إدارة الإسلام للأزمات

أبو أسامة شلبي العوضي
يبين الشيخ شلبي العوضي كيف تدار الأزمات في الإسلام مستضيئا بمقاصد الشريعة و بالروح الإسلامية في ذلك ، رابطا بين الخبرات و المهارات الواقعية و مقاصد الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه و سلم

بسم الله الرحمن الرحيم

1- الإصلاح العقائدي:

ويكمن ذلك في إصلاح ما أفسده المفسدون من العقائد، إذ أن تصحيح العقيدة هو المحور الأساسي للإصلاح ، فمن صلحت عقيدته تحمل من الأعباء والأذى في سبيل عقيدته ما لا يقدر على حمله أي أحد من أهل الباطل ، ولذا بنى النبي – صلى الله عليه وسلم – رجالاً يحملون من العقيدة ما يؤهلهم لتحمل عظام الأعباء ، ولذا قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة : 214] هؤلاء هم المؤمنون،

وأما المنافقون فمطلبهم الدنيا، إن جاءتهم أحبوا من أعطاهم إياها، وإن لم تأتهم سخطوا على من تسبب في توليها عنهم ، قال تعالى مبيناً حالهم: {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة : 58] المنافق يحب الأخذ دون العطاء ، وأمثال هؤلاء لا يصلحون عند الأزمات، فلزم تقليلهم وإضعافهم ليضعف بذلك تأثيرهم.

ومن أبرز اتجاهات الإصلاح العقائدي الرد على الشبهات، لأن المرء يمكن أن تستهويه شبهة يقع بسببها في حبال الباطل تجعله في صف الشيطان بسبب معصية لم يتب منها، وإلَّا لو كان صادقاً ما استطاع الشيطان أن يسلك إليه سبيلاً.

وعندما اشتد البلاء على أهل المدينة قال أصحاب الاعتقاد السوي : {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسلِيمًا} [الأحزاب : 22] ونظير ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضلٍ لَمْ يَمْسَسهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173/ 174] .

 وأما أصحاب الاعتقاد الفاسد فقالوا : {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب : 12]  ويكون حالهم كما حكى الله عنهم: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب : 13 ، 14]

وكما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [الحشر : 11 ، 12> وكما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت : 10 ، 11]

لَوْ يَمَسُّ التوحيدُ فكرًا نقياً   ***   وضَمِيرًا حيًّا وَقَلْبًا أَبِيًّا

 

لأَحَالَ الخُمُولَ والضَّعْفَ إِيمَانًا  *** وَعَزْمًا يغْزُو نُجُومَ الثُّرَيَّا .

 

فَأَيْنَ جَحَافِلُ الأَبْطَالِ مِنَّا  ***  يُضِئُ مَسِيرَهَا للسَّالِكِينَ

 

وَتَغْبِطُهَا شُعُوبٌ أَرْهَقَتْهَا   ***  بِالاستبدادِ أَيْدِي الظَّالمِينَ ؟

 

ديوان محمد إقبال ترجمة الصاوي شعلان

2- الموازنة بين اللين والشدة:

لابد أن يوازن المرء عند إدارة الأزمات بين اللين والشدة ، لأن اللين يجرأ الأعداء ، والقسوة تولد الانفجار ، فلزم التوسط بينهما، وهذا ما أمر الله به نبيه – صلى الله عليه وسلم – وهذه هي الرحمة الحقيقة ، فانظر إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة : 73] وقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة : 128]

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة : 123]

وقوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد : 4

وقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل : 125] وقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } [العنكبوت : 46]

وقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة : 29]. وموسى - عليه السلام – الذي قال له ربه : {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه : 42 - 44] هو نفسه الذي قال عندما فَقَدَ الأملَ في إصلاحِهم كما قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس : 88]

3- تحديد الأعداء:

إن عدم معرفة العدو يخلط علينا طبيعة التعامل وإدارة الصراع، ولذا أمرنا الله بمعرفتهم وتحديد طبيعة صرعهم، ولذا قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَستَبِينَ سَبِيلُ الْمُجرِمِينَ} [الأنعام : 55] وهذا يدل على وجوب معرفة الأعداء وسبلهم وأن الله قد جلى طريقتهم فليكن الوحي مرجعاً أساسياً لنا في شتى حياتنا.

ولتعلم أن دراسة العقيدة الإسلامية من كتب السلف ينفعنا كثيراً في تحديد الأعداء، فكل من كفَّره الله فهو عدو لنا ، كأمثال الليبراليين والعلمانيين والاشتراكيين وإن زعموا أنهم ثوريون ووطنيون ، لأن الوطنية الحقيقة إنما هي تطبيق شرع الله على أرضه ،لأن هذه هي الرحمة لمن يحملها تُجاه أبناء وطنه ، ولنعلم أن النصارى لا وطنية عندهم أبداً وإنما مصلحتهم إن كانت معها كانت حبيبتهم وإن كانت ضدهم نبذوها ، ولذا فعلى الحصيف أن يتعامل أيضاً من منطلق مصلحة الإسلام لا غير.

