نية المجاهد و أثرها في سير الجهاد

شبكة الدرر الشامية - القسم العلمي
الإخلاص مدار فلاح العبد فيما يتقرب به إلى الله تعالى ، وهو مطلوب من المسلم في كل أعماله، كما قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) [البينة: 5] وقال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) [الكهف: 110]. و فواته خسران عظيم في الدنيا و الآخرة واضطراب للأحوال ، و الثغرة العظيمة لأعداء الإسلام . وقد خصّت فريضة الجهاد بالتأكيد على الحرص على إخلاص المجاهد نيته لله تعالى، لأن تسرب الرياء إلى المجاهد أسرع منه إلى غيره، ولهذا عنيت النصوص بذلك غاية العناية. فالجهاد نفسه يأتي في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه و سلم مقيدا بقيد (في سبيل الله) .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله معز الإسلام بنصره  ، و مذل الشرك بقهره ،و الصلاة و السلام على إمام المجاهدين في سبيل نصرة شريعته

الإخلاص مدار فلاح العبد فيما يتقرب به إلى الله تعالى ، وهو مطلوب من المسلم في كل أعماله، كما قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) [البينة: 5]

وقال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) [الكهف: 110].

 و فواته خسران عظيم في الدنيا و الآخرة واضطراب للأحوال ، و الثغرة العظيمة لأعداء الإسلام

وقد خصّت فريضة الجهاد بالتأكيد على الحرص على إخلاص المجاهد نيته لله تعالى، لأن تسرب الرياء إلى المجاهد أسرع منه إلى غيره، ولهذا عنيت النصوص بذلك غاية العناية.

فالجهاد نفسه يأتي في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه و سلم مقيدا بقيد  (في سبيل الله) .

نية الجهاد (في القرآن) :

1.{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} سورة البقرة: 218

2.{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة المائدة: 35

3.{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} سورة التوبة: 16

4.{الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} سورة التوبة: 20

5.{انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة التوبة: 41

6.{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ……الآية} سورة الحج: 78

7.{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} سورة الحجرات: 15

8.{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} سورة البقرة: 190

9.{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سورة البقرة: 244

10.{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} سورة آل عمران: 13

11.{وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} سورة آل عمران: 157

12.{وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} سورة آل عمران: 167

13.{فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} سورة النساء: 74

14.{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} سورة النساء: 75

15.{الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} سورة النساء: 76

16.{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} سورة الأنفال: 39

17.{إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} سورة التوبة: 111

18.{.... وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} سورة محمد: 4

19.{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} سورة الصف: 4

20.{انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة التوبة: 41

 

نية الجهاد (في السنة ):

1.( عن أبي موسى قال : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء ، فأي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله } . رواه الجماعة ) .

2. ( وعن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون غنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في الآخرة ويبقى لهم الثلث ، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم } . رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ) .

3. ( عن أبي أمامة قال : { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له ، ثم قال : إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا ، وابتغي به وجهه } . رواه أحمد والنسائي ) .

4. ( وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد ، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال : كذبت ولكن قاتلت ليقال جريء فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى يلقى في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن ، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن ، قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه ، حتى ألقي في النار ، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله ، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، قال فما عملت فيها ؟ قال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال : كذبت ، ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار } رواه أحمد ومسلم ) .

5. ( وعن زيد بن خالد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا } . متفق عليه ) .

فأحوج الناس إلى الإخلاص هم المجاهدون في سبيل الله حيث أرواحهم على أكفهم يعرضونها صبح مساء على بارئها راجين قبولها فحري بكل مجاهد أن يتفقد نفسه و ينظر أين هو من الإخلاص فالوعيد الذي ثبت في صحيح مسلم  و غيره  فيما سبق ذكره لمن راءى في جهاده يأبى على كل منافح دون هذا الدين إلا أن يحذر كل الحذر أن تنزلق قدمه في هاوية الرياء فيخسر بذلك دنياه و آخراه ، فلابد أن يحرص المجاهد بعد هذا البيان من القرآن و السنة على أن يكون متجردا من أهواء النفس ، بعيدا عن حب الذكر أو أن يشار له بالبنان ، خالصا من الشوائب التى تعكر صفوه كالرغبة بالسمعة والثناء والمدح أو التطلع لنصرة حزب على آخر، أو جماعة على أُخرى لمجرد كونها جماعتك أو نحو ذلك، بعيداً عن حب العلو الذي قلما تخلو منه نفسٌ بشرية، ليكن شعارك على أي حال وفي كل مآل: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }.

وهنا مسألتان:

       الأولى: إرادة الغنيمة مع إرادة وجه الله وقصده بالجهاد.

       الثانية: إرادة الذكر والثناء والمديح والدنيا مع إرادة وجه الله.

       أما الأُولى أي إرادة الغنيمة مع إرادة وجه الله فقد تنازع فيها العلماء، فمنهم من ذهب إلى أن نيته فاسدة لا تصح، بل هو معاقب عليه على ذلك، ومنهم على خلاف ذلك أي ذكروا أن نيته صحيحة ولا شيء يشينها وهذا هو الصحيح كما قرر ذلك الإمام ابن النحاس في كتابه مشارع الأشواق: فقد قال رحمه الله: وهذه النية مما اختلف فيها العلماء وأشباهها، فذهب بعضهم إلى أن هذه النية فاسدة، وأن صاحبها يعاقب عليها لإدخاله قصد الدنيا في عمل الآخرة. وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه النية صحيحة، وأن صاحبها مأجور مثاب عند الله، وهذا هو الصحيح لأنه يتفق مع فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. 

