قول المعتزلة في مسألة الكلام

سفر الحوالي
قَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ-: 
[وبالجملة فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل عَلَى أنه كلام متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء، فهو حق يجب قبوله، وما يقول به من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وإنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف، فهو حق يجب قبوله والقول به،فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب، والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما] اهـ. 
الشرح: 
ذكر المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ-: أن المعتزلة قالوا: إن القُرْآن مخلوق، ثُمَّ قالوا بعد ذلك: إنه يتعلق بقدرته ومشيئته، أي أنه متى شاء خلق الكلام، ثُمَّ قالوا: إنه يتكلم متى شاء، وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء، ومعنى هذا: أنه يخلق الكلام متى شاء شيئاً بعد شيء. 
توضيح كلامهم وشرحه
ولتوضيح كلامهم عندنا مقدمتان أولاً: قولهم: إن الكلام مخلوق، وثانياً: قولهم: إنه يكون شيئاً بعد شيء، وأنه متعلق بالقدرة والمشيئة؛ فنأخذ الصواب ونرد الخطأ، فأما قولهم: إنه تَعَالَى يتكلم متى شاء، ويكون كلاماً بعد كلام فهو صحيح، لكنهم اخطاؤا باعتباره مخلوقاً، أي: لما قالوا إنه مخلوق، والماتريدية والأشعرية لما عكسوا فَقَالُوا: إن الكلام هو ما في النفس فقط. 
وبناءً عَلَى ذلك قالوا: إنه ما دام أنه في النفس فهو صفة له -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مثل بقية الصفات التي نثبتها لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وأن الصفة لا تقوم إلا بالموصوف لا كما يقول المعتزلة: إن الصفة تقوم بغيره! 
نقول لهم: إثباتكم أنه تَعَالَى موصوف بالكلام والتكلم وأنه صفة أزلية له -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- هذا حق لكنكم نفيتم الكلام الذي هو حروف وأصوات وقلتم: إن القُرْآن هذا المحفوظ والمقروء حكاية، أو عبارة عن كلام الله، أو دلالة عَلَى كلام الله النفسي، وليس هو كلام الله عَلَى الحقيقة،
فنقول -كما نقول دائماً-: إن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لا يظلمون أية طائفة ولا فرقة من الفرق؛ بل يبينون ما عندها من الخطأ وما عندها من الصواب، فهم شهداء لله قائمون بالقسط لا يحيفون ولا يجورون في أحكامهم. فلذلك نقول للمعتزلي قد أصبت في هذا، ولكنك أخطأت في ذاك ونقول للأشعري والماتريدي: أحسنت في هذا، ولكنك أخطأت في ذاك، ولا نقول: إنه يجب الأخذ بما في قول كُلٍ منهما بمعنى أننا لم نعرف الحق إلا عن طريقهما.
 
فمقصود المُصنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ- هنا أنه يجب الاعتراف أو الإقرار بما في قول أي منهما من الحق، وليس المعنى: أنه يجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب وأنه يجب علينا أن نتبع ما قالته المعتزلة أو الأشعرية من الصواب؛ لأننا في غنى فالحق والصواب لا يمكن أن يخرج عن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فما كَانَ صواباً لدى أية فرقة من الفرق فإنه موجود عند أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لكن ما عند أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.. من الصواب ومن الحق لا يوجد عند أية فرقة من الفرق. فقول المصنف:[يجب الأخذ بما في قول كل منهما] أي الإقرار بصحته. 
ولا نقول: كل كلام المعتزلة باطل، ولا كل كلام الأشعرية باطل، بل نقول: إثبات اتصاف الله -عَزَّ وَجَلَّ- بالكلام صفة ذاتية وصفة أزلية، هذا حق كما قالت الأشعرية، وكما قالت الماتريدية ونقول: إن كونه تَعَالَى يتكلم متى شاء كيف شاء، وأن كلامه يأتي بعد كلام، وأن خطابه لموسى عَلَيْهِ السَّلام غير خطابه للملائكة، وغير خطابه لآدم، والقرآن غير التوراة والإنجيل والإنجيل غير التوراة وهكذا هذا أيضاً حق وصواب، فنأخذ الصواب ونرد الخطأ والباطل من أي كان، وهذا منه -رَحِمَهُ اللَّهُ- مشياً مع مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ الذين هذا شأنهم ودينهم في كل أمر من الأمور، لا يجورون ولا يحيفون في أحكامهم رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم.
قيام الحوادث بالله من الألفاظ المجملة
قَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: 
[فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به. 
قلنا: هذا القول مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تَعَالَى من الأئمة؟ ونصوص القُرْآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضاً مع صريح العقل] اهـ. 
الشرح: 
إذا قال أهل البدع: يلزم من إثبات أنه تَعَالَى يتكلم متى شاء كيف شاء أن تقوم به الحوادث وقيام الحوادث ممتنع 
فنقول لهم أولاً: إن كلمة قيام الحوادث كلمة مجملة
وطريقة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في أمور العقيدة في الدين: أنه إذا جَاءَ أحد بلفظ مجمل نقول له فصِّل ما تقول: فإن أتى بمعنى حسن قبلنا منه ذلك المعنى وقلنا: المعنى هذا صحيح ومقبول، ولكنَّ يجب أن تستخدم اللفظ الشرعي الصحيح فلا تقل: قيام الحوادث بالله تعالى، وقل كما قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) [الشورى:11] هذا الذي نقوله: ما قاله الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن قَالَ: أعني بقيام الحوادث أنه يغضب ويرضى ويضحك وينزل فنقول: هذا المعنى غير صحيح وغير مقبول عندنا،
 
والمصنف يقول لهم هنا: من أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى الصحيح الذي لا مشابهة ولا تمثيل فيه؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الذي وصف نفسه بأنه ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))[الشورى:11] وهو الذي أخبرنا عن نفسه أنه كلم الملائكة وكلَّم موسى ويكلم من يشاء من عباده -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فليس فيه تشبيه. 
فنقول: من الذي أنكر قبلكم هذا المعنى والنصوص وكلام الأئمة تدل عليه؟ هذه بدعة محدثة أول من أحدثها هم أهل الكلام؛ وإلا فغيركم من الأئمة ممن تقدمكم من أهل الفضل والتقى الذين يقتدى بهم كانوا عَلَى ما في القُرْآن والسنة وقرؤا الآيات والأحاديث في ذلك ولم ينكروا منها شيئاً أو يردوا أو يؤولوا أي شيء، فأنتم ابتدعتم في دين الله ما لم يأذن به الله، فنرد هذه الكلمة وهذا المعنى، فلا تقولوا: قيام حوادث ولا هذه أعراض والأعراض لا تلحق به ولا تقولوا: حيز ولا جوهر ولا عرض ولا كمية ولا غيرها من المصطلحات الكلامية، فهذا الكلام هذا كله مما أخذتموه عن الفلاسفة ومما لا تفهم عقولكم غيره، أما نَحْنُ فنؤمن بالله كما أخبر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ونعلم أن العقول عاجزة عن إدراك حقيقة صفات الله -عَزَّ وَجَلَّ- كما أنها لا تدرك ذاته تَبَارَكَ وَتَعَالَى.