الصبر زاد النصر

أسامة أبي عبد الواحد

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيد الأولين والآخرين نبي المرحمة والملحمة الضحوك القتال.
وبعد:
قال تعالى: {والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [سورة العصر].
لا يخفى على عاقل بأن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، لكن لكل دار طالبوها ومريدوها، فمريد الدنيا لا بد له من صبر ومريد الآخرة لا بد له من صبر وعند الموازنة تترجح الآخرة لأنها خير وأبقى ويتحتّم الصبر على بلائها.
والخلق في مراداتهم منقسمون إلى قسمين:

·  قسم يريد الدنيا؛ ويسعى لها سعيا حثيثا.

·  وقسم يريد الآخرة؛ ويعمل جاهدا للوصول إلى المطلوب - نعيم الآخرة -
ولكل عقبات، فمريد الدنيا تعترضه عقبات يصمّم على اجتيازها، ولمريد الآخرة عقبات هو الآخر عاقد العزم على اجتيازها... وشتان شتان بين الفريقين، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20]، فنعيم الآخرة أعظم وأدوم، ونعيم الدنيا أصغر وأقصر.
ولعل أعظم عامل يوفق المسلم لنيل رضا ربه والفوز بالآخرة عند الفصل وانقسام الناس إلى فريقين؛ {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } [الشورى: من الآية 7]، هو تقوى الله عز وجل والصبر قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: من الآية 90]، وقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: من الآية 10 ].
وقد أخبر المولى تبارك وتعالى عن محبته للصابرين، إذ قال: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: من الآية 146]، وفي هذا أعظم ترغيب لمريد الآخرة.
كما يحظى الصابرون المحتسبون بسلام الملائكة عليهم، قال تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23 – 24 ].
والمتمعن لكتاب الله وسنة نبيه الكريم يجد الكثير من الآيات والأحاديث التي تحث على الصبر:
منها؛ قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبّر يصبّره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر) [متفق عليه عن أبي سعيد].
ولقد خاطب المولى عز وجل وأمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر في مواضع عدّة، منها قوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: من الآية 127].
وما من نبي إلا وأمر قومه وأتباعه بالصبر، ومنها قول نبي الله موسى عليه السلام: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]
 

و مما يدخل في الصبر؛ الصبر على طول الطريق، كما قال صلى الله عليه وسلم لخباب بن الأرت في الحديث الصحيح، حينما جاءه يطلب منه الدعاء بالنصر بعد الذي لاقوه في سبيل الله من مضايقات وعقبات كأداء.
عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ فقال: (إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه)، ثم قال: (والله ليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
فما وقع لأولئك الأخيار من الصحابة الكرام ومن بعدهم من ابتلاءات بالبأساء والضراء والزلزلة؛ سنة قدرية ،وقعت لمن كان قبلنا، وستقع لنا ولا بد، وهي من مقدمات النصر.
كما قال صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا).
وعلى كل مسلم أن يهيء نفسه لهذه السنة اللاّزمة.
ورغم ما يحدث هذه الأيام من التحديات الكفرية العالمية؛ يبقى المسلم الصادق عموما والمجاهد في سبيل الله خصوصا؛ صابرا واقفا في وجه هذا الشر المُتوحِد... هذا الشر المتلاطم كموج البحار... هذا الشر الذي يداهم ديار الإسلام.
وإن ما يصيب المجاهدين اليوم من مصائب وعقبات؛ لا يفت من عزائمهم، بل لا يزيدهم إلا صلابة في دينهم، وهم لا يبرّرون لأنفسهم مواكبة الباطل في شيء من باطله ليفكوا عن أنفسهم طوق الغربة الذي يعانون منه.
قال صلى الله عليه وسلم: (جاء الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء)، قيل: ومن هم؟ قال: (هم الذين يصلحون ما أفسده الناس)، وفي رواية أخرى: (أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)، وفي رواية أخرى: (هم الذين يصلحون إذا فسد الناس(
فالمدافعون عن هذا الدين المتين لم يضعفوا عن المواجهة الحقّة، رغم كل ما أصابهم وما يصيبهم، قال تعالى: {فما وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: من الآية 146].
قال البغوي: ({فما وهنوا}؛ أي فما جبنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا عن الجهاد بما نالهم من ألم الجراح وقتل الأصحاب، {وما استكانوا}، قال مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم، وقال السدي: وما ذلّوا، وقال عطاء: وما تضرعوا - أي بالشكوى - إلى المخلوق من سوء حالهم ولا استعطفوا الناس لنصرتهم).
قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، فالآية السالفة الذكر تضرب الأمثال السامية للهمم العالية من أتباع الرسل الصابرين المحتسبين.
ومما ينبغي على المسلم التحلي به؛ هو الإبتعاد عن كل ما من شأنه تعطيل نصر الله والعمل على توفير أسباب النصر، قال تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، وقال: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: من الآية 160]، فوعد الله حق لا يخلف الله الميعاد.
وإذا كان لا بد من الموت؛ فطالبوا الدنيا يموتون، وطالبوا الآخرة يموتو،ن وعند ربك تجتمع الخصوم، {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: من الآية 7]، وعندها يدرك أهل الجنة جزاء صبرهم وثباتهم، وكما قيل: عند الصباح يحمد القوم السُرى...
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصل اللهم على نبينا الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين