ترجمة العلامة الفقيه الشيخ محمد علي مشعل

 
ودَّعت الأمة الإسلامية اليوم الأربعاء الخامس عشر( 15  ) من شهر شوال لعام 1437 الموافق العشرين (20 ) من شهر يوليو لعام 2016  في العاصمة السعودية الرياض العلّامة الفقيه الأصولي الواعظ الخطيب المفوه الداعية المربي فضيلة الشيخ محمد علي مشعل أحد أبرز كبار علماء مدينة حمص عن عمر يناهز 90 عامًا بعد معاناة مع المرض.
وهذه نبذة مختصرة من ترجمته رحمه الله، 
تاريخ ومكان الولادة: 
ولد رحمه الله في محافظة حمص -في مدينة الحولة عام 1924-  حيث قبر الصحابي الجليل العرباض بن سارية رضي الله عنه. 
الاسم والنشأة: 
هو : محمد علي بن حاج محمد مشعل، تعود أصوله إلى قبيلة بني خالد التي تقطن الأحساء من مدن الجزيرة العربية، وقد نزح أحد أجداده إلى بلدة تادف شرقي حلب، ثم انتقل جده مصطفى ليقيم في بلدة تلدو شمال حمص. 
أسرته: 
نشأ في كنف والده أبرز العلماء والدعاة في ريف حمص في عصره الشيخ حاج محمد مشعل، ووالدته سارة وجدته شعاع كل منهما مثال متميز للمرأة الداعية. 
نشأته العلمية والدعوية: 
يعود الأثر الكبير في حياته الدعوية لوالده الشيخ حاج محمد مشعل. 
تلقى على يد عمه الشيخ حسين الأخ الأصغر لوالده، ومن أبرز علماء المنطقة في عصره، القرآن الكريم وأتقن تجويده، ودرس التفسير، والنحو واللغة العربية، والفقه، والحديث، وحفظ متنًا في الفقه الشافعي، والأربعين النووية ولم يبلغ سن الحادية عشرة من عمره. 
انتظم في مدرسة دار العلوم الشرعية بحمص، التي يديرها الشيخ زاهد الأتاسي، ويدرس فيها كبار علماء حمص، ومن أبرز من تتلمذ عليهم من أساتذة هذه المدرسة، الشيخ زاهد الأتاسي، والشيخ أنيس كلاليب، والشيخ محمد علي عيون السود، والشيخ أبو السعود عبد السلام، والشيخ طاهر الرئيس، والشيخ عبد القادر خوجه، والشيخ مصطفى السباعي. 
في أثناء دراسته في مدرسة دار العلوم الشرعية أقام الشيخ الدكتور مصطفى السباعي حفل تتويج العمائم في الجامع الكبير في حمص، وكان من بين عدد من الطلبة الذين تم تتويجهم في هذا الحفل. 
تخرج من مدرسة دار العلوم الشرعية في عام 1940م. 
منهجه الدعوي: 
يقوم منهجه على العلم والفقه، والوعظ والإرشاد تحت لواء الوسطية والاعتدال، بعيدًا عن العنف والغلظة والفظاظة. يستهدف الإصلاح وإبعاد الناس عن الشحناء والبغضاء والشنآن والحقد. 
يقوم منهجه في الدعوة على مفهوم الإسلام الشامل، وقد مارس هذا المنهج قولًا وفعلًا خلال حياته الدعوية، استنادًا إلى شخصيته الدعوية الشمولية، فكان عالمًا فقيهًا داعيًا عالمًا باللغة العربية، معتزًّا بتاريخ أمته مدركًا لواقعها، حاملًا لهموم أمته، مدافعًا عن حقوقها. 
كسب بمنهجه الوسطي ثقةَ جميع علماء حمص وعند إقامة دروسه العامة في الجامع الكبير في حمص يقوم بعض العلماء بإيقاف حلقاتهم العلمية حتى يهيئوا لتلاميذهم فرصةَ حضور تلك الدروس. 
يضع ضمن أولوياته الدعوية توحيد كلمة العلماء، وجمع صفوفهم، وإزالة أي عوائق تقف في طريق وحدتهم، وله جهود مشهودة في هذا السبيل في حمص، وفي الجمهورية العربية السورية بصفة عامة. وعلى شخصه اتفق علماء حمص لتمثيلهم في المجلس النيابي السوري. 
نشاطه العلمي والدعوي: 
بدأ حياته العلمية والدعوية منذ كان عمره إحدى عشرة سنة، حيث خطب الجمعةَ في الجامع الكبير في بلدته تلدو، كما مارس دروس الوعظ والإرشاد، في هذه السن المبكرة. 
تفرغ للعلم الشرعي تفرغًا تامًّا في الفترة من 1940-1950م معلمًا ومتعلمًا للعلم الشرعي. 
منذ عام 1940م أقام دروسًا شرعية عامة وخاصة وحلقات علمية متخصصة ولم ينقطع عن ذلك حتى وفاته. وقد درس على يديه كثير ممن يكبرونه سنًّا خاصة في بداية نشاطه العلمي والدعوي. 
بعد تخرُّجه من مدرسة دار العلوم الشرعية عام 1940، أنشأ بالتعاون مع عمه الشيخ حسين مشعل مدرسة شبيهة بالمدرسة الابتدائية في هذا الوقت، وفي هذه المدرسة تخرّج العديد من الأئمة والخطباء في المدن والقرى في سوريا ولبنان. 