ولنعلم أن عدم تكفير من كفره الله لا يقل خطراً ولا ضرراً عن رمي مسلم بالكفر، فلابد من الضبط لكلا القضيتين ، ولنحذر من غوغائية الغوغاء الذين يخلطون الحق بالباطل ، ويضعون النصوص في غير موضعها ، وينعتون بما لا يوجد تلبيساً وتدليساً وإبعاداً لمناوئيهم عن الساحة دون إرادة إقامة الحق ، و لذا أطلقوا على المجاهدين خوارج تبريراً لجلوسهم وتخاذلهم ، وحباً في الدنياً ، و ربما يكون تأويلاً ، ولكنه لا شك فاسد.

4- معرفة طبيعة الصراع:

إن تحديد الأعداء يمكننا من حسن إدارة التعامل معهم بحيث يسهل اتخاذهم أعداء كما أمرنا الله ، لأنهم من جملة شياطين الأنس الذين قال الله عنهم: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر : 6]

والصراع مع الأعداء لن يخمد إلا إذا زال أحد الطرفين ، فلا يغرنك منهم حسن الكلام أو جودة اللقاء أو بشاشة الحديث أو النصيحة المغلفة بالمحبة ، وذلك لا يجدي براءتهم شيئاً بعد أن أظهرها الله وجلاها، وإنما هي منهم من باب أن الحرب خدعة، ومن باب المداهنة لنداهن، فنسقط في نقض الولاء والبراء المقتضي إسقاطنا ، وقد نبأنا الله عن دوام الصراع بيننا وبينهم ما حيينا قال تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة : 105]

وقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة : 120]، وقال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة : 217] ،

وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ} [البقرة : 109] ، وإن كانت هذه الآية منسوخة، إلا أن الخبر فيها لا ينسخ ، لأن الأخبار لا نسخ فيها ، وإنما المنسوخ فيها هو الأمر بالعفو عن المشركين المعتدين أو الرافضين الإسلام .

5- الإغتيال:

لابد من اغتيال أكابر المجرمين ، إما تصريحاً بالاغتيال عند خشية العواقب على أهل الحق، وإما سراً من غير ظهور أمام الرأي العام بحقيقة الاغتيال ، وعند السرية لابد من أخذهم فرداً فرداً، ثم عزو القضية لجهات التحقيق ، وذلك من باب أن الحرب خدعة ، وقد أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – باغتيال أكابر المجرمين كأمثال كعب بن الأشرف، فإن كان الأمر لا يستدعي اغتيالاً فليكن تهديداً ويدل على هذا قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال : 60] فأمرنا الله بإرهاب الأعداء.

6- تمكين أهل الحق:

تمكين أهل الحق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وفكرياً ، أما سياسياً فبتمكينهم من المناصب الهامة ، وأما تمكينهم اقتصادياً فبتنمية أموالهم ، وأما تمكينهم عسكرياً فذلك له حالات: إن كانوا ضمن مؤسسة رسمية فبتولي القيادة ،

وإن كانوا خارج مؤسسة رسمية ، فإن كان في المؤسسات الرسمية ما يكفي لدفع أهل الباطل فيستحب حينئذ تسليح أهل الحق غير المنتمين للمؤسسة الرسمية ليكونوا سنداً ، مع وجوب تمكين أهل الحق في المؤسسات الرسمية في كل الأحوال؛ وأما تمكين أهل الحق فكرياً فذلك بمساندتهم ونشر أفكارهم وتصديرهم للقيادة الروحية والفكرية والثقافية وإظهار محاسنهم لازدياد شعبيتهم الدافعة لتمكين الحق، قال الله تعالى مبيناً ذلك: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران : 118 - 120]،

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران : 149] والتاريخ مليء بأن تقريب أهل الباطل من الأسباب الرئيسية لإسقاط الحق ، ومن ذلك ما فعله الوزير العلقمي الشيعي من التخابر للتتار حتى تمكنوا من قتل ما يقرب من اثنين مليون مسلم في العراق ، وكذلك خيانة الشيعة عندما وقفوا مع أمريكا في دخولها العراق وقتلوا أكثر من مليون ، وكان النصارى في مصر يقفون مع كل غاز للبلاد ،

وقد ظهر ذلك جلياً عندما جاءت الحملة الفرنسية وما تابع ذلك من خيانات وتآمرات لم يزل نصارى مصر جزءاً أساسياً منها ، وحتى العدوان الثلاثي ودخول بريطانيا ثم الحكام المستبدين أبناء الاستعمار كانوا النصارى من أعظم أقطابهم.

