المرجئة ومعتقداتهم .

الإسلام سؤال وجواب

المرجئة لغة : من الإرجاء: وهو التأخير والإمهال ، قال تعالى: ( قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) الشعراء/ 36. أي : أمهله .

وفي الاصطلاح : كانت المرجئة في آخر القرن الأول تطلق على فئتين ، قال ابن عيينة رحمه الله :

" الْإِرْجَاءُ عَلَى وَجْهَيْنِ: قَوْمٌ أَرْجَوْا أَمْرَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ، فَقَدْ مَضَى أُولَئِكَ ، فَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ الْيَوْمَ فَهُمْ قَوْمٌ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمِلٍ " .

انتهى من "تهذيب الآثار" (2/ 659) .

وقال الطبري رحمه الله :

" وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ سُمِّيَتِ الْمُرْجِئَةُ مُرْجِئَةً أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِرْجَاءَ مَعْنَاهُ مَا بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ تَأْخِيرِ الشَّيْءِ ، فَمُؤَخِّرُ أَمْرَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى رَبِّهِمَا، وَتَارِكُ وَلَايَتَهُمَا وَالْبَرَاءَةُ مِنْهُمَا، مُرْجِئًا أَمْرَهُمَا، فَهُوَ مُرْجِئٌ.

وَمُؤَخِّرُ الْعَمَلَ وَالطَّاعَةَ عَنِ الْإِيمَانِ مُرْجِئُهُمَا عَنْهُ ، فَهُوَ مُرْجِئٌ "، غَيْرَ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنَ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِمَذَاهِبَ الْمُتَخَلِّفِينَ فِي الدِّيَانَاتِ فِي دَهْرِنَا هَذَا، هَذَا الِاسْمَ فِيمَنْ كَانَ مِنْ قَوْلِهِ : الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ ، وَفِيمَنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الشَّرَائِعَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ إِنَّمَا هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَوْلِ دُونَ الْعَمَلِ الْمُصَدِّقِ بِوُجُوبِهِ " انتهى من "تهذيب الآثار" (2/ 661) .

واستقر المعنى الاصطلاحي للمرجئة عند السلف على المعنى الثاني ، وهو القول بأن الإيمان قول بلا عمل ، أي إخراج الأعمال من مسمى الإيمان ، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص .

أول ظهور المرجئة :

ظهرت بدعة المرجئة في أواخر عصر الصحابة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" ثُمَّ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ حَدَثَتْ الْقَدَرِيَّةُ فِي آخِرِ عَصْرِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَجَابِرٍ؛ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَحَدَثَتْ الْمُرْجِئَةُ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّة فَإِنَّمَا حَدَثُوا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ " .

انتهى من "مجموع الفتاوى" (20/ 301) .

وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " إِنَّمَا أُحْدِثَ الْإِرْجَاءُ بَعْدَ هَزِيمَةِ ابْنِ الْأَشْعَثَ " .

انتهى من "السنة" لعبد الله بن أحمد (1/ 319) .

وكانت فتنة ابن الأشعث ما بين سنة 81-83هـ .

اعتقادات المرجئة :

لهذه الطائفة اعتقادات كثيرة ، خالفوا بها أهل السنة والجماعة ، نذكر منها :

ـ تعريف الإيمان بأنه التصديق بالقلب ، أو التصديق بالقلب والنطق باللسان فقط .

ـ وأن العمل ليس داخلاً في حقيقة الإيمان ، ولا هو جزء منه ، وأن تركه بالكلية لا ينفى الإيمان بالكلية .

ـ وأن أصحاب المعاصي مؤمنون كاملو الإيمان بكمال تصديقهم .

فالأعمال عندهم من فرائض الإيمان وشرائعه وثمراته ، وليست من حقيقته في شيء. 

ـ وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق بالشيء والجزم به لا يدخله زيادة ولا نقصان عندهم .

والمرجئة ليسوا على مذهب واحد ، وإنما هم طوائف ومذاهب .

قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :

" المرجئة طوائف ، ما هم بطائفة واحدة ، بعضهم يقول الإيمان هو المعرفة كما يقوله الجهم بن صفوان ، وهذا أخطر الأقوال ، هذا كفر؛ لأن فرعون يعرف في قرارة نفسه، قال له موسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الإسراء/ 102 ، فهو يعرف في قلبه ، فيكون مؤمناً؛ لأنه يعرف بقلبه! 

ويقول الله -جلَّ وعلا- عن الكفار: ( فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الأنعام/ 33 ، هم يعرفون بأن الرسول صادق ، فمعنى هذا أنهم كلهم مؤمنون ، على مذهب الجهم بن صفوان -قبَّحه الله-، هذا أخطر أنواع الإرجاء. 

ومنهم من يقول الإيمان هو التصديق، ما هو بمجرد المعرفة ، بل التصديق بالقلب، ولا يلزم الإقرار والعمل ، هذا قول الأشاعرة ، وهذا قول باطل بلا شك، لكن ما هو بمثل مذهب الجهم . 

ومنهم من يقول الإيمان هو الإقرار باللسان ولو لم يعتقد بقلبه -قول الكرّامية-، وهذا قول باطل؛ لأن المنافقين يقولون بألسنتهم، والله حكم أنهم في الدرك الأسفل من النار، معنى هذا أنهم مؤمنون. 

وأخفّهم الذي يقول : إن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان، هذا أخفّ أنواع المرجئة، لكنهم يشتركون كلهم بعدم الاهتمام بالعمل، لكن بعضهم أخفّ من بعض " 

انتهى من موقع الشيخ .