في عام 1950م حصل على شهادة الكفاءة الرسمية فعُيّن معلمًا وكيلًا في بلدة كفرلاها المجاورة لبلدته تلدو، ثم انتقل معلمًا ثم مديرًا للمدرسة الابتدائية في تلدو، وقد كان دخوله سلك التعليم الرسمي محطة مهمة في حياته الدعوية حيث فتح الله على يديه فأقام نشاطًا دعويًّا واسعًا. 
في عام 1953م حصل على ترخيص بإنشاء مدرسة أهلية سماها: ثانوية علي بن طالب، وكانت تعتبر أول مدرسة في المنطقة، وفيها تعلمت الغالبية العظمى من أبناء المنطقة على اختلاف فئاتهم المذهبية والعرقية. وقد كان تسمية الثانوية بهذا الاسم أمرًا مقصودًا للشيخ من الناحية الدعوية مراعاة للتعدد المذهبي في المنطقة. 
كان الشيخ مديرًا لهذه المدرسة ودرس فيها إلى حين خروجه من سوريا إلى المدينة المنورة في عام 1979. وقد كانت هذه المدرسة إحدى أهم التجارب الدعوية الناجحة للشيخ، وقد استطاع الشيخ من خلال هذه المدرسة تحقيق أهدافه الدعوية في تلك الحقبة الزمنية وعلى مستوى المنطقة التي كانت تغطيها المدرسة.
حاول بعض المغرضين الحيلولة بين الشيخ والحصول على ترخيص المدرسة إلى أن تم الحصول على الترخيص بمساعدة من الشيخ الدكتور مصطفى السباعي ووزير المعارف الدكتور نهاد القاسم ورئيس الجمهورية هاشم بك الأتاسي رئيس الجمهورية آنذاك. 
إثر تأسيس الشيخ الدكتور مصطفى السباعي لكلية الشريعة في جامعة دمشق انضم إليها الشيخ بغرض الحصول على الليسانس، في الوقت الذي كان يدرس في كلية الحقوق، وقد لقيت دراسته في الجامعة معارضة من المغرضين بحجة عدم جواز الجمع بين الدراسة في الجامعة والترخيص لمدرسة ثانوية، ولهذا ترك الدراسة في كلية الحقوق، وتعرقلت دراسته في كلية الشريعة لبعض الوقت لكنه تخرج من كلية الشريعة في عام 1960م. 
منذ نهاية الخمسينيات يمارس الشيخ نشاطه كعضو في جمعية العلماء في حمص، والتي كانت تضم أساتذته وشيوخه وزملاءه من علماء حمص. 
ومنذ ذلك الحين اهتم الشيخ كثيرًا بدعم أعمال جمعية إصلاح ذات البين والمساهمة في أنشطتها وترأس لجان الإصلاح التي تعقدها للنظر في المشاكل الاجتماعية المرفوعة إلى الجمعية. وبالقدر نفسه من الاهتمام دعم الشيخ أعمال جمعية البر والخدمات الاجتماعية بحمص التي تعد من التجارب الفريدة في العالم الإسلامي. 
في عام 1975م عين الشيخ مدرسًا عامًّا، وأصبح له درسان في الجامع الكبير بحمص يومي الاثنين والخميس، وقد كان هذان الدرسان من الدروس المشهورة على مستوى الجمهورية، وكان الناس يتكبدون مشاقّ السفر لحضور هذين الدرسين من كافة المحافظات السورية. وقد قُدّرت أعداد الحاضرين بما لا يقل عن أربعة آلاف شخص غالبًا. 
نشاطه السياسي الدعوي: 
في عام 1958م في زمن الوحدة بين مصر وسوريا انضم الشيخ تحت رأي العلماء ومشورتهم وتوجيههم إلى الاتحاد القومي بغرض خدمة الإسلام. 
شارك في وفد العلماء برئاسة الشيخ السيد مكي الكتاني من كافة محافظات سورية إلى مصر في بداية الوحدة مع مصر، بغرض صياغة الدستور الإسلامي للجمهورية العربية المتحدة الذي لم يتم. 
في عام 1961م بعد الانفصال عن مصر، ترشح الشيخ لانتخابات المجلس النيابي السوري باسم العلماء وتوجيههم، وقد أصبح الشيخ نائبًا عن حمص في المجلس النيابي مع ثلاثة عشر عالمًا آخرين يمثلون محافظات أخرى. وقد كان للشيخ مواقف مشهودة في عدة قضايا عامة طُرحت على المجلس النيابي. 
ترأس الشيخ عددًا من وفود العلماء لمناقشة قضايا إسلامية عامة مع القيادة السياسية لسوريا آنذاك. 
سُجن الشيخ في الفترة من 1973-1975م ضمن أحداث عامة عُرفت بأحداث الدستور مرت بها الجمهورية العربية السورية في تلك الفترة، ثم خرج معززًا مكرمًا بعد أن اعتذر له المسؤولون في الأمن القومي آنذاك. وعين رسميًّا مدرسًا عامًّا في الجامع الكبير بحمص. 
 