وهذه جملة أقوال ممن ذهب من أهل العلم إلى صحة نيته:

قال ابن رجب الحنبلي: فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء، مثل أخذ أجره للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم، ولم يبطل بالكلية... وروي عن عبد الله بن عمرٍو أنه قال: إذا أجمع أحدُكم على الغزو، فعوضه الله رزقاً، فلا بأس بذلك، وأما إن أحدكُم إن أُعطي درهماً غزا، وإن مُنع درهماً مكث، فلا خير في ذلك. 

وقال القرافي المالكي في الفروق: وأما مطلق التشريك كمن جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد، وليحصل المال من الغنيمة فهذا لا يضره، ولا يحرم عليه بالإجماع، لأن الله تعالى جعل له هذا في هذه العبادة. ففرق بين جهاده ليقول الناس إنه شجاع، أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاؤه من بيت المال، فهذا ونحوه رياءٌ حرام، وبين أن يجاهد ليحصِّل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو، فهذا لا يضره مع أنه قد شرك، ولا يقال لهذا رياء. 

وقال القرطبي في تفسيره: دلَّ خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلقى العير على جواز النفير للغنيمة لأنها كسب حلال، وهو يرد ما كره مالك من ذلك، إذ قال: ذلك قتال على الدنيا، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله دون من يقاتل للغنيمة، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ.

قال ابن النحاس في مشارع الأشواق: وهذا الدليل الذي استدل به القرطبي دليل جيد.اهـ

هذا وقد تنازع العلماء في نقص الأجر والثواب لمن يرجع بالغنيمة سالماً، فجزم النووي في شرحه لحديث ابن عمر " ما من غازية تغزو.." الحديث في مسلم والبخاري وغيرهم، أن ذلك ينقص من الأجر والثواب، قال رحمه الله:  فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الغزاة إذا سَلِموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة، كقوله: مِنَّا من مات ولم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْذِبُهَا، أي يَجْتَنِيها فهذا الذي ذكرنا هو الصواب وهو ظاهر الحديث ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حمله على ما ذكرنا. ، بخلاف ابن حجر الذي أورد المسألة وبحثها في شرحه لصحيح البخاري ولم يحكم في المسألة، وكذلك الشوكاني فصَّلَ فيها في نيل الأوطار / باب إخلاص النية في الجهاد ولم يحكم فيها.

المسألة الثانية: إرادة الذكر والثناء والمديح والدنيا مع إرادة وجه الله.

لا شك أن من طلب بجهاده واحدةً مما ذكرنا أن جهاده عائدٌ عليه بالوزر والتنكيل يوم القيامة، حيث أنه أشرك مع الله في نيته، وقصد غير وجهه سبحانه في ما سعى إليه، وهذا الصنف أول من تسعر به النار يوم القيامة كما ورد ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه الأئمة الأعلام، نسأل الله العفو والعافية.

أما من شرَّك في نيته فكانت نيته من الجهاد الأجر والثواب، والذكر والثناء، فهذا الصنف من البشر لا له ولا عليه كما دلت على ذلك النصوص، ويكفيه من العقاب أن أحبط الله عمله وجهاده، وبذل نفسه رخيصة من غير مقابل، وهذا الذي ذكرت هو ما قرره ابن النحاس في مشارع الأشواق والله الموفق لخير العمل.

أما الذي يطرأ عليه الرياء بعد الخروج الصادق للجهاد، فقد بوب له ابن النحاس في المشارع وجعل له فصلاً مستقلاً هذا ملخص ما قرره رحمه الله:

الطاعات والأعمال الصالحة بغض النظر عن ماهيتها التي كانت قبل أن يطرأ على نيته طارئ الرياء له أجرها، والتي كانت منه بعد حدوث طارئ الرياء لا أجر له عليها، وإن لم يكن قد صدر منه أعمال صالحة قبل طارئ الرياء، وإنما طرأ الرياء عند خروجه للجهاد فهذا لا أجر له، لأن الرياء أحبط العمل، وإن خرج للجهاد ونيته صالحة خالصة ثم ذهبت عنه النية الخالصة عند الاصطفاف للقتال، ولم يحل محلها نية الرياء أو الفخر، فالنية الأولى تكفيه، وهو مأجور على جهاده، والنية العامة في الجهاد تكفيه ولا يشترط له تحقق النية في كل جزئية أو حركة أو لحظة من لحظات جهاده، ويكفي عدم حدوث ما يبطل نية الجهاد .

و الحاصل مما سبق ذكره في الإخلاص هو أن تقصد الله عز وجل بالطاعة وتفرده جل وعلا بذلك، فلا يكون لغيره نصيب أو حظ فيما تعمل، لا حظ فيه لملك مقرب، ولا نبي مرسل ولا ولي موفق، ولا أمير معظم، ولا مسؤول مبجل، ولا رغبة في عطاء، ولا مهابة منع وحرمان، ولا حرصاً على تبييض صورة حزب، ولا قصد تكثير سواد جماعة، إلى غير ذلك فتنبه لذلك يرحمك الله.

فالإخلاص هو منبع الخير وأصله، وهو رأس التقوى والإحسان، وهو سبب النجاة، وسبيل الخلاص، وعلامة الفلاح، وعنوان النجاح

و ضده هو منبع الشر و أصله و رأس العصيان و الإساءة و هوسبب الهزيمة و سبيل الهلاك  ، و علامة الخسران و عنوان الفشل و الإندحار.

نسأل الله تعالى أن يثبت الإخلاص في قلوب المجاهدين في كل مكان ، ليثبت أقدامهم و يوحد صفوفهم ،و يزلزل أعدائهم  لتكون كلمة الله  هي العليا .