علاج الغلو نحو التكفير !!

بقلم الدكتور: أيمن هاروش

الغلو نحو التكفير فكر يُبنى على قواعد وأصول، وليس هو هبة عاطفية أو ردة فعل على الأقل عند المنظرين والمؤصلين له، وضرره كبير وخطير على الأمة؛ لأنه يفسد العقول ويمزق الأمة.
ومن أهم لوازمه وآثاره العملية سفك الدماء، ولهذا ما وُجد التكفير إلا ورافقه التفجير وسفك الدماء إن وجدت القدرة حتى ظهرا توأمين لا ينفصلان، وهو أصل الخوارج الأصيل، الذي إن وُجد في قوم فهم خوارج، وإن تخلف عنهم زالت الخارجية عنهم، وما عداه أصول لمنهج الخوارج وصفات جاءت مع تطوُّر الفكر عبر الزمن.
ولو عدنا إلى أهل النهروان الذين قاتلهم عَلِيٌّ وهم خوارج باتفاق الملة ولنبحث فيهم عن الأصول والصفات التي يذكرها أهل التصنيف في الفرق عن الخوارج لن تجد فيهم معظمها، فهم لا ينكرون حديثَ الآحاد، ولا حدَّ الرجم ولا رؤيةَ الله تعالى يوم القيامة، ولا يحلقون شعورهم، ولم ينتسبوا البقاع ونحو هذا، ولو سرنا على منهج من لا يرى خارجية داعش أو فرخها "الجند" لما حكمنا على أهل النهروان بأنهم خوارج، ولكن الأصل الذي وُجد عند خوارج عَلِيٍّ أنهم كفروه بغير حق، وقاتلوه بناء على تكفيره، ولهذا كل مَن كفَّر بغير حق وقاتل من كفَّره فهو خارجي. 
وقد يوجد هذا الوصف عند قوم لكنه ليس أصلهم الذي ولدوا منه فلا يُسمَّون الخوارج كالرافضة فهم يكفرون بغير حق ويقاتلون من كفروه لكن أصلهم الذي وُلدوا منه هو القول بالإمامة والتكفير ظهر فيما بعد. 
وبعد فهم تأصيل وصف الخوارج لا بد من بيان أنه يقابله الإرجاء، بل جاء الغلو في الإرجاء فيما سبق كردة فعل على الغلو في التكفير، وكلاهما خطر على الأمة، وكلاهما قُعّدت له القواعد وأُصّلت له الأصول، فصار كل منهما مدرسة فكرية، وبين الغُلوَّيْن يأتي منهج أهل السنّة الذي هو وسط بينهما. 
والغرض من هذا المقال هو وصف علاج الغلو وليس بيان خطره وأثره؛ لأنهما لا يخفيان على عاقل ونعيشهما واقعًا بيننا، لكننا للأسف نرى تقصيرنا كبيرًا في علاج الغلو.
وأول خطوة في علاجه هي التربية العلمية السليمة، ونقد أصول الفكر وقواعده بطريقة علمية، وللأسف رأينا في محاربة ظاهرة داعش منابر حاربت فكرها بطريقة العواطف ورمي التهم، ولم تنقد الأصول الفكرية التي قام عليها فكانت هذه المنابر مرسخة للغلو عند أهله. 
واليوم أرى شحًّا كبيرًا في الحديث عن الغلو في منابرنا العلمية ففي خطب الجمعة التي أحضرها مستمعًا من فترة تمنيت لو رأيت خطيبًا عالج الغلو بأسس علمية بل حتى غير علمية لم أسمع، والجو المحيط بالخطباء مشحون بالغلو والتكفير، ويقابل هذا التقصيرَ تقصيرٌ في المكاتب الشرعية، الفصائل التي غدت دوائر وظيفية يقصدها الشرعيون للقيام بمهام يُكَلَّفون بها منتظرين آخر الشهر لقبض المنحة، وليس شعورًا بأنه ثغر جهادي عليهم أن يحصنوا الجهاد من عوامل فساده، وأهمها الغلو نحو التكفير.
وأسوأ ما رأيت في المنابر العلمية أنها صارت تسمح بالإرجاء وتقليد المراكز العلمية لأصحاب المدارس المنحرفة كالصوفية كعلاج يقصي التكفير من الساحة، وهذه ردة فعل مغلوطة جدًّا بل هي ترسخ الغلو نحو التكفير وتزيده.

والخطوة الثانية هي مناظرة أهل الغلو سواء مباشرة وهو الأفضل والأنفع أو بتتبع ما يلقون من شُبَه ونقدها، وفي الحوار يرجع مريد الحق ومن لا يتبع هواه وهذه نقطة مهمة جدًّا جدًّا.
والخطوة الثالثة التضييق والتحذير على حامل فكر الغلو ما دام على مستوى الفكر ولم يصل لمرحلة الداعية إلى بدعته، فإن وصل لها فلا بد من تعزيره بعقوبة زاجرة رادعة، فإن تجاوز هذه المرحلة إلى التنظيم والعمل وإيذاء المجاهدين والمسلمين فيعامل معاملة الخوارج بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الاستئصال وقتل عاد.
ولا شك أن الوصول للمرحلة الأخيرة أمر لا يحبه ولا يرتضيه المؤمن، لكن قد يضطر المريض لقطع عضو منه ليسلم باقي جسده، وجاهل جهلًا فظيعًا من يرى هذه المرحلة قتال فتنة، بل هو قتال سُنّة وإلا كان عَلِيٌّ إمام المفتنين وحاشاه، وحتى المرحلة الأخيرة تنام فصائلنا عنها كنومها عن سابقاتها، وتترك المرض ليستفحل في الجسم حتى تكاد تضطر لقطع أعضاء، وكان الأمر يكفي في بدايته عملية جراحية بسيطة وغالبًا لا تتحقق العافية والشفاء التام عند الوصول لهذه المرحلة المتأخرة. 
وأخيرًا لا بد أن تنتبه الجهات الثورية إلى فكر الغلو والتكفير الذي ما دخل ساحة جهادية ألا ودمرها، وأن تعالجه بالطرق المناسبة قبل أن نخسر جهادنا، وتندم ساعة لا ينفع الندم.