حياته الدعوية في المدينة والحجاز: 
 
في عام 1979 خرج الشيخ إلى المدينة المنورة أستاذًا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المعهد العالي للدعوة، والمعهد العلمي، وقد استمر في الجامعة ثلاثة عشر عامًا منذ ذلك التاريخ. ثم عُيِّن الشيخ مستشارًا في جمعية "اقرأ" الخيرية في جدة. 
 
تولى الشيخ خلال تلك الفترة تدريس العديد من المواد الدعوية والعلمية لطلبة الدراسات العليا في المعهد العالي للدعوة، منها: مناهج الدعوة وأساليبها، فقه الدعوة، علوم القرآن، السيرة النبوية، نصوص من الكتاب والسُّنة، الدعوة في الكتاب والسُّنة. 
 
كُلِّف الشيخ من قِبل إدارة المعهد العلمي بالمدينة المنورة بالكلمة التوجيهية للطلاب لمدة لا تزيد عن ربع ساعة يوميًّا بين الأذان والإقامة لصلاة الظهر، طيلة مدة بقائه في المعهد، وقد أطلق الشيخ على هذه الكلمات التوجيهية : سلسلة توجيه الطلاب إلى الصواب. 
 
لم يلبث طلبة العلم في المدينة المنورة من الوافدين والمقيمين فيها أن تعرفوا على وجود الشيخ في المدينة المنورة فقصدوه لطلب العلم فأقام حلقات علمية شتى في الفقه والأصول والحديث والأخلاق والنحو، وقد حضر هذه الحلقات ثلة من العلماء البارزين في بلدانهم.
 
لاحظ الشيخ أهمية تأسيس الشباب من الناحية العلمية قبل تفرقهم في بلدان شتى للدراسة في علوم شتى، فعكف على إعداد مختصرات في النحو والسيرة والعقيدة والفرائض والتاريخ وتدريسها في حلقات علمية موجهة للشباب والكبار في كل من المدينة وجدة ومكة، وقد منَّ الله على الشيخ بتخريج عدد كبير من الطلاب الذين درسوا على يديه تلك المختصرات. 
 
خلال الفترة الأولى من إقامة الشيخ في المدينة المنورة كان يقيم دروسًا في المسجد النبوي الشريف في موسم الحج، كما شارك في عدد من الحلقات والندوات العلمية والتوجيهية في الإذاعة والتلفزيون السعودي وبخاصة في شهر رمضان. كما قام في تلك الفترة برحلات دعوية سنوية متكررة خلال شهر رمضان إلى دولة قطر والكويت والإمارات بدعوة من وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية فيها.
وتوفي رحمه الله في المدينة المنورة ليلة الأربعاء الموافق الخامس عشر من شوال لعام 1437 ..
 
فنسأل الله أن يتغمده برحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.