ذم السلف للإرجاء وأهله :

تواتر عن السلف ذم الإرجاء وأهله، وعد هذه الطائفة من أصحاب الأهواء والبدع: 

فقال الْأَوْزَاعِيُّ: " كَانَ يَحْيَى وَقَتَادَةُ يَقُولَانِ: " لَيْسَ مِنَ الْأَهْوَاءِ شَيْءٌ أَخْوَفُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْأُمَّةِ مِنَ الْإِرْجَاءِ "انتهى من "السنة" (1/ 318) .

وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، قَالَ: " اجْتَمَعْنَا فِي الْجَمَاجِمِ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَمَيْسَرَةُ وَأَبُو صَالِحٍ وَضَحَّاكٌ الْمِشْرَقِيُّ وَبُكَيْرٌ الطَّائِيُّ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِرْجَاءَ بِدْعَةٌ " .

انتهى من السنة" (1/ 327) .

وقال الْفُضَيْل بْن عِيَاضٍ : " إِنَّ أَهْلَ الْإِرْجَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمِلٍ ، وَيَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ : الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ بِلَا قَوْلٍ لَا وَعَمَلٍ ، وَيَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ " انتهى من "السنة" لعبد الله بن أحمد (1/ 305) .

وَقَالَ وَكِيعٌ: " " الْمُرْجِئَةُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْإِقْرَارُ يُجْزِئُ عَنْ الْعَمَلِ؛ وَمَنْ قَالَ هَذَا فَقَدْ هَلَكَ؛ وَمَنْ قَالَ: النِّيَّةُ تُجْزِئُ عَنْ الْعَمَلِ فَهُوَ كُفْرٌ ، وَهُوَ قَوْلُ جَهْمٍ " .

وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ.

"مجموع الفتاوى" (7/ 307) .

وقال ابن بطة رحمه الله :

" وَالْمُرْجِئَةُ تَزْعُمُ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ لَيْسَتَا مِنَ الْإِيمَانِ , فَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ , وَأَبْانَ خِلَافَهَمْ ، وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ جَلَّ لَمْ يُثْنِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , وَلَمْ يَصِفْ مَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ , وَالنَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ , وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ بِرِضَاهُ عَنْهُمْ إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ , وَالسَّعْيِ الرَّابِحِ , وَقَرَنَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ , وَالنِّيَّةَ بِالْإِخْلَاصِ , حَتَّى صَارَ اسْمُ الْإِيمَانِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ لَا يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ , وَلَا يَنْفَعُ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ , حَتَّى صَارَ الْإِيمَانُ قَوْلًا بِاللِّسَانِ , وَعَمَلًا بِالْجَوَارِحِ , وَمَعْرِفَةً بِالْقَلْبِ ، خِلَافًا لِقَوْلِ الْمُرْجِئَةِ الضَّالَّةِ الَّذِينَ زَاغَتْ قُلُوبُهُمْ , وَتَلَاعَبَتِ الشَّيَاطِينُ بِعُقُولِهِمْ , وَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِهِ , وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَّتِهِ " انتهى من "الإبانة الكبرى" (2/ 779) .

وقد دخل في هذا الإرجاء طائفة من فقهاء الكوفة وغيرهم ، وأنكر عليهم الأئمة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وَأَنْكَرَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ تَفَاضُلَ الْإِيمَانِ وَدُخُولَ الْأَعْمَالِ فِيهِ وَالِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ ؛ وَهَؤُلَاءِ مِنْ مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ ، وَأَمَّا إبْرَاهِيمُ النَّخَعِي - إمَامُ أَهْلِ الْكُوفَةِ شَيْخُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ - وَأَمْثَالُهُ؛ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ: كعلقمة وَالْأَسْوَدِ؛ فَكَانُوا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مُخَالَفَةً لِلْمُرْجِئَةِ ؛ لَكِنَّ حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ خَالَفَ سَلَفَهُ ؛ وَاتَّبَعَهُ مَنْ اتَّبَعَهُ وَدَخَلَ فِي هَذَا طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ إنَّ " السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ " اشْتَدَّ إنْكَارُهُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ وَتَبْدِيعُهُمْ وَتَغْلِيظُ الْقَوْلِ فِيهِمْ ؛ وَلَمْ أَعْلَمِ أَحَدًا مِنْهُمْ نَطَقَ بِتَكْفِيرِهِمْ ؛ بل هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ فِي ذَلِكَ " .

انتهى من "مجموع الفتاوى" (7/ 507) .

قال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله :

" مرجئة الفقهاء : هم الذين يقولون: إن الإيمان هو تصديق بالقلب، أو هو التصديق بالقلب واللسان يعني مع الإقرار ، وأما الأعمال الظاهرة والباطنة؛ فليست من الإيمان ، ولكنهم يقولون: بوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، وأن ترك الواجبات أو فعل المحرمات مقتض للعقاب الذي توعد الله به من عصاه، وبهذا يظهر الفرق بين مرجئة الفقهاء، وغيرهم خصوصا الغلاة، فإن مرجئة الفقهاء يقولون: إن الذنوب تضر صاحبها، وأما الغلاة فيقولون:لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة "

وبالجملة :

فالمرجئة يخالفون أهل السنة والجماعة في أصل من أصول العقيدة ، حيث يقول أهل السنة : أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية .

وأهل الإرجاء يخالفون في ذلك وغيره ، فالإيمان عندهم هو التصديق والقول فقط ، ولا يزيد ولا ينقص ، ولا دخل للطاعة والمعصية في مسمى الإيمان .