التحالف الشيعي النصيري (1-4)

الشيخ محمد سرور زين العابدين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ: 
ففي [ 3/7/1392 هـ ] جرت اتصالات بين شيوخ الطائفتين: النصيرية والإمامية الإثني عشرية، وبعد عدة جلسات اكتشفوا أنهم أبناء طائفة واحدة، وجاء هذا الاكتشاف الغريب بعد أكثر من ألف عام من العداوة، وتكفير الثانية للأولى. ثم أصدروا بيانًا نشرته "دار الصادق" ببيروت تحت عنوان "العلويون شيعة أهل البيت" وتحت هذا العنوان، عنوان آخر بخط أصغر، "بيان عن عقيدة العلويين أصدره الأفاضل من رجال الدين من المسلمين  [العلويين] في الجمهوريتين السورية واللبنانية.
وعن الجانب الشيعي لم يُذكر إلا اسم الشيخ حسن مهدي الشيرازي مع أنه لا دور له يُذكر في هذه المسألة التي كانت من إعداد وتخطيط وإخراج موسى الصدر، الذي كانت تربطه صلةٌ وثيقةٌ مع الجنرال حافظ الأسد قبل أن يقوم بانقلابه العسكري عام 1970م. وهذه الصلة لم تكن بعيدةً عن أطماع الشاه في المنطقة العربية، هذا من جهة.. ومن جهة ثانية فحافظ الأسد كان أول رئيس جمهورية لسورية من غير المسلمين، ومن غير أهل السنّة، ويصعب جدًّا على السوريين أن يهضموا رئيسًا من أبناء الطائفة النصيرية. واجه الجنرال الأسد هذه المعضلة بحلٍّ ذي دعامتين: 
الأولى: هو قومي عربي، وزعيم من زعماء حزب البعث العربي الاشتراكي. وهذه الطوائف -كما يرددون دائمًا- تفرّق الأمة وتفتّ من عزيمتها، ومن ثم فإن الانقلاب العسكري الذي يتزعمه يشمل كل الطوائف، ويجب أن لا يغيب عن أذهان المواطنين بأن الأسد يقود انقلابًا عسكريًّا، والهيمنة في ظل هذا الانقلاب لقانون الطوارئ، الذي لا يحكمه قانون ولا ضوابط.
الثانية: الطائفة النصيرية الذي هو أحد أبنائها اسمها اليوم "الطائفة العلويّة"، وهو الاسم الذي أطلقته فرنسا عليهم منذ استعمارها لسورية عام 1920م. والجديد في الأمر هو هذا البيان الذي يستخفّون فيه بعقول الناس عندما يقولون لهم: إن العلويين هم من الشيعة الإمامية الإثني عشرية. يقول صديق حافظ أسد وكاتب سيرته: "أجرأ ملامح سياسة الأسد الخارجية –التي أعيد تشكيلها لمواجهة عالم كامب ديفيد– كانت بلا شك وقوفه مع إيران الثورة، مما خلق شيئًا جديدًا تمامًا في المنطقة، أي: محورًا شيعيًّا يمتد من طهران عبر دمشق إلى جنوب لبنان".
وقال أيضًا:
"وبالنسبة للرأي العامّ العربي، وحتى المحلي، كان قرار الأسد بدعم إيران محيّرًا ومثيرًا للجدل والخصومة. وقد خلق له هذا الخيار نزاعاتٍ مع العالم العربي، وأدخل [1] إلى تقييم القادة الآخرين له عنصرًا من القلق والمخاوف".
والأكثر دقةً وموضوعيةً قول مؤلِّفي كتاب الحروب السرية في لبنان:
"والأسد مدين بذلك لصديقه الصدر الذي أنقذه عام 1973 م من ورطة وقع فيها. ففي ذلك الحين، اتهم علماء دمشق السنيّون الرئيس –ومعلوم أنه علوي [أي مارق]- انه أغفل ذكر الإسلام لدين رئيس الدولة في الدستور الجديد. فسارع الإمام الصدر إلى توقيع فتوى تقر بأن العلويين هم من المسلمين الشيعة. وهذا النص لا قيمة قانونية حقيقية له باعتبار أن واضعه لا يحمل صفة آية الله المطلوبة لمثل هذه الأعمال"[2].