7- عدم المداهنة:

وذلك لقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم : 9] فهذه أمنية لأعداء الأمة ، فلو داهنا لانسلخنا من التوفيق وسخط علينا أهل الحق ولم يرض عنا أهل الباطل فحينئذ نخسر الجميع ، وفي الحديث: {من التمس رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس}. [صحيح ابن حبان 276]، وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن.

وقد تمنى المشركون في مكة من النبي – صلى الله عليه وسلم – عدم المساس بآلهتم وكذا من مات من آبائهم على عقيدتهم ، فلم يعط لهم بغيتهم ، مع أنه لو أعطاهم بغيتهم لرفعوا أيديهم عنه وعن أصحابه، ولكنه مأمور بالبراءة من الشرك وأهله ، وأمره الله بالهجرة دون المساس بالعقيدة لكونها الأصل ، فعدم المداهنة في الدين دأب كل مصلح على الدوام ،

ولابد أن يفرق المرء بين إحسان الأسلوب الموصل للدعوة وبين مضمون الكلام المحمول في الدعوة ، فالأول هو المأمور به العبد في كثير من النصوص الدالة على وجوب الدعوة بالحسنى ، وأما التنازل عن بعض أصول الإسلام بحجة الإحسان في إبلاغ الدعوة فهذا محض غش وافتراء ، ولو كان إحساناً لفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فعلينا الاتباع دون الابتداع.

8- الموازنة عند التصحيح:

لكل فعل رد فعل ، والمنضبط هو الذي يراعي العدل والموازنة عند رده على فعل غالٍ أو جافٍ ، ولا يكن كالنواصب الذين يسبون أهل البيت عند ردهم على من غلا فيهم ، ولا كالمرجئة عند ردهم على الخوارج ، ولا كالمجسمة عند ردهم على المعطلة ، وإنما يمتثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة : 8]،

أقول ذلك لأن جمعاً غير قليل يخطئ عند رده على اتهامات للإسلام ، فنراه منكراً للحجاب رداً على اتهام الإسلام باضطهاد المرأة ، ونراه منكراً حد الردة رداً على من يتهم الإسلام بالعنف وعدم الحرية ، ونراه منكراً بعض الأصول رداً على من يتهم الإسلام بعدم التمدن ، وغير ذلك ، وإنما على من أراد الرد أن يبين لهم أن أمر الله هو الخير وإنما التقصير في فهمهم ، وإفحام الخصم يشتمل على دفاع وهجوم فلزم الهجوم ، وذلك بإظهار فضائحهم ومساوئ منهجهم دون إجحاف، وبذلك يخرج المرء منتصراً.

9- قرارات دالة على الهوية :

من شأن القرارات الدالة على الهوية تثبيت أركان الدولة للقائد ، لونه قدم من البراهين الدالة على هوية الإسلامية ما ينسف ادعاءات المغرضين بكونه لن يطبق الشريعة وإنما يسعى لسلطة.

10- جمع كلمة أهل الحق وتفريق غيرهم:

من السبل الهامة لترسيخ الحق هي جمع كلمة أهل الحق وتفريق أهل الباطل ، فلقد جمع النبي – صلى الله عليه وسلم – كلمة المسلمين عندما هاجر إلى الدينة ، وذلك بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وكان ذلك من أول أعماله ، وكذلك قام نعيم بن مسعود – رضي الله عنه – ببث الفرقة بين اليهود من جانب وبين المشركين من جانب آخر خلال غزوة الأحزاب ، فتفرقوا وشتت الله شملهم، وكان تفريقهم هذا من أعظم النصر للإسلام ، حتى قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : {اليوم نغزوهم ولا يغزونا}. البخاري 4109.

11- القضاء على العدو الداخلي أولاً:

لا يقدر القائد على مجابهة العدو الخارجي إلا بعد إضعاف العدو الداخلي، حتى لا يُضرب على ظهره عند مجابهة العدو الخارجي ، وحتى يقطع الطريق على مساعد العدو الداخلي للعدو الخارجي ، وفي الوقت ذاته يَحْذَرُ مساعدةَ الخارجِ للداخل ، وهذا ما أرشدنا الله إليه في وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [التوبة : 123] .

 

12- عدم الحوار مع العدو الداخلي:

لم يتحاور النبي مع اليهود ولا مع المنافقين ، فبمجرد أن نقض اليهود العهد جعلهم بين طريد وجريح وأسير ولم يتفاوض معهم ، وذلك لأن التفاوض معهم سيمكنهم من الانقلاب على الحق وأهله، فلا يصح بحال أن نعطيهم الفرصة ، وإنما الحوار مع من لا يختلف معنا في عقيدتنا ، وإنما الخلاف بيننا وبينه سائغ قد اختلف فيه السلف قبلنا ، وثَمَّ فرق بين الحوار المعنِي هاهنا وبين الجدال بالحسنى ، وذلك لأن الجدال هذا في حال إقامة الحجة خلال الدعوة ، بخلاف الحوار مع معادين للإسلام أثناء الحرب وتربص الدوائر.

13- تركيز الأضواء على مساوئ العدو:

وهذا من باب أن الحرب خدعة ، وقد قال الله تبارك وتعالى : {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد : 1 - 5] ولم يذكر في السورة محاسنه، مع أنه كان كريماً شجاعاً ، إلا أن العداء للإسلام يغطي كل مزية ، فلزم التركيز على المساوئ دون المزايا، حتى لا يستخدم مزاياه لنشر سمومه.

14- الاعتزاز بالإسلام :

وهذا هو الأصل – ولذا أخرته - أن يرجع المرء للإسلام في كل شيء، ففيه العزة والهدى والتمكين والرشاد والصلاح والفرقان ، من اتبعه هداه الله ومن تركه أذله الله ، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا استَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور : 55]

وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر : 10] ولو وقع المرء في بلاء جراء اعتصامه بحبل الله فهذا يرفعه في الدنيا والآخرة ، وله نصيب من رفع الذكر الوارد في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح : 4] ولو مات فهو الفائز ، كما ذكر الله إحراق الغلام ومن معه ثم نعتهم بالفوز، ومع فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج : 11] .

وعلى المرء أن لا يخشى الغرب ولا غيرهم من المعادين للإسلام العظيم ، هكذا كان أسلافنا ، وبهذا بشرنا ربنا، فمن مات نحسبه شهيداً ، ومن عاش أحياه اللهُ كريماً حميداً ، وليس عند الأباة خيار ثالث ، قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة : 52] .

 ، وعلى المرء أن يعلم أن التردد في إقامة الإسلام مع الأعداء يقويهم ويهزمنا ، {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة : 14 ، 15] .

ولابد من أخذ الدين كله ، فعلى قدر اعتصامنا يكون عزنا ، فلا نعتز بشيء سواه ، ولا تغرنا أي دعوة غير دعوته ، فلا وطنية إلا بالإسلام ، ولا قوام إلا بالدين ، ولا ننجرف وراء أي دعوة للمساواة بين الرجل والمرأة، فلكلٍ طبيعة تتباين مع الأخرى، فلزم تباين الأحكام لإصلاح الجميع دون انتقاص أحد ، ولا ننجرف وراء دعاة المساواة بين المسلم والكافر، فشتان بين من أكرم الله وبين من أهانه {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } [الحج : 18]،

ولا نصدق دعوى الباطل بأن الإسلام معزول عن الحياة ، فهذا كفر ما بعده كفر ، فالإسلام دين ودولة ، علم وعمل ، أخلاق وعبادات ومعاملات ، فالرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يخطب ويصلي بهم إماماً، ويبعث السرايا، ويجهز الجيوش، ويوزع الغنائم، ويجمع الزكاة، ويصلح بين المتخاصمين، ويرشد الحيارى ، ويواسي المصاب، ويخدم نفسه، وينشر الدعوة، ويعلم الأخبار، ويقوم بالليل حتى تورمت قدماه ، فجمع بين الدين والدنيا، وهذا هو الإسلام العظيم ، لا كإسلام العلمانية ، ولا كإسلام أصحاب الدعوة دون ساحات السياسية ، وهم بفعلهم هذا وافقوا العلمانية وهم لا يشعرون ، فمكثوا في مساجدهم دون الانتباه أن صلاح الحاكم إصلاح للمحكوم وأن الله يزغ بالسلطان ما لا يزغ بالقرءان، فاتفق هؤلاء وهؤلاء على منع خروج شعاع القرءان خارج المسجد، إلا أن الله قد أمر نبيه – صلى الله عليه وسلم - أن يرزقه سلطاناً يُقيم به الحق فقال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء : 80] .

حسبوا بأن الدين عزلةُ راهب …واستمرءوا الأوراد والأذكارا

 

عجباً أراهم يؤمنون ببعضه … وأرى القلوب ببعضه كفارا

والدين كان ولا يزال فرائضاً… ونوافلاً للـــــــــــــــه واستغفـــــــارا

والدين ميدان وصَمْصام وفُرْ…سانٌ تبيد الشرَّ والأشـــــــــــــــــرارا

والدين حكم باسم ربك قائم …بالعدل لا جوراً ولا استهتارا

هذا . والحمد لله رب العالمين ، وصل اللهم وسلم وبارك على حبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.