتلتم الصالحين، فأمروا يهودياً بسلخ جلده، فسلخه والنابلسي يقرأ (كان ذلك في الكتاب مسطوراً) حتى بلغ عند قلبه فرحمه وطعنه، وبقي لسانه ينطق بالآية حتى واراه الثرى رحمه الله وأكرم مثواه. [32].

 

وذكر الشيخ بدر الدين الشبلي الحنفي في (أحكام الجن) تصنيفه عن أحمد بن سليمان النجاد أنه أخرج في (أماليه) بسنده عن الأعمش قال: تزوج إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال: الأرز، قال: فأتيناه به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحداً، فقلت له: فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم، قلت: فما الرافضة فيكم؟ قال: شرنا. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي تغمده الله برحمته: (هذا إسناد صحيح إلى الأعمش). [33].

 

أبيات لأمير المؤمنين عمر في رثاء النبي عليه السلام:

ذكرها الإمام الحافظ الفقيه الأديب أبو بكر بن داود الظاهري الأصبهاني في (كتاب الزهرة):

ما زلت مُذْ وضع الفراش لجسمه
وثوى مريضاً خائفاً أتوقّعُ 
شفقاً عليه أن يزول مكانه 
عنَّا فنبقَى بعده نتفجّعُ 
نفسي فداؤك من لنا في أمرنا 
أمنٌ نشاوره إذا نتوجَّعُ 
وإذا تحلّ بنا الحوادث من لنا 
بالوحي من ربٍّ سميع نسمعُ 

 

آخره والحمد لله وصلى الله على نبيينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.



[1] البخاري رقم 4431-4432.

[2] البخاري رقم 114.

[3] البخاري رقم 3053-3168-5669-7366.

[4] مسلم في الوصية 1259.

[5] في منهاج الكرامة كما في منهاج السنة لابن تيمية 6/19.

[6] منهاج السنة 6/300.

[7] منهاج السنة 6/301.

[8] لسان العرب 15/23 (هجر).

[9] فتح الباري 8/133.

[10] في المسند رقم 1935.

[11] تفسير القرطبي 12/136-137.

[12] الشفا 2/432-433، الفتح 8/133.

[13] لسان العرب 15/24.

[14] دلائل النبوة للبيهقي 7/184، سبل الهدى والرشاد للصالحي 12/248.

[15] الفتح 1/209، المفهم للقرطبي 4/448، سبل الهدى والرشاد للصالحي 12/249.

[16] الشفا 2/433، نسيم الرياض للخفاجي 4/278.

[17] الشفا 2/433-434.

[18] مغني اللبيب 1/19-20.

[19] الفتح 8/134.

[20] منهاج السنة 6/25-316-318.

[21] شرح مسلم للنووي 12/99.

[22] دلائل النبوة 7/184، شرح مسلم للنووي 12/99.

[23] دلائل النبوة 7/184.

[24] نسيم الرياض 4/282-283.

[25] ذكره البخاري 6792، ومسلم 1823.

[26] في صحيحه رقم 2795.

[27] نسيم الرياض 4/285.

[28] الشفا 2/432، منهاج السنة 6/24.

[29] العواصم لابن العربي 61.

[30] الفصل لابن حزم 4/167، منهاج السنة 1/486 وما بعدها.

[31] معالم الإيمان للدباغ 1/35.

[32] المنتظم لابن الجوزي 14/245.

[33] آكام المرجان للشبلي 109