مَن حسن الشيرازي؟
إيراني قلبًا وقالبًا قدم إلى لبنان عام 1970م ليؤدي دورًا يخدم الطائفة في لبنان –كما يقول– ويخدم إيران ومرجعيته كما نقول.
ولم يكن مُرحَّبًا به من قِبل موسى الصدر؛ لأنه منافس له في بلد لا يتحمل مثل هذه المنافسة. وعندما أدرك الشيرازي أن أبواب المجلس الشيعي الأعلى مغلقة أمامه أسس "جماعة علماء الشيعة "، وهذا منه تكريس لصراعه مع الصدر، لكنهما لم يجدا بُدًّا من الاتفاق والتعاون في بعض القضايا، ومنها ما سمّي حوار الشيعة مع النصيرية.
كانت علاقات الشيرازي مع خصم الصدر اللدود كامل الأسعد قويةً، وازدادت قوتها بعد اختفاء الصدر. ففي تاريخ 25/4/1980 م عقدا –الأسعد والشيرازي– اجتماعًا ضم عددًا كبيرًا من علماء الشيعة، وملأت الإشاعات أجواء الطائفة عن أن الغرض من هذا الاجتماع الاتفاق على وحدة علماء الطائفة ثم على خلافة الصدر. وفي: 2/5/1980م أي بعد الاجتماع بأسبوعٍ واحدٍ غادر الشيرازي فندق "إنترناشيونال"  بعد زيارته لصديق له فأطلق أحد المسلّحين النار عليه فقتله دون أن يصاب سائقه بأذى، وكان على بُعد أقل من [500 متر] عن الفندق، وبسبب الفوضى التي تسود لبنان لم تعرف السلطات الجهةَ التي تقف وراء هذا القاتل، وراجت إشاعات كثيرة، فمن قائل: إنها المخابرات العراقية؛ لأن المغدور كان مقيمًا بالعراق ومعارضًا لنظامه، وقائل آخر: إنها المخابرات الأمريكية؛ لأنها هي التي جنّدته وأرسلته إلى لبنان، فخانها وعمل ضدها. والذي أراه أن المستفيد الأول من اغتياله حركة أمل وغيرها من أتباع موسى الصدر.
نقلت جثة الشيرازي إلى إيران، ودُفن في مدينة قم. ولم يكن غيابه كغياب الصدر، فكأنه بعد حينٍ من الزمن لا حلَّ في لبنان ولا رحل منها.[3]
 نعود إلى الحديث عن البيان الذي صدر عن طائفتي: النصيرية والشيعة الإثني عشرية. كنت قد سمعت به قبل صدوره عن دار صادق، واحتفظتُ فيما بعد بنسخة منه، فقدتُها داخل مكتبتي أكثر من مرة بسبب صغر حجمها، ثم كنت أجدها بعد البحث الشاق، ورأيت نشرها بعد حذف المقدمة التاريخية التي تحدثوا فيها عن مواقفهم الوطنية المشرّفة [على حدّ قولهم]، والوثائق الفرنسية والبريطانية تكذّب ادّعاءهم، وكذلك المذكرات العربية المنشورة، وفي كتبي الأخرى تحدثتُ طويلًا عن تاريخهم الأسود الكالح، والشاهد في هذا البيان: هل عقيدتهم هي عقيدة الشيعة الإثني عشرية، وهل العلوية [النصيرية] والشيعة الإثني عشرية اسمان لمسمًّى واحد؟! فإليكم البيان ثم مناقشتنا لأهمّ ما ورد فيه:
مقـــدّمـــة
بقلم سماحة العلاّمة السيد حسن مهدي الشيرازي
بســــم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لوليه، والصلاة والسلام على نبيه، والأطهار من عِتْرَته.
وبعد -:
لقد وفقني الله تعالى لزيارة إخواننا المسلمين (العلويين) في الجمهورية العربية السورية من 3 – 7 شعبان 1392 هـ، ثم زرتُ إخواننا المسلمين (العلويين) في طرابلس – لبنان، وذلك على رأس وفد من العلماء بأمر من سماحة الإمام المجدد المرجع الديني أخي: السيد محمد الشيرازي دام ظله، فالتقيتُ بجماعة من أفاضل علمائهم ومثقفيهم، وبجموع من أبناء المدن والقرى في جوامعهم ومجامعهم، وتبادلنا معهم الخطب والأحاديث، فوجدتهم –كما كان ظني بهم– من شيعة أهل البيت الذين يتمتعون بصفاء الإخلاص، وبراءة الالتزام بالحق.
وهذا البيان الذي أجمع عليه الأفاضل من علمائهم خبرٌ يصدق الخبَر، فمن خلاله يرفع إخواننا المسلمون (العلويون) رؤوسهم فوق ما تبقى من ضباب الطائفية ليقولوا كلمتهم عالية مدوّية: إننا كما نقول، لا كما يقول المتقوّلون.
هذا البيان الذي يقدمه إلى الرأي العامّ أصحابُ الفضيلة من شيوخهم هو واضح وصريح لأداء دلالتين: الأولى: أن العلويين هم شيعة ينتمون إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالولاية، وبعضهم ينتمي إليه بالولاية والنسب، كسائر الشيعة الذين يرتفع انتماؤهم العقيدي إلى الإمام علي (ع) وبعضهم يرتفع إليه انتماؤه النسبي أيضًا.
الثانية: أن "العلويين" و "الشيعة"   كلمتان مترادفتان مثل كلمتي "الإمامية" و "الجعفرية"، فكل شيعي هو علوي العقيدة، وكل علوي هو شيعي المذهب.
وأود هنا –كأي مسلم له حق الحسبة– أن ألفت أنظار الذين يهملون قول الله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا} [4]. ألفت أنظارهم، إلى أنه قد انتهى عصر التقاطع الذي كان يسمح بالتراشق بالتُّهم، وجاء عصر التواصل الذي لا يسمح بمرور الكلمة إلا عبر الأضواء الكاشفة.
وأسأل الله –تعالى- أن يجمع كلمة المسلمين كافة على ما فيه خيرهم ورضاه تعالى، إنه ولي التوفيق..
حسن مهدي الشيرازي
  لبنان – بيروت 11 ذي القعدة الحرام – 1392 هـ
عقيدتنـا
الديـن:
نعتقد أنه ما شرعه الله -سبحانه- لعباده على لسان رسول من رسله. وآخِر الأديان وأكملها هو الإسلام: {إن الدين عند الله الإسلام} [5]. {ومن يبتغِ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [6].
الإسلام:
هو الإقرار بالشهادتين: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله" والالتزام بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من عند الله.
الإيمـان:
هو الاعتقاد الصادق بوجود الله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله مع الإقرار بالشهادتين.
أصول الدين:
نعتقد أن أصول الدين خمسة: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد. ويجب معرفتها بالبرهان والدليل الموجِب للعلم لا بالظن أو التقليد.
التوحيد:
نعتقد بوجوب وجود إله واحد لا شريك له، لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، خالق للكائنات كلّيّها وجزئيّها، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[7] ، وهو كما أخبر عن نفسه بقوله تعالى: {قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوًا أحد} [8].
العدل:
نعتقد بأن الله تعالى عدل مُنزَّه عن الظلم {ولا يظلم ربك أحدًا}[9]، ولا يحب الظالمين، وأنه تعالى، إثباتًا لعدله {لا يكلف الله نفسًا إلا وُسْعها} [10] ، ولا يأمر الناس إلا بما فيه صلاحهم، ولا ينهاهم إلا عما فيه فسادهم {من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلاّم للعبيد}[11].
النبوة:
نعتقد بأن الله سبحانه، لطفًا منه بعباده، اصطفى منهم رسلًا وأمدّهم بالمعاجز الخارقة وميّزهم بالأخلاق العالية، وأرسلهم إلى الناس {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}[12]، لتبليغ رسالاته، حتى يرشدوهم إلى ما فيه صلاحهم، ويحذّروهم عما فيه فسادهم في الدنيا والآخرة {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} [13].
 والأنبياء كثيرون، وقد ذُكِرَ منهم في القرآن الكريم خمسة وعشرون نبيًّا ورسولًا، أولهم أبونا آدم وخاتمهم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهو نبي ورسول أرسله الله للعالمين كافة بشيرًا ونذيرًا، وشريعته السمحة آخِر الشرائع الإلهية وأكملها، وهي صالحة لكل زمان ومكان.
ونعتقد أن الله عصم الأنبياء من السهو والنسيان وارتكاب الذنوب عمدًا وخطأً قبل النبوة وبعدها، وجعلهم أفضل أهل عصورهم وأجمعهم للصفات الحميدة.
الإمامة:
نعتقد أنها منصب إلهي اقتضته حكمة الله -سبحانه- لمصلحة الناس في مؤازرة الأنبياء بنشر الدعوة والمحافظة بعدهم على تطبيق شرائعهم وصونها من التغيير والتحريف والتفسيرات الخاطئة.
ونعتقد أن اللطف الإلهي اقتضى أن يكون تعيين الإمام بالنص القاطع والصريح {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة} [14]، وأن يكون الإمام معصومًا مثل النبي عن السهو والذنب والخطأ لكي يطمئن المؤمنون بالدين إلى الاقتداء به في جميع أقواله وأفعاله، والأئمة عندنا اثنا عشر، نصّ عليهم النبي وأكّد السابقُ منهم النصَّ على إمامة اللاحق.
ونعتقد أن الإمام الذي نصّ عليه الله تعالى وبلّغ عنه رسولُهُ الأمينُ في أحاديث متواترة هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام- عبد الله وأخو رسوله وسيد الخلق بعده. وجاء النص بعده لِابْنَيْهِ سيدَيْ شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليهما السلام وبعدهما للتسعة من ولد الحسين: الإمام زين العابدين علي بن الحسين، فابنه الإمام الباقر محمد بن علي، فابنه الإمام الصادق جعفر بن محمد، فابنه الإمام الكاظم موسى بن جعفر، فابنه الإمام الرضا علي بن موسى، فابنه الإمام الجواد محمد بن علي، فابنه الإمام الهادي علي بن محمد، فابنه الإمام الحسن بن علي الملقّب بالعسكري، فابنه الإمام الثاني عشر صاحب الزمان الحُجَّة المهدي، عجّل الله به فرج المؤمنين، وسيظهره الله في آخِر الزمان فيملأ الدنيا قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا.
المعـاد:
نعتقد أن الله -سبحانه وتعالى- يبعث الناسَ أحياءً بعد الموت للحساب {وأنّ الساعة لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور}[15]، فيجزي المحسنَ بإحسانه والمسيءَ بإساءته {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [16]. {يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره}        [17].
وكما نؤمن بالمعاد فإننا نؤمن بجميع ما ورد في القرآن الكريم والحديث الصحيح من أخبار البعث والنشور والحشر، والجنة والنار، والعذاب والنعيم، والصراط والميزان، وما إلى ذلك {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} [18].
======================================
[1]- عن كتاب الأسد، الصراع على الشرق الأوسط، لمؤلفه: باتريك سيل. والمؤلف لم يكن أمينًا ولا صادقًا؛ لأن تعاون الأسد مع إيران وشيعتها كان منذ انقلابه العسكري عام 1970، وفي عهدي الشاه والخميني، وقبل كامب ديفيد التي زعم المؤلف أنه بسببها كان هذا التحالف.
[2]- الحروب السرية في لبنان، ص: 265، مصدر سابق. ولعل المؤلفيْن يتحدثان عن موقف آخر من المواقف التي وقف الصدر فيها إلى جانب حافظ الأسد، أما الفتوى الأولى فكانت قبل هذا التاريخ.
3-الصحف ووكالات الأنباء الصادرة بعد اغتياله، ومنها القدس برس: 6/5/1978م، وصحيفة الأنباء الكويتية: 29/9/1978م.
[4]- سورة النساء – الآية 94.
[5]- سورة آل عمران - الآية 19.
[6]- سورة آل عمران – الآية 85.
[7]- سورة الشورى - الآية 11.
[8]- سورة التوحيد.
[9]- سورة الكهف – الآية 49.
[10]- سورة البقرة – الآية 286.
[11]- سورة فصلت – الآية 46. 
[12]- سورة النساء – الآية 165.
[13]- سورة الأنعام – الآية 48.
[14]- سورة القصص – الآية 68.
[15]- سورة الحج – الآية 7.
[16]- سورة النجم – الآية 31.
[17]- سورة الزلزلة – الآيتين 6 – 7.
[18]- سورة آل عمران – الآية